مات محمد بنعبد العزيز، رئيس جبهة "البوليساريو"بعد  إصابته بمرض عضال طويل ألم به، بحسب بيان صادر عن قيادة الجبهة، يوم الثلاثاء 31 ماي الجاري.

وكان عبد العزيز، رحمه الله، قد وُلد يوم 17 غشت من سنة 1948، بمدينة السمارة، بإقليم الساقية الحمراء، في وقت تفيد فيه رواية أخرى أنه ولد بنواحي مراكش، قبل أن يتدرج في سلم جبهة البوليساريو كعضو مؤسس، حيث أنتخب في مكتبها السياسي خلال مؤتمرها التأسيسي في 10 مايو 1973، وظل الراحل قائدا عسكريا في الجبهة حتى انتخابه بعد وفاة الولي مصطفى السيد..

ظروف "الولادة السياسية" لمحمد عبد العزيز متنوعة ومتشعبة، أبرزها عامل دولي يرتبط بالحرب الباردة، حيث  الإتحاد السوفياتي يحشد الدعم لمعسكره الإشتراكي  والولايات الأمريكية المتحدة الأمريكية تحشد الدعم لمعسكرها الرأس المالي، وبما أن المغرب اختار المعسكر الأخير كان طبيعيا لمن فكر في  الانفصال عن المغرب أن يرتمي في أحضان المعسكر الأول.

ثم عامل ثاني يرتبط،  من جهة  بطمع  "طغمة عسكرية" توجد في الجزائر، في منفذ على المحيط الأطلسي، ومن جهة ثانية، وهذا هو الأهم، يرتبط بتخوف هذه "الطغمة" من إعادة فتح نقاش الحدود مع المغرب، خاصة وأن الحكومة الإنتقالية في الجزائر كانت قد التزمت مع الملك محمد الخامس بإعادة فتح نقاش الحدود، مباشرة بعد تنصيب الحكومة الرسمية، قبل أن تندلع  "حرب الرمال" التي كان بإمكان الحسن الثاني خلالها أن يصلي في مسجد وهران إن رغب في ذلك، كما اقترح عليه الجنرال ادريس بنعمر، ولكنه طلب من الأخير التراجع لأسباب ظلت غامضة غموم ظروف تنازل المغرب عن موريتانيا.

مرت سنين طويلة، قُتل آلاف الضحايا في صفوف الجانبين، في حرب ظالمة بين إخوان يجمعهم نفس التراب ونفس الدين ونفس الدم ونفس المصير، قبل أن يتلزم الطرفان بوقف إطلاق النار تحت مراقبة "المينورسو".

تغير الواقع الموضوعي الذي أنتج عبد العزيز ورفاقه، أولا بتفكك المعسكر الإشتراكي وسقوط جدار برلين،ثانيا بتقُدم المغرب بمشروع، يعد شكلا من أشكال تقرير المصير، بعد أن تبث بالملموس استحالة إجراء استفثاء في المنطقة، بناء على عشر عائلات، ووصف المجتمع الدولي في غالبيته المشروع المغربي بالجدي، ومع ذلك ظل عبد العزيز، رحمه الله، أسير فكرة متطرفة، دُفنت معه.

كان من الصعب جدا على عبد العزيز وقلة من رفاقه تغيير موقفهم، رغم تغيير الواقع الموضوعي الذي أنتجهم، حتى ولو كان عبد العزيز في قرارة نفسه مقتنع بالمشروع المغربي، فثقل الموقف السياسي الذي كان سببا في وجوده، ظل عقبة نفسية أمام أي محاولة انفتاح اتجاه المغرب، خاصة وأنه كان يدرك تبعات أي تغيير في موقفه، فأقل ما سيواجهه محاكمة شعبية، تحاسبه على تاريخه النضالي الطويل، وخياراته العسكرية وكيف ولماذا استفاق اليوم بالضبط؟

واليوم، وبعد وفاة الزعيم، رحمه الله، وفي وقت تنكس فيه "الطغمة العسكرية" الأعلام وتعلن الحداد،  آن للمغرب أن يبادر، أولا بتعزية إخواننا  في "الجبهة" في فقدان أخينا وأخيهم عبد العزيز، مع تجديد نداء الوطن بأنه غفور رحيم، ثانيا، بطمئنة الجزائر حول حدودها مع المغرب، عبر فتح نقاش جدي وأخوي بخصوص هذه القضية، فمن غير المقبول أن تبقى الوحدة الترابية سواء بالنسبة للمغرب أو الجزائر موضوع مزايدة سياسية لأي طرف سياسي بين الفينة والأخرى، خاصة أمام التكتلات السياسية والإقتصادية التي يشهدها العالم، وأمام الإرهاب المحدق بالمنطقة، القادم  من دول الساحل، وأي موقف لزعيم سياسي سواء كان زعيم حزب "الإستقلال" أو أي زعيم سياسي آخر مغربي عليه أن يراعي ديبلوماسية الدولة المغربية اتجاه هذا الملف، كما على "الرباط" أن تخترق هذه القضية وأن تبدي موقفها بوضوح اتجاه "تندوف" و"حاسي بيضة" وكلومبشار" و"القنادسة" كما اخترقت، بنجاح، تقرير المصير بمشروع الحكم الذاتي..