زار وفد حقوقي، يتكون من خديجة الرياضي والمعطي منجب وعبد العزيز النويضي، بيت الأمين العام لجماعة "العدل والإحسان" محمد العبادي، في إطار تضامني مع الأخير بعد استمرار السلطات في تشميع بيته.

أن يزور المذكورون بيت محمد العبادي،  في إطار اللجنة التي تجمعهم،  هي خطوة حقوقية مُهمة، يستحقون عليها كل الثناء والشكر، خاصة وأن قرار التشميع قرار ظالم، وفيه إعتداء سافر على حق مواطن، بصرف النظر عن موقعه كزعيم لأكبر جماعة سياسية في المغرب. لكن  هل كان العبادي سيحظى بتشكيل هذه اللجنة وبزيارة بيته  لو أنه قاض أو صحافي أو زعيم يقود تنظيما غير تنظيم "العدل والإحسان"؟

خلال لقائي الأخير برئيس "الهيئة الوطنية لحماية المال العام في المغرب" محمد طارق السباعي، سألته عن حجم التضامن معه، حين كان على شفا من الموت، ففوجئت وهو يخبرني بأن شخصيات حقوقية وازنة، تشاركت معه لعقود طويلة ساحات الشوارع ومنصات ندوات وقاعات اجتماعات، بما فيها اجتماعات الإئتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان، لم تكلف نفسها حتى مجرد الإتصال به هاتفيا للتأكد من بقائه حيا، فبالأحرى أن تزوره في بيته أو المصحة التي كان يرقد بها لأسابيع طويلة.

كم من قاضِِ عُزل، ظلما وعدوانا، وأصبحت قضيته قضية رأي عام وطني ودولي، بل إن القاضي فتحي تعرض لظلم قد يستحيي أي شخص عن إتيانه، فبالأحرى أن يأتيه وزير يتشدق بتاريخه الحقوقي، ومع ذلك لم يحظ فتحي  بزيارة لبيته بل مجرد اتصال هاتفي للتضامن معه، رغم أن الجريمة ضده ليس فيها فقط "تشميع" لبيته بل  "تشميع" لمستقبل زوجة وأطفال ولمستقبل القضاء المغربي ككل.

الطالب مصطفى المزياني،  ظل لأزيد من سبعين يوما يموت ثانية بثانية، بعد اضراب ماراطوني عن الطعام، ورغم أن قضيته ظلت قضية رأي عام، تشعل الصفحات الإجتماعية والمواقع الإلكترونية، لم يحظ بزيارة أي وفد حقوقي من الحقوقيين المعروفين، كما لم تحظ عائلته بهذه الزيارة إلى غاية اليوم.

بالأمس القريب تابع المغاربة جريمة، ما أتى بها زمان، حين قام عدد من المتطرفين بحلق شعر فتاة قاصر  في مكناس، في إطار محاكمة شبيهة بالمحاكمات التي تقيمها " داعش"، ورغم هول الفاجعة، التي تمس الأمن القومي و الوجدان الوطني ككل، لم تحظ المذكورة ولا حظيت  عائلتها بزيارة أي وفد حقوقي مغربي.

نحن في موقع "بديل" ضربتنا الشرطة، بل كاد أحدهم أن يقتلنا عمدا بدراجته النارية في الرباط، ثم هوجمت سيارتنا وكُسر زجاجها وسُرق حاسوبنا من داخلها، رُفِع في وجهنا سيف بحجم "سيوف داعش"، وسُلب منا هاتفنا الشخصي، حُكم علينا ظلما وعدوانا في الدار البيضاء، لفائدة المدير العام للأمن الوطني بأربعة أشهر مع غرامة عشرة ملايين سنتيم، ثم حُكم علينا أيضا ظلما وعدوانا في مكناس، لفائدة والي الجهة، بتوقيف الموقع لمدة ثلاثة أشهر مع غرامة ثلاثة ملايين سنتيم، وتعرضنا داخل ولاية أمن الرباط، لإستنطاق ماراطوني، دام لساعات طوال، لفائدة وزير الداخلية في أكثر من قضية، ثم تعرضنا لإستنطاق بنفس المدة وفي نفس المكان في قضية أخرى، يروج أن محركها مستشار ملكي، ورغم كل هذا لم نحظ يوما ولو باتصال هاتفي يتيم، أو زيارة مساندة داخل محكمة ما، فبالأحرى بزيارة حقوقية لبيتنا، رغم أن الترهيب نال حتى من نفسية طفلة عمرها ست سنوات وزوجة ليس بينها وبين الوضع سوى أسبوع، بعد أن ظلت سيارة الأمن ترابط امام المنزل في بعض المناسبات..ومع ذلك ورغم كل هذا الاضطهاد ليست هناك أي لجنة وطنية للتضامن وكأن الأمر يتعلق باضطهاد "داعشي" وليس صحافي لم يتوان يوما في نقل أخبار الجميع بدون استثناء.

العبادي رجل مظلوم ويحتاج إلى الدعم، ونحن من هنا نجدد تضامننا معه ونستنكر استمرار تشميع بيته وبيوت آخرين، لكن هناك مظلومين أكثر من العبادي  بشكل كبير، يحتاجون  ليس فقط لبيانات بل الى زيارات بنفس الزيارة التي حظي بها العبادي، فإذا كان للأخير بيت بأفرشة فخمة كما أظهرت الصور القادمة من هناك، وله راتب شهري محترم،  (اللهم لا حسد و زد في نعمه) وله أيضاً  إخوان يعاضدونه ويواسونه يوميا، فإن القاضي فتحي يقيم في بيت على سبيل الكراء، بعد أن تركت له الدولة 400 درهم فقط، كـ"معاش" لطفليه، والأفظع والأجرم أن الدولة اعترفت بلسان وزيرها في العدل أن القاضي عزل وهو مريض عقليا ونفسيا.

وحين نثير هذه القضية، لا نحتاج للقسم بأن غايتنا ليست الإنتقام أو الإساءة أو التنقيص من قيمة أعضاء الوفد، بل غايتنا تربوية، وتنبيه المعنيين ـ  كما ننبه السلطات وننتقدها في أفعالها  في إطار مهامنا كسلطة مراقبة -أنهم  شخصيات عمومية، بعضها سياسي يمكن أن نراه ذات يوم يدبر الشأن العام، شأنه شأن العبادي وأعضاء الجماعة، مع تنبيه هذه   الشخصيات أيضا إلى أنهم  بنوا مصداقيتهم ووجودهم على نقد سلوك السلطات المخزنية، خاصة سلوك الإنتقائية وضيق الصدر من الإنتقاد، وبالتالي نخاف أن ينطبق عليهم  قول الشاعر :  "لا تنهى  عن خلق عظيم وتأتي بمثله.... عار عليك إذا فعلت عظيم"...

من حق  العبادي أن تكون له لجنة دعم وزيارات لبيته، ومن حق منجب أن يتضامن مع العبادي، كما من حقه أن يبحث عن دعم الجماعة لقضيته  أو قضية الشعب،  ومن حق الرياضي أيضا أن  تتضامن مع العبادي وأن تبحث عن دعم الجماعة للشعب أو  لحزبها أو لجمعيتها أو مسارها الحقوقي، كما من حق النويضي أن يبحث عن نفس الدعم بحكم قوة الجماعة التنظيمية والسياسية، لكن ليس من حق الحقوقي أن يزور عبد اللطيف حسني في بيته ولا يسأل ولو هاتفيا عن صحة السباعي بعد أن شاع قرب وفاته، مهما كان الاختلاف معه، خاصة وأنه طرف في الائتلاف الحقوقي، كما ليس من حق الحقوقي أن يقف في وقفة تضامنية مع صحافي مسنود بحزب وبنقابة حزبه وجمعية حقوقية تابعة لحزبه وبنقابة وطنية للصحافيين وبرلمانيي حزبه ومستشاريه الجماعيين والبرلمانيين،  ويقاطع  وقفة أخرى  ضحيتها صحافي آخر  لا حول ولا قوة سياسية له أو نقابية أو برلمانية ...

إن الحقوقي حقوقي بطبعه  وعليه أن يبقى كذلك يؤازر جميع المضطهدين سواء شمعت بيوتهم أو قمعت أصواتهم أو لفقت لهم تهم تجارة المخدرات أو الإرهاب،  بصرف النظر عن مواقعهم السياسية أو مكانتهم الاجتماعية،  وحين يتحول الحقوقيون إلى محاسبة المضطهدين ويستكثرون عليهم التضامن  بسبب آرائهم أو اعتقاداتهم أو بسبب انتقاد زعاماتهم السياسية، فإنه من الصعب اعتبارهم حقوقيين، لأن حقوق الإنسان نسقية وكلية وشمولية ولا تقبل التجزيئ.