قالت رئيسة جمعية "نساء ضد التحرش الجنسي" أميناتو الحامد، "إن الندوة الحقوقية التي عقدتها جمعيتهم يوم الخميس 26 ماي الجاري، بقاعة ابن بطوطة بالقصر البلدي بطنجة تحت عنوان: "التحرش الجنسي بين الواقع والقانون والسياسة الجنائية "أفضت إلى الخروج بتوصيات من شأن تفعيلها أن يساهم بشكل كبير في محاربة هذه الظاهرة".

وأضافت الحامد في حديث مع "بديل.أنفو"، أن "توصية الندوة تهدف لمحاربة التحرش من خلال إتاحة دليل مسطري يحدد كيفية عرض المشكل أي التعرض للتحرش الجنسي على القضاء دون التعرض للإحراج من طرف المجتمع إضافة إلى ضرورة التكوين خاصة في ميدان التحرش الرقمي واعتماد التكوين في صفوف أجهزة الضبط والقضاة وحماة العدالة والمحامون وكذا الاعتناء بالجانب التربوي ومحاولة إيجاد نظام إثبات متكامل وتكاثف كافة الأطراف لمحاربة ظاهرة التحرش الجنسي".

وأوضحت الحامد، أنه "بات من الضروري النظر لظاهرة التحرش بشكل موضوعي كي لا نقع في محاولات هدم وقتل الرجل وإضعاف وجود وحضور المرأة مع ضرورة إجراء دراسات ميدانية تخرج الموضوع الظاهرة من رحم المجتمع لأنها فعلا ظاهرة ضائعة في رحم المجتمع وهي ظاهرة تفضح أخلاقيات المجتمع وتعريه".

ندوة تحرش1

وأشارت ذات المتحدثة إلى "أنه تم التأكيد على مسؤولية الدولة في المتابعة النفسية لضحايا التحرش الجنسي وضرورة اعتماد الضحية المشتكية شاهدة في القضية على اعتبار صعوبة الإثبات في هذه الجريمة نظرا لكونها تتسم بالتستر والتواري خلف الأبواب المغلقة"، إضافة إلى "ضرورة اعتماد شهادة الطبيب النفسي وتقاريره وسيلة إثبات طالما أن ضحايا التحرش الجنسي يقبلون على المتابعة النفسية للتخلص من تبعات هذه الجريمة على نفسياتهم مع التأكيد على ضرورة الاستعانة بأخصائيين نفسانيين وعلماء اجتماع في اللحظة التي يتم فيها استنطاق المتهم بالتحرش الجنسي من طرف الضابطة القضائية قصد الكشف عن مدى إمكانية ارتكابه لما نسب إليه".

في ذات الندوة تناول المتدخلون موضوع التحرش كل من جوانب تخصصه، حيث تطرق لحبيب حاجي، محامي، رئيس "جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان" ورئيس "مؤسسة آيت الجيد بنعيسى للحياة ومناهضة العنف"، للمفهوم القانوني والحقوقي لجريمة التحرش الجنسي، معتبرا " التحرش الجنسي أخطر عنف تتعرض له المرأة، فهو خطر على إرادتها ويلحق بها مجموعة من تداعياته المتمثلة في تنقيلها أو فصلها من العمل أو تلفيق التهم لها أو التلاعب بنقطها إلى غير ذلك من الإجراءات الزجرية التي يسارع إليها المتحرش".

ندوة تحرش4

وقال حاجي في مداخلته :" إن المتحرش يستعمل في ذلك سلطته على المتحرش بها قصد الضغط عليها للقبول بتحرشاته أو للانتقام منها إن هي رفضت ذلك"، داعيا " إلى ضرورة الفصل التام بين التحرش الجنسي وما يقع في الشارع من تغزلات تدخل في باب جرائم أخرى متضمنة في المجموعة الجنائية كالتحريض على الفساد والإخلال بالحياء العام لأن جريمة التحرش الجنسي أخطر نظرا لحضور عامل سلطة المتحرش على الضحية ولاستعماله إيحاءات جنسية قصد ممارسة الجنس ليس مع الضحية وإنما عليها لأنها تكون رافضة لهذه السلوكات وللمتحرش بها وكذلك التحرش الجنسي أخطر لأنه يصدر عن شخصية مريضة تفتقر للتوازن النفسي كما وأشار حاجي إلى كون التحرش الجنسي جريم، النخبة المثقفة والنخبة الاقتصادية".

من جهته قال المستشار بمحكمة الاستئناف بالرباط ونائب رئيس نادي" قضاة المغرب "، عبد الله الكرجي، " إن الإشكالية في إثبات في جريمة التحرش الجنسي فقد تناولت كون هذه الجريمة تتسم بالتستر عليها وكذا قيامها وتحققها في فضاءات مغلقة مما يصعب إثباتها" كما سلط الكرجي الضوء على "التحرش الرقمي كنوع مستحدث من التحرشات في ظل التواصل الافتراضي وهو ما يسمى بالتحرش الجنسي".

ندوة تحرش3

كما تحدث الكرجي، عن "تأثير الرقمي على القانون"، وكذا "التحرش الإكراهي والذي يصبح حالا عندما يتم اختراق الحسابات الإلكترونية للغير والتهديد بالصور الشخصية المحصل عليها منها ثم بين أنه لا يمكن لأي كان أن يحس بقوة وبوقع التحرش الجنسي ولا يمكن أن يلقي له بال إلا المتحرش بها، وليس الشهود الشيء الذي يجعل من الضحية شاهدة على ما تعرضت له من تحرشات جنسية كما وشدد على أن المتحرش يقوم بحركات لا يفهمها إلا ضحية تحرشه مما يخرج الشهود من دائرة الإثبات في هذه الحالة ويستدعي حضور السلطة التقديرية للقاضي المعروضة أمامه النازلة".

واعتبر ذات المتحدث أن "إشكالية الإثبات في جريمة التحرش الجنسي دائما أن الشاهد قد يكذب لكن القرينة لا تكذب في سياق حديثه عن السلطة التقديرية للقاضي معربا أن زمن الاعتراف سيد الأدلة قد ولى وعلى القاضي أن يتفحص هذا الاعتراف مؤكدا في الأخير على ضرورة التكوين بخصوص جريمة التحرش الجنسي قصد التمكن من تحقيق التوسع في الإثبات بخصوص هذه الجريمة".

ندوة تحرش2

أما الدكتورة اسعيدة العثماني أستاذة القانون العام بكلية الحقوق بطنحة، والتي تناولت في مداخلتها التحرش الجنسي جريمة ضد المجتمع، فأكدت على أنها "جريمة قديمة ترتكز على العلاقة الفطرية بين القوي والضعيف بين الرجل والمرأة وهي كذلك قضية حديثة بتأصيلها القانوني وبمحاربتها في الدولة الحديثة بفعل الاختلاط بين الرجل والمرأة والاحتكاك واستعمال السلطة كما أكدت العثماني على كون هذه الجريمة تلحق أضرار بالمرأة وتحد من حريتها ومن إحساسها بالأمن والأمان كما تضرب هامش الرضا لديها وشددت على أن التعبير عن التحرش الجنسي باللغة الفرنسية l'harcèlement لهو التعبير المعبر عن قوة وحدة هذه الظاهرة أكثر من التعبير عنه في اللغة العربية ذلك أنه يعبر عن مستوى متقدم من التحرش".

واعتبرت العثماني، أن "التحرش الجنسي قضية أخلاقية نفسية ومرضية ومحاربتها صعبة في مجتمع يدين المرأة ويحملها مسؤولية ما تتعرض له كما أن محاربتها مرتبطة بمحاربة مجموعة من الظواهر في المجتمع كما وأكدت على دور الثقافة الوعي المجتمعيين والقانون في محاربة الظاهرة كما وختمت العثماني بالتطرق للأضرار المجتمعية المتمثلة في التعامل مع ضحايا التحرش الحنسي لتخلص إلى معيقات البوح بهذه الجريمة أخذا بنظرة المجتمع وسلطة المتحرش".

وفي ذات السياق، تطرق محمد شرايمي أستاذ علم الاحتماع بكلية الآداب بمرتيل وباحث سوسيولوجي، لمقاربة سوسيولوجية للظاهرة على اعتبار أن الموضوع متداول في مجموعة من الأدبيات السوسيولوجية وقد شدد على كون الظاهرة تتمحور حول إصرار طرف على ممارسة الجنس مع طرف ثان رافض لذلك مقرا بأن التحرش يكون داخل فضاء منظم يخصع لإجراءات ولقوانين ومفتوح لعينة من الناس يقومون بمهام مختلفة ويخضعون لتسلسل إداري سلطوي وقد عرج شرايمي على إبراز العلاقات المختلفة التي يحتضنها هذا الفضاء فقد تكون علاقات محبة وتجاذب كما قد تكون علاقات نفور مما يؤثر في علاقة المثير والمستجيب".

ندوة تحرش

وجاء في معرض مداخلة شرايمي، "أن التحرش قد يكون شفويا عن طريق الكلام والرسائل اللغوية والملاحظات الجنسية وقد يكون غير شفوي كالإيماءات أو ماديا كلمس اليد أو محاولة التقبيل أو تعمد التواجد على مقربة من الضحية"، كما عزا شرايمي التحرش الجنسي إلى "التنشئة الاجتماعية فالرجل لم يتم تعليمه أن المرأة كيان فكري وليست للمتعة كما أن الأسرة لا تعلم كيفية التعامل بين الرجل والمرأة ثم أن المجتمع فاقد للثقة في المرأة فهو يلومها ويجعلها مذنبة"، معتبرا أن "المرأة قد تقبل بالتحرش الجنسي قسرا لأنها في حاجة لسد حاجياتها للحفاظ على منصبها ووضعها الحال ولخوفها من تهديدات المتحرش مما ينتج عنه إحساس الضحية بعدم الاستقرار وأحيانا كثيرة ترك العمل أو الدراسة تفاديا للاحتكاك مع المتحرش".

أما خديجة جنان المحامية بهيأة طنجة وفاعلة حقوقية وجمعوية، فقد "قدمت تأصيلا تاريخيا لظاهرة التحرش الحنسي بدء من العلاقة التي كانت تجمع بين سود البشرة وبيضها وصولا إلى العلاقة بين السيد والعبدة أو الأمة وهنا ركزت على المعطى الثقافي الذي يؤطر هذه العلاقة وهو أن المرأة مخلوق وجد ليخدم الرجل وليمتعه ثم أسهبت في الحديث عن التمييز كمنطلق لبروز ولتفشي الظاهرة فالتمييز بسبب الجنس والذي يجعل المرأة في رتبة بعد الرجل ويضعفها ويكون النظرة التي تدني من قيمة المرأة هو السبب الرئيسي في هذه الجريمة/ الظاهرة".

وأكدت جنان على أن "هذه الثقافة الذكورية التي تحكم المجتمع هي التي ساهمت في استفحال الظاهرة وتمظهرها بشكل عنيف داخل المجتمع مشددة على ضرورة الفصل بين غزل الشارع وبين التحرش الجنسي نظرا لاختلاف العناصر التركيبية لكلتا الظاهرتين ونظرا لهامش الرضا الذي يحضر في الأولى ويغيب في الثانية ثم أن جريمة التحرش الحنسي يصعب إثباتها".

واثار موضوع الندوة ومشاركات الأساتذة المتدخلين نقاشا واسعا علميا حقوقيا ثقافيا تربويا قانونيا سوسيولوجيا ونفسيا من طرف مختلف الحساسيات والفاعلين الذين حضروا الندوة.

يشار إلى أنه تم افتتاح الندوة بعرض شريط قصير يضم مقاطع صوتية لمداخلة كل من الطالبة الباحثة اميناتو الحامد رئيسة جمعية نساء ضد التحرش الجنسي و لحبيب حاجي محامي ورئيس جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان ،في برنامج مجتمعنا على إذاعة كاب راديو حول ظاهرة التحرش الجنسي مرفقة بصور تعبر وتقرب الحاضرين في هذا اللقاء من هذه الظاهرة وكذا قصاصات من مجموعة من الجرائد الإلكترونية والورقية تحمل عناوين وحوادث تعرض ضحايا للتحرش الجنسي.

ندوة تحرش5