المتضرر الأكبر من قرار “الوزير العالي للتعليم الداودي”

38
طباعة
في أي قرار سياسي أو اقتصادي تخرج به الدولة لنا بكل فرح وسرور، ينتابني تساءل بسيط أو ربما أعتقد بذلك التسليم لا أقل و لا أكثر ، هو من المتضرر الأكبر لهذا القرار ؟

هذا التسليم للسؤال سرعان ما يحول بقدرة قادر إلى استسلام لأمره ، لنوجه أعيننا هذه المرة على سبيل المثال و ليس الحصر على قرار السيد ”الوزير العالي للتعليم الداودي” بضرورة إقحام اللغة الإنجليزية في منظومة البحث العلمي و مكوناته بالجامعات كما في المدارس العليا المغربية .

الإعجاب الذي حظيت به اللغة الإنجليزية من طرف الوزراء الحاليين لم يسبق لحكومة في تاريخ المغرب أن تحمست له و كان محط نقاش عمومي عن إمكانية استبدال اللغة الفرنسية باللغة الإنجليزية ، هذا التشبث الراهن هو منطقي إلى حد بعيد و الشيء الذي لا يختلف عنه اثنان هو أن لغة شكسبير أضحت لغة البحث و العلم و المعرفة و استبدالها شيء أساسي لنفض الغبار عن الركود الذي يعيشه المغرب في هذا المسار بشهادة الجميع .

لقد أول هذا الاهتمام الحكومي باللغة الإنجليزية في أكثر من مناسبة إلى عدم تمكن معاليهم من اللغة الفرنسية و عدم إتقانهم لها في الأروقة السياسية الإقليمية و الدولية ، كما هو الشأن في المنابر الإعلامية الوطنية و الدولية التي تكون محط سخرية أحيانا في مواقع التواصل الاجتماعي التي لم تعد تخفي مثل هذه الأشياء بل و تضعها من صلب اهتماماتها .

إن انسلاخ اللغة الفرنسية عن المنظومة التعليمية بشكل عام ليس بالأمر الهين ، فالمسألة أعمق مما يتصور السيد الوزير ، لغة عمرت في البلاد أزيد من ” قرن و زمارة ” بتأثيراتها على المنظومة السياسية ، الاقتصادية و حتى الاجتماعية و التي جعلها النخبة من صلب اهتماماتهم كلغة للتفاوض مع العدو الذي سيضحى حليفا تقليديا فيما بعد ، حتى أصبحت مخترقة للمؤسسات الدستورية و التشريعات الوطنية إن لم نقل مؤسسة لها جميعا ، الأمر الذي سهل نوعا من الاستيلاب الثقافي و تبعية ممنهجة تعيشها النظم السياسية على حد سواء في دول العالم الثالث ، و من بين هذه المؤسسات تلك الساهرة على الشأن التعليمي التي نهلت من المناهج الفرنسية ما يكفي للإقلاع بالمنظومة ، الأمر الذي أعطى أكله في بداية المسار ليتآكل بعدها شيئا فشيئا بسبب عدة عوامل أثرت في النظام التعليمي بالمغرب ، و التي من بينها البرامج الحكومية الهالكة لأشخاصه التي تغيب جودة و نجاعة في تقييمها .

هذا لم يؤثر في موقع اللغة الفرنسية و لم يوجه أصبع الاتهام يوم لها أن كانت عاملا من عوامل التراجع، إنما واصلت امتدادها بسلالة في دواليب الدولة و أصبحت ضرورية كشرط شكلي و ضمني لولوج الشباب المغربي أسواق الشغل و إذا ما ربطنا المسألة شيئا ما بسياسة الخوصصة و طلاق الدولة الشرعي للمؤسسات وفق القواعد اللبرالية و الرأسمالية فإن الأمر يصعب على البسطاء تعليم أبناءهم ، لاسيما فيما يتعلق باللغات الأجنبية و يجعلها شبه مستحيلة نظرا لضعف إمكانياتهم و محدودية دخلهم الفردي الذي سبق و وعد بمراجعتها و تأهليها و جعلها تليق بالإنسان .

إن ضرورة تعليم اللغة و اكتسابها مسألة جوهرية لا توضع محط شك للجميع و قرار السيد الوزير ” على راسنا و عينينا ” ، غير أنه يلزمه توفير آليات ناجعة للجامعات و المدارس العليا تضمن للطالب بحق التمكن من اللغة الإنجليزية و تبرمج بذلك حصصا إجبارية للإنجليزية في مرحلة الإجازة ، و مواد متخصصة باللغة الإنجليزية في سلك الدراسات العليا و يخصص أساتذة أكفاء لذلك ، و هو الكلام الذي لا يحبه معالي الوزير .

فقد أوصانا بالتعلم في المراكز الثقافية التي لا نسمع عنها حقيقة إلا في محاضرات السادة الوزراء داخل صالوناتها الفاخرة و هم يخاطبون بنبرة الأمل السطحية تلك ، أمام أبناء الأطباء و المحاميين و القضاة و السادة الوزراء و هلم جرا .. ينصح منها السيد الوزير أبناء المغرب غير النافع بالتعلم عن طريق الدروس الافتراضية التي تكون موضوع شراكة بين الجامعات و عينات من المراكز الفاخرة الذكر يصفقون للمناسبة ويلتقطون الصور ثم يرحلون ، و ينصح فيها كذلك الآباء لتقديم المزيد من المال لمستقبل فلذات أكبادهم المتآكل بسبب مشاكل سبق و وعد بالقضاء عليها كالفساد الذي يعشش في القطاع، و قد كان عند وعده فأخطأ التصويب و بدأ بالقضاء علينا .

ذنبنا سيدي الوزير أننا فقراء حافظنا على العلم يوما ، و لم نعد نستطيع لسبب بسيط كذلك ، أن من يملك المال بمقدوره الوصول و الاكتساب و التحكم – التحكم في المناهج العلمية و التمكن منها – و نحن لا نملك ما يكفي لذلك ، فلو حالفنا الحظ مثل السيد رئيس الحكومة و الذهاب لمعسكرات لتعلم ما يمكن تعلمه لما امتنعنا عن ذلك أبدا أقسم لك .. إنها لعنة الرأسمالية التي لسنا إلا حلقة أضعف في دواليبها و لستم إلا سحابة عابرة في سيرورتها ..إنها لعنة التاريخ و الجغرافيا التي لم تنصفنا يوما ..

?Did you understand me

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

2 تعليقات

  1. انا يقول

    اشكالية هذه الحكومة انها تتناقض مع نفسها حتى النخاع. جعلوا من التقشف مدهبهم،( زروطوا زعما ضربوا بالزروطة) الاساتذة المتدربون بحجة ان ليسهم ما يكفي من المال لتشغلهم في الوظيفة العمومية و في نفس الوقت اصدروا قانونا يقصي و يجبر اكثر من عشرة الاف محاسب الذين هم في الواقع ارباب مقاولات صغرى على اغلاق مقاولاتهم و تسريح مساعديهم و الالتحاق جميعا بطابور المعطلين. يريدون الانجليزية و هم غير مستعدين لفعل اي شيئ لتمكين الطلبة و المتمدريسين من هذه اللغة و يجرؤون على نصح الطلبة باستعمال الانترنيت و هم يعلمون انهم منعوا المحادثات الصوتية. و لا يمكن للطلبة المغاربة ان يستغلوا كل امكانيات الانترنيت كما هو الحال في موريتانيا مثلا او بوركينافاصو. و هذا من لعنة هذه الحكومة.

  2. hilali يقول

    تحليل منطقي رائع، راقتني طريقة رؤيتك للقرار وتحليله، أنه لأمر يعزو الإفتخار بالنفس أن نكون من أصدفاء كاتب بهذا المستوى الراقي، دمت متألقا أخي يوسف، وبالتوفيق أيها الغالي
    لكن عبارة لعنة التاريخ والجغرافيا التي لم تنصفنا يوما جعلت المقال يكتسي صبغة لا توصف/ تحياتي لك أيها الرائع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.