في أي قرار سياسي أو اقتصادي تخرج به الدولة لنا بكل فرح وسرور، ينتابني تساءل بسيط أو ربما أعتقد بذلك التسليم لا أقل و لا أكثر ، هو من المتضرر الأكبر لهذا القرار ؟

هذا التسليم للسؤال سرعان ما يحول بقدرة قادر إلى استسلام لأمره ، لنوجه أعيننا هذه المرة على سبيل المثال و ليس الحصر على قرار السيد ''الوزير العالي للتعليم الداودي" بضرورة إقحام اللغة الإنجليزية في منظومة البحث العلمي و مكوناته بالجامعات كما في المدارس العليا المغربية .

الإعجاب الذي حظيت به اللغة الإنجليزية من طرف الوزراء الحاليين لم يسبق لحكومة في تاريخ المغرب أن تحمست له و كان محط نقاش عمومي عن إمكانية استبدال اللغة الفرنسية باللغة الإنجليزية ، هذا التشبث الراهن هو منطقي إلى حد بعيد و الشيء الذي لا يختلف عنه اثنان هو أن لغة شكسبير أضحت لغة البحث و العلم و المعرفة و استبدالها شيء أساسي لنفض الغبار عن الركود الذي يعيشه المغرب في هذا المسار بشهادة الجميع .

لقد أول هذا الاهتمام الحكومي باللغة الإنجليزية في أكثر من مناسبة إلى عدم تمكن معاليهم من اللغة الفرنسية و عدم إتقانهم لها في الأروقة السياسية الإقليمية و الدولية ، كما هو الشأن في المنابر الإعلامية الوطنية و الدولية التي تكون محط سخرية أحيانا في مواقع التواصل الاجتماعي التي لم تعد تخفي مثل هذه الأشياء بل و تضعها من صلب اهتماماتها .

إن انسلاخ اللغة الفرنسية عن المنظومة التعليمية بشكل عام ليس بالأمر الهين ، فالمسألة أعمق مما يتصور السيد الوزير ، لغة عمرت في البلاد أزيد من " قرن و زمارة '' بتأثيراتها على المنظومة السياسية ، الاقتصادية و حتى الاجتماعية و التي جعلها النخبة من صلب اهتماماتهم كلغة للتفاوض مع العدو الذي سيضحى حليفا تقليديا فيما بعد ، حتى أصبحت مخترقة للمؤسسات الدستورية و التشريعات الوطنية إن لم نقل مؤسسة لها جميعا ، الأمر الذي سهل نوعا من الاستيلاب الثقافي و تبعية ممنهجة تعيشها النظم السياسية على حد سواء في دول العالم الثالث ، و من بين هذه المؤسسات تلك الساهرة على الشأن التعليمي التي نهلت من المناهج الفرنسية ما يكفي للإقلاع بالمنظومة ، الأمر الذي أعطى أكله في بداية المسار ليتآكل بعدها شيئا فشيئا بسبب عدة عوامل أثرت في النظام التعليمي بالمغرب ، و التي من بينها البرامج الحكومية الهالكة لأشخاصه التي تغيب جودة و نجاعة في تقييمها .

هذا لم يؤثر في موقع اللغة الفرنسية و لم يوجه أصبع الاتهام يوم لها أن كانت عاملا من عوامل التراجع، إنما واصلت امتدادها بسلالة في دواليب الدولة و أصبحت ضرورية كشرط شكلي و ضمني لولوج الشباب المغربي أسواق الشغل و إذا ما ربطنا المسألة شيئا ما بسياسة الخوصصة و طلاق الدولة الشرعي للمؤسسات وفق القواعد اللبرالية و الرأسمالية فإن الأمر يصعب على البسطاء تعليم أبناءهم ، لاسيما فيما يتعلق باللغات الأجنبية و يجعلها شبه مستحيلة نظرا لضعف إمكانياتهم و محدودية دخلهم الفردي الذي سبق و وعد بمراجعتها و تأهليها و جعلها تليق بالإنسان .

إن ضرورة تعليم اللغة و اكتسابها مسألة جوهرية لا توضع محط شك للجميع و قرار السيد الوزير '' على راسنا و عينينا " ، غير أنه يلزمه توفير آليات ناجعة للجامعات و المدارس العليا تضمن للطالب بحق التمكن من اللغة الإنجليزية و تبرمج بذلك حصصا إجبارية للإنجليزية في مرحلة الإجازة ، و مواد متخصصة باللغة الإنجليزية في سلك الدراسات العليا و يخصص أساتذة أكفاء لذلك ، و هو الكلام الذي لا يحبه معالي الوزير .

فقد أوصانا بالتعلم في المراكز الثقافية التي لا نسمع عنها حقيقة إلا في محاضرات السادة الوزراء داخل صالوناتها الفاخرة و هم يخاطبون بنبرة الأمل السطحية تلك ، أمام أبناء الأطباء و المحاميين و القضاة و السادة الوزراء و هلم جرا .. ينصح منها السيد الوزير أبناء المغرب غير النافع بالتعلم عن طريق الدروس الافتراضية التي تكون موضوع شراكة بين الجامعات و عينات من المراكز الفاخرة الذكر يصفقون للمناسبة ويلتقطون الصور ثم يرحلون ، و ينصح فيها كذلك الآباء لتقديم المزيد من المال لمستقبل فلذات أكبادهم المتآكل بسبب مشاكل سبق و وعد بالقضاء عليها كالفساد الذي يعشش في القطاع، و قد كان عند وعده فأخطأ التصويب و بدأ بالقضاء علينا .

ذنبنا سيدي الوزير أننا فقراء حافظنا على العلم يوما ، و لم نعد نستطيع لسبب بسيط كذلك ، أن من يملك المال بمقدوره الوصول و الاكتساب و التحكم – التحكم في المناهج العلمية و التمكن منها – و نحن لا نملك ما يكفي لذلك ، فلو حالفنا الحظ مثل السيد رئيس الحكومة و الذهاب لمعسكرات لتعلم ما يمكن تعلمه لما امتنعنا عن ذلك أبدا أقسم لك .. إنها لعنة الرأسمالية التي لسنا إلا حلقة أضعف في دواليبها و لستم إلا سحابة عابرة في سيرورتها ..إنها لعنة التاريخ و الجغرافيا التي لم تنصفنا يوما ..

?Did you understand me