في تصريحين متقاربين قال راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة التونسية: "نؤكد أن النهضة حزب سياسي، ديمقراطي ومدني له مرجعية قيم حضارية مُسْلمة وحداثية... نحن نتجه نحو حزب يختص فقط في الأنشطة السياسية"! وأضاف "نخرج من الإسلام السياسي لندخل في الديموقراطية المُسْلمة. نحن مسلمون ديمقراطيون ولا نعرّف أنفسنا بأننا (جزء من) الإسلام السياسي... نريد أن يكون النشاط الديني مستقلا تماما عن النشاط السياسي. هذا أمر جيد للسياسيين لأنهم لن يكونوا مستقبلا متهمين بتوظيف الدين لغايات سياسية. وهو جيد أيضا للدين حتى لا يكون رهين السياسة وموظفا من قبل السياسيين"..

بعده مباشرة سيخرج الدكتور جمال حشمت، عضو مجلس شورى "جماعة الإخوان المسلمين"(أعلى هيئة رقابية)، إنه "تأكد عزم كل الأطراف" داخل الجماعة على ضرورة "فصل الجانب الحزبي التنافسي عن الجانب الدعوي والتربوي"، و"سيُعلن هذا قريبا"، مشيرًا أن هناك مراجعات تحتاج وقت، وإرادة، وتقديم الشباب"..

مصطلح الإسلام السياسي الذي استعمله، الغنوشي، ويبدو أنه تبناه، مصطلح دخيل، و(هو مصطلح سياسي وإعلامي وأكاديمي استخدم لتوصيف حركات تغيير سياسية تؤمن بالإسلام باعتباره "نظاما سياسيا للحكم". ويمكن تعريفه كمجموعة من الأفكار والأهداف السياسية النابعة من الشريعة الإسلامية التي يستخدمها مجموعة "المسلمين الأصوليين" الذين يؤمنون بأن الإسلام "ليس عبارة عن ديانة فقط وإنما عبارة عن نظام سياسي واجتماعي وقانوني واقتصادي يصلح لبناء مؤسسات دولة)..

هكذا يعرف المصطلح ونشأته السيد ناجي الخشناوي

يضيف السيد الخشناوي: (يعتبر مصطلح الإسلام الأصولي، من أول المصطلحات التي تم استعمالها لوصف ما يسمى اليوم ب"الإسلام السياسي" حيث عقد في سبتمبر 1994 مؤتمر عالمي في واشنطن تحت عنوان خطر"الإسلام الأصولي على شمال أفريقيا". وكان المؤتمر عن السودان وما وصفه المؤتمر بمحاولة إيران نشر "الثورة الإسلامية" إلى أفريقيا عن طريق السودان. وفي التسعينيات وفي خضم الأحداث الداخلية في الجزائر تم استبدال هذا المصطلح بمصطلح "الإسلاميون المتطرفون" واستقرت التسمية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 على الإسلام السياسي).

السؤال الذي يطرح بإلحاح: بعدما تنفصل الدعوة عن الدولة، فيتجه رجال الدولة لما سماه الغنوشي "النشاط السياسي" وتدبير الشأن العام، ما هي حدود رجال الدعوة التي لا يجب عليهم أن يتجاوزوها حفاظا على هذا الفصام النكد؟ ما هي مهمات رجال الدعوة في ظل هذا الفصام؟ ما موقفهم من تدبير الشأن العام؟ هل سيحرم عليهم التدخل في شؤون السياسة؟ ثم ما علاقة رجال الدولة بالدعوة؟ ما هي الحدود التي لا يجب عليهم أن يتجاوزوها أثناء اشتغالهم بالسياسة؟ ما موقفهم من تدبير الشأن الديني؟ هل سيحرم عليهم التدخل في شؤون الدين؟

والسؤال الهام: ما علاقة السياسة بالدين؟ هل هي جزء من الدين أم الدين جزء منها؟

لا بد أولا نعود قليلا إلى الوراء لنتدبر بهدوء تاريخ الفصام النكد الذي حدث بين الدعوة والدولة، حتى وصلت هذه النبثة الخبيثة إلى بلاد المسلمين، ثم هي اليوم، تمددت حتى أنبتت تحت أرض الحركة الإسلامية!

يرى الإمام عبد السلام ياسين، رحمه الله، وهو ينبش في (أسباب الفصام النكد الذي وقع بين الدعوة والدولة، أن الدعوة والدولة كانت على عهد بني إسرائيل كتلة واحدة في مواجهة دائمة مع شعب رافض لدين الله، وفي تاريخ النصارى كانت الدعوة يتيمة على مدى ثلاثة قرون، فلما تنصر قيصر الروم قسطنطين سنة 306 للميلاد ضم الكنيسة المضطهدة، التي كانت تمثل الدعوة، إلى أحضان الدولة، واصطنع الأساقفة، وقربهم ليكونوا سندا للحكم.
كان الوصال بين كهنة الدين وطواغيت القيصرية المستبدين أصل البلاء. تزوج فسق الفاسقين بطغيان المستكبرين فولدا النبتة العسرة الملعونة. وحيثما تم هذا الزواج الغاشم اشتغل الدين وحرف الكلم عن مواضعه، واشترى بآيات الله الثمن القليل. حدث هذا في بني إسرائيل بعد نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق. وحدث بكيفية أجلى وأوضح في مهاد النصرانية، وحدث في تاريخ المسلمين بشهادة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. شهادة حذرت من الفتنة قبل حلول أجلها).*

*الإسلام والقومية العلمانية

وبينما كان الرهبان في أديرتهم يعانون الجوع الإرادي، وقهر النفس، انطلق القساوسة والأساقفة والبابوات ورؤساء الكنيسة إلى جانب الأباطرة والقياصرة وأمراء الإقطاع يتاجرون في الدين ويقطفون زهرة الحياة الدنيا حيث لا تراهم أعين الشعوب المرهبنة.

يقول الراهب جروم: "إن عيش القسوس ونعيمهم كان يزري بترف الأمراء والأغنياء المترفين، وقد انحطت أخلاق البابوات انحطاطا عظيما، واستحوذ عليهم الجشع وحب المال. وعدوا طورهم، حتى كانوا يبيعون الوظائف والمناصب كالسلع. وقد تباع بالمزاد العلني، ويؤجرون أرض الجنة بالوثائق والصكوك وتذاكر الغفران. ويأذنون بنقض القانون، ويمنحون شهادات النجاة، وإجازات حل المحرمات والمحظورات كأوراق النقد وطوابع البريد ! ويرتشون ويرابون. وقد بذروا المال تبذيرا، حتى اضطر البابا "إنوسنت" الثامن (قلت : معنى إنونسنت : البريء !) أن يرهن تاج البابوية. ويذكر عن البابا "ليو" العاشر أنه أنفق ما ترك البابا السابق من ثروة وأموال، وأنفق نصيبه ودخله، وأخذ إيراد خليفته المرتقب (من بعده) سلفا وأنفقه ويروى أن مجموع دخل مملكة فرنسا لم يكن يكفي البابوات لنفقاتهم وإرضاء شهواتهم".

كانت تعاويذ القس تدر عليه أرباحا، فلِمَ يترك الطبيب ينافسه؟

كانت الكنيسة في بداية القرن الحادي عشر الميلادي قد اشتد عودها وأصبحت منافسة للإمبراطورية. بل إنها أثبت سيادتها، حتى إن الإمبراطور هنري الرابع اضطر أن يمثل بين يدي البابا في قلعة كانوسا متضرعا مستغفرا. وأصبح يضرب المثل لكل من انهزم أمام خصمه واضطر للخضوع، فيقال : "ذهب إلى كانوسا"!

في هذه الأجواء، هيأت الكنيسة جو الظلم والاضطهاد الذي ترعرعت فيه جراثيم الأوبئة الاجتماعية وخرافية الفكر. ثم تفاقم فسادها وإفسادها رغم تقلص نفوذها في القرون اللاحقة، حتى لفظ مفكرو أوربا الكنيسة وكل ما تمثله، وارتدوا إلى المادية الوثنية التي اتخدت أشكالا فلسفية وسياسية، إلى أن قامت الثورة الفرنسية عام 1789 بكسر الغل المميت الذي كان يخنق العقل والنفس.

كانت الكنيسة تقاوم العلوم النظرية والتطبيقية التي كانت تأتي من البلاد الإسلامية، من صقلية والأندلس. فكان الطب العلمي يحارب لترتع الشعوذة، وبذلك عاشت أوربا قرونا طويلة عاش الناس أثناءها تحت كابوس الأوبئة والطاعون. كانت تعاويذ القس تدر عليه أرباحا، فلِمَ يترك الطبيب ينافسه؟

أعقبت هذه المرحلة المظلمة مرحلة الحرب بين العلم والدين.

يقول أبو الحسن الندوي، وقد أحسن، أحسن الله إليه، في وصف هذه الهبة من جانب الفلاسفة : "هنالك ثار المجددون المتنورون وعيل صبرهم، وأصبحوا حربا لرجال الدين، وممثلي الكنيسة، والمحافظين على القديم. ومقتوا كل ما يتصل بهم ويعزى إليهم من عقيدة وثقافة وعلم وأخلاق وآداب. وعادوا الدين النصراني أولا والدين المطلق ثانيا. واستحالت الحروب بين زعماء العلم والعقلية، وزعماء الدين النصراني -وبلفظ أصح، البولسية- حربا بين العلم والدين مطلقا. وقرر الثائرون أن العلم والدين ضرتان لا تتصالحان، وأن العقل والنظام الديني ضدان لا يجتمعان. فمن استقبل أحدهما استدبر الآخر، ومن آمن بالأول كفر بالثاني. وإذا ذكروا تلك الدماء الزكية التي أريقت في سبيل العلم والتحقيق، وتلك النفوس البريئة التي ذهبت ضحية لقسوة القساوسة ووساوسهم، وتمثل لأعينهم وجوه كالحة عابسة، وحياة مقطبة، وعيون ترمي بالشرر، وصدور ضيقة حرجة، وعقول سخيفة بليدة، اشمأزت قلوبهم، وآلوا على أنفسهم كراهة هؤلاء وكل ما يمثلونه، وتواصوا به، وجعلوه كلمة باقية في أعقابهم".

اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس..

استمر الصراع حتى سقطت البابوية، وفرض الثائرون على الكنيسة أن نقف على الهامش، وأن تجعل بينها وبين التدخل في شأن السياسة والدولة، حاجزا وبرزخا.

كان من نتائج هذه الهبة الشعبية ضد رجال الدين أن ازدهرت العلوم وصنعت لهم حضارتهم، التي أخرجتهم من ظلام الجهل والعفن والإيمان بالشعوذة والخرافات والحياة البدائية المنحطة بالإنسان إلى أسفل سافلين. ولا بد أن نفتح القوص لنؤكد أن هذه "الحضارة" لا يجب أن يغرينا أو تغوينا، فلإن خطت بالشعوب النصرانية خطوات في مجال العلوم والتكنولوجيا والطب والصناعة، فإنها لم تخرجهم من الجهل بالله والكفر به، بل زادتهم تلك "الحضارة" جهلا على جهل، حتى أضحت علومهم وصناعاته كلها مسخرة لتكريس الجهل بالله والجهل بالإنسان، تقتيلا وتشريدا، وما تسابقهم لتزويد جبهات القتال بالأسلحة الفتاكة المدمرة إلا الوجه البئيس لهذه "الحضارة".

مع سقوط الملك العاض، بسقوط آخر قلاع الإسلام، الدولة العثمانية، ومع دخول أول أفواج المستعمرين، دخلت علينا نبتة السوء، التي أسقطها ذراري المسلمين، أول أفواج الملحين، على دين الله، بما اقترفته الأيادي الآثمة لديدان القراء، الذي كانوا ولا يزالون يقومون بنفس الدور الذي قام به القساوسة في أوروبا، بالتواطئ مع حكام العض والجبر، منذ الانكسار التاريخي الأول، وسقوط الخلافة الراشدة الأولى.

الحياة التي عاشها ويعيشها الحكام المتسلطون على رقاب المسلمين، باسم الدين، والسند الذي يجدونه عنه ديدان القراء، بفتاويهم الجائرة على الأمة بأحكام الردة والحرابة لكل من يعارض "ظل الله في الأرض"، كان المشجب الذي يعلق عليه دعاة طرد رجال الدعوة من ساحات الدولة.

فهل تتبرأ الحركة الإسلامية من مرجعيتها، فتحدث ذلك الفصام النكد بين الدعوة والدولة، فقط لأن ديدان القراء عقدوا وصالا أنكد مع الذين يحكموننا باسم الدين، منذ الإنكسار التاريخي الأول، وساندونهم باسم الدين ضد الشعوب؟ أليست هذه فرصة للبراءة من مرجعيات الحكام وديدان قراءهم، عوض التبرأ من مرجعية الإسلام الحقة؟

خلاصة القول: ماتت الحركة الإسلامية يوم قررت إحداث الفصام النكد بين الدعوة والدولة.