بعيدا عن التقرير الأمريكي وما راج حول اعتذار واشنطن للرباط بخصوص إدراج، عن طريق الخطأ المادي البسيط، اسم عبد اللطيف الحموشي ضمن التقرير المذكور، هل يتسع صدر السلطات المغربية للأسئلة التالية؟

ما الفرق بين أرميل والحموشي في متابعة موقع "بديل"، الأول قدم الشكاية وأدين الموقع بسببها، ظلما وعدوانا، بأربعة أشهر حبسا مع تغريمه 10 ملايين سنتيم،  والثاني استأنف الحكم بما يفيد أنه يؤكد الشكاية، بل ويطمح لعقوبة أكبر وأشد في الجولة الاستئنافية، فكيف تنزعج الدولة من مجرد ذكر الحموشي في التقرير الأمريكي ولا تنزعج من ذكر اسم سلفه بوشعيب أرميل، محملة إياه تبعات الشكاية؟ وهل المشكل يتعلق بـ"فلان" أو "علان" أم بمن يشرف على إدارة الإدارة العامة للأمن الوطني؛ لأن العبرة بقرارات الإدارة وليس بشخوصها؟

لا يمكن تفسير رد فعل الدولة المغربية تُجاه التقرير الأمريكي إلا في ثلاثة اتجاهات؛ إما أن الحموشي بات مقدسا، وهذا فيه تغليب للجانب للأمني على الجانب الحقوقي، لاسيما وأنه يجمع بين إدارتين، في سابقة من نوعها، وإما أن الدولة وجدت في هذا الخطأ المادي البسيط فرصة للمناورة على مضمون التقرير الأمريكي برمته ومحاولة تقديم نفسها كضحية، وإما أن السلطات المغربية فضلت المزايدة على السلطات الأمريكية انتقاما من الأخيرة لموقفها في الصحراء، خاصة بعد انحياز المغرب المفاجئ للمعسكر الصيني والروسي.

بالله عليكم هل يستقيم في  الأعراف الديبلوماسية أن تستعمل دولة في مخاطبة دولة أخرى  عبارات مهينة و عنيفة  مثل "كذب"  و"افتراءات"؟ ألم يكن من الحكمة استعمال عبارات  قانونية  ولائقة من قبيل "ما ورد ليس صحيحا".."ما ورد مجانب للصواب"..؟ ثم كيف تسمح الإدارة المغربية لنفسها بمقاضاة صحافي على خبر؟ ألم تكن هناك طرق أخرى حضارية لتصحيح الوضع إن كان يستحق التصحيح؟ هل سمعتم يوما بإدارة الأمن في فرنسا أو أمريكا قاضت صحافيا بسبب نشره خبر نقلا عن مصادر حتى رسمية؟

ما أحوجنا اليوم جميعا لنتعلم من  درس الإختيار الديمقراطي وتعميق المكتسبات في مجال الحقوق والحريات؛ فالعالم أصبح قرية صغيرة والأجدر العمل على الأرض وتصحيح الاختلالات والتحلي بالتواضع دون وضع الرأس في التراب والتعالي على الحق والتمادي في الباطل، فكم من مشكلة صغيرة كبرت بالعناد والرغبة في عدم إصلاح الذات.

وما أحوجنا لإدراك أن الإدارة التي تقاضي صحفيا فقط لنشره خبرا مهنيا ليست إدارة مواطنة، وما أحوجنا لإدراك أننا حين  نستهدف إسكات أصوات الصحافيين  ونقمع آراءهم، إنما نهدر طاقات ونغتصب مساهمات كان من الممكن الاستفادة منها للعبور الديمقراطي والحقوقي بأمان.

بكلمة، المغرب أكبر من الحموشي.