طالب النقيب عبد السلام البقيوي الرئيس السابق لـ"جمعية هيئات المحامين بالمغرب"، رئيسها الحالي النقيب محمد أقديم، بالإعتذار بعد مقترح الذي أسماه بـ"النقابة الضامنة لفساد بعض المحامين واعتدائهم على حقوق موكليهم المادية".

وأكد البقيوي في رسالة مثيرة، توصل بها "بديل"، وجهها للنقيب أقديم، على أن مقترح الأخير أصابه بالذهول والحيرة، واصفا إياه بـ"النشاز والخطأ الذي يستوجب الإعتذار".

وبيّن النقيب البقيوي، في رسالته هاته العديد من الجوانب التي تشكل خطورة على مهنة المحاماة في المغرب بسبب مقترح أقديم.

وفي ما يلي نص الرسالة كما توصل بها الموقع:

*** النقابة الضامنة كآلية للتأمين عن الفساد والمفسدين ***

النقيب عبد السلام البقيوي رئيس سابق لجمعية هيئات المحامين بالمغرب

أصبت بنوع من الذهول والمفاجأة بل والحيرة، وأنا أقرأ عن ما أسماه النقيب محمد أقديم رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب بالنقابة الضامنة لفساد بعض المحامين واعتدائهم على حقوق موكليهم المادية، فالمقترح العجيب يضرب في نظره عصفورين بحجرة واحدة، فهو من جهة يضمن عدم إلقاء بعض المحامين في الشارع وعدم استمرارهم في عمليات النصب التي عوقبوا على إثرها، ومن جهة ثانية يؤمن حقوق المتقاضين باستردادهم عينا أو تعويضا ما سرق لهم .

فيا للعجب ويا للتفرد في الاقتراح، كيف يمكن أن يسبح تفكير المرء خارج جميع الدساتير والقوانين والأعراف، فالمحامي خبير الخبراء في القانون، ومن واجبه أن يقترح ما ينفع لا ما يضر، ما يقدم البلاد والعباد، لا ما يؤخر ويعرقل .

إن المحامين وهيئاتهم يجب أن ينشدوا سيادة القانون ومحاربة الفساد والضرب بيد من حديد على كل المتلاعبين بحقوق المتقاضين وبضمير المهنة وأخلاقها وتقاليدها المرعية، فكيف يمكن إقناع الصغار قبل الكبار من غير المختصين في مجال المهنة بالمقترح المذكور، لأن المختصين يعتبرون ذلك استغباء للعقول وتدنيسا للبذلة قبل أصحابها، فالعدالة شأن مجتمعي، ومستقبل المهنة يتجلى في الحفاظ على صرامة قواعدها اتجاه التخليق ومحاربة أصحاب انعدام الضمير الذين لا يشرفون المهنة، ومن الواجب عزلهم لا الحفاظ عليهم، فهم سرطان لانرتاح لوجوده ولا مفر من اقتلاعه من جذوره، ولا يجب أن يأخذنا في ذلك بهم رحمة، بقوة القانون وبفعالية قرارات مجالس هيئات المحامين، حتى لا نشجع على الرذيلة، ومن يتعاطف مع الفساد والمفسدين فهو منهم كائنا من كان، لأنه لا تهاون مع أزمة القيم، لأن المهنة تسمو بسمو وصفاء الأخلاق والمبادئ، وكل تساهل أو تعاقد واقعي أو قانوني مع الفساد سيسقط المهنة ويرجعها لسنوات للوراء.

إن الثقة مرتكز قوي لضمان سمو العدالة وهيبة المحاماة والمركز الاعتباري للمحامين الذي ناضل السلف للدفاع عنه، لأن المحامون جزء لا يتجزأ من منظومة العدالة ويشاركون القضاء حماية الحقوق والحريات وصون الأمن القانوني والقضائي والتطبيق العادل للقانون.

إن مشاركة المحامين القضاة في وظيفتهم القضائية ورسالتهم المجتمعية تتنافى واقتراح تحييد المحامين عن الدفاع على الاخلاق المهنية وحماية الفساد والمفسدين، لأن الإفلات من العقاب يشجع على الإلتفاف على حقوق المتقاضين والنيل من شرف المهنة، لذا فقد كان حريا بالنقيب والرئيس اقديم أن يكون مثالا للصورة المشرقة لرؤساء الجمعية من السلف الصالح، وأن يشجع على الفضيلة والاجتهاد والتنافس في دعم منسوب القيم والأخلاق في الممارسة المهنية، وتطوير منظومة التكوين، والتأسيس لجائزة الشفافية، وجائزة دعم التكوين والدعم المادي والمعنوي للمحامين المتمسكين بالقيم والأخلاق المهنية لإشاعة ثقافة القيم لا ترسيخ منظومة الفساد.

السيد الرئيس والنقيب أقديم، لقد قمت ببحث في جميع قواعد المسؤولية المهنية والإدارية لعلي اهتدي لما يمكن أن يشكل أساسا معقولا ومقبولا لمقترحكم، فوجدت أنه والله نشاز رغم حسن نيتكم وصفاء طويتكم، فقواعد المسؤولية ترتكز على الخطأ الشخصي، ولا يمكن تحميل النقابة خطأ لا علاقة لها به، ولم يحصل بعلمها، اللهم إن كنتم تعتبرون أن النقابة أخطأت بقبول تسجيل محام في هيئتها، وحتى بعض الصناديق المهنية مثل صندوق ضمان أخطاء الموثقين فهو لا يضمن إلا الأخطاء المهنية ولا يضمن الأخطاء الشخصية، لأن الفساد المالي والأخلاقي لا يمكن أن ينسب لهيئة مهنية مهما تحرت وتشددت في انتقاء منخرطيها، بل والأكثر من ذلك فحتى الدولة التي أرادت بشجاعة قل نظيرها أن تتحمل بعضا من أخطائها القضائية، لا تتحمل المسؤولية الشخصية للموظف طالما أن جريمة الفساد من مشمولات الخطأ الشخصي المنفصل عن الوظيفة ولا تدخل في إطار الخطأ الوظيفي في باب المسؤولية الإدارية.

لن أحدثكم زميلي عن الاتفاقيات الدولية ولا سيما اتفاقية مكافحة الفساد ولا للاعلان العالمي لاستقلال المحاماة و أنتم سيد العارفين بهما يجعل ما اقترحتموه يعتبر في رأيي المتواضع -- و الإختلاف في الرأي لن يفسد للود قضية -- خطأ يستوجب الاعتذار، لأنه لا زال منا من ينتفض ضد كل مس باستقلالية المهنة أو تحويلها لجهة تأمين عن الفساد والمفسدين.