طالبت "العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان"، بإيلاء أهمية قصوى للإصلاح الدستوري، خاصة في ما يتعلق بمنع القضاء من الإنخراط في العمل الحزبي والنقابي، وهو الشيء الذي يتعارض مع اتفاقية منظمة العمل الدولية عدد 87 المتعلقة بالحرية بالنقابية، التي صادق عليها المغرب.

وشددت "العصبة"، في المذكرة الشغلية التي أصدرتها بمناسبة فاتح ماي، أن السياق الوطني يتسم باحتقان اجتماعي غير مسبوق، بسبب استفحال البطالة وتعطل الحوار الإجتماعي وانفراد حكومة بنكيران باتخاذ قرارات لا تخدم الطبقة العاملة.

ودعت الهيئة الحقوقية ذاتها، إلى ضرورة ملاءمة التشريع الوطني بالمواثيق الدولية، وإقرار المساواة الفعلية وعدم التمييز في الأجور بين فئات الطبقة العاملة، فضلا عن وضع حد للهشاشة في العمل وحماية حقوق الأجراء المهاجرين إضافة إلى تعميم التغطية الاجتماعية وصيانة المكتسبات.

 

و في ما يلي نص المذكرة كما توصل بها "بديل":

بمناسبة فاتح ماي 2016 العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان تعلن عن مذكرتها المتعلقة بالمطالب الأساسية الخاصة بالحقوق الشغلية

استنادا لمرجعيتها في الدفاع عن حقوق الإنسان، والقائمة أساسا على اعتبار منظومة حقوق الإنسان كلا غير قابل للتجزيء، أو الانتقائية في التعاطي والتنزيل، واعتبارا للمكانة المحورية للحقوق الشغلية عموما في تأسيس مفهوم الكرامة الإنسانية، بدءا من الحق في الشغل، والتغطية الاجتماعية، ومرورا بالحق في التنظيم والحرية النقابية، وصولا إلى الحق في الصحة والسلامة المهنيتين، مع ما يستتبع ذلك من حقوق لضمان مفهوم العمل الكريم والعدالة الاجتماعية عموما.

وفي سياق إحيائه لعيد العمال العالمي المصادف لفاتح ماي 2016، يعلن المكتب المركزي للعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان تقديمه مذكرة مطالبه الأساسية الخاصة بالحقوق الشغلية، والتي يقدمها هذه السنة في سياق وطني متسم باحتقان اجتماعي غير مسبوق، بسبب ارتفاع معدلات البطالة، وتعطيل الحوار الاجتماعي، ارتفاع حالات التسريح الجماعي للأجراء، وانفراد الحكومة باتخاذ قرارات مصيرية تهم الطبقة العاملة، بالإضافة إلى خروقات عديدة سيأتي بيانها من خلال المذكرة.

وفي هذا الصدد يعلن المكتب المركزي للعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، مطالبته الدولة المغربية بما يلي:

أولوية الإصلاح الدستوري

إن أول ملاحظة يمكن إثارتها فيما يتعلق بضرورة الإصلاح الدستوري، هو الصيغة التراجعية التي جاء بها الفصل 31 من صيغته المراجعة لسنة 2011، والذي ينص بشكل مباشر على الحق في الشغل، الذي جاء في شكل إعلان نوايا والتزام ببذل عناية من خلال صيغة "تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، على تعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين على قدم المساواة من... الحق في الشغل والدعم من طرف السلطات العمومية في البحث عن منصب شغل، أو في التشغيل الذاتي". رغم أن الصيغة السابقة التي كان يتضمنها الدستور المغربي في صيغته المراجعة لسنة 1996 كانت تنص في الفصل الثالث عشر على أن "التربية والشغل حق للمواطنين على السواء".

كما ينص الفصل 111 من الدستور على أنه "يمنع على القضاة الانخراط في الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية" وهو ما يتعارض والحق في الحرية النقابية الذي يعد أحد الحقوق الأساسية في العمل، كما يشكل هذا المقتضى عائقا دستوريا أمام مصادقة المغرب على اتفاقية منظمة العمل الدولية عدد 87 المتعلقة بالحرية بالنقابية.

وهي فقط بعض الملاحظات ذات الارتباط المباشر ببعض الحقوق الشغلية، التي تناولها الدستور المغربي بشكل يخالف المقتضيات والمواثيق الدولية ذات العلاقة بالحق في الولوج إلى الشغل، والحق في التنظيم والانتماء النقابي.

المصادقة على المواثيق الدولية ذات الصلة بالحقوق الشغلية

وفي هذا الصدد يذكر المكتب المركزي للعصبة أن الدولة المغربية لم تعمل إلى حدود اليوم على المصادقة على البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأنها ومن أصل 92 اتفاقية داخلة حيز التنفيذ، صادرة عن منظمة العمل الدولية، لم تصادق إلا على 49، كان آخرها في 04 يونيو 2013، وأنها لم تعمل على بدء إجراءات المصادقة على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 87 المتعلقة بالحرية النقابية رغم التزامها سابقا بذلك من خلال محضر 26 أبريل 2011، ورغم كونها تعد من الاتفاقيات الأساسية.

وتبعا لذلك يدعو المكتب المركزي للعصبة، الدولة المغربية إلى تعجيل مصادقتها بالخصوص على:

البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
اتفاقية منظمة العمل الدولية عدد 87 المتعلقة بالحرية النقابية.
اتفاقية منظمة العمل الدولية عدد 95 المتعلقة بحماية الأجر.
اتفاقية منظمة العمل الدولية عدد 102 المتعلقة بالمعايير الدنيا للحماية الاجتماعية.
اتفاقية منظمة العمل الدولية عدد 141 المتعلقة بتنظيمات الشغل في العالم القروي.
اتفاقية منظمة العمل الدولية عدد 159 المتعلقة بالإدماج المهني وتشغيل الأشخاص في وضعية إعاقة.
اتفاقية منظمة العمل الدولية عدد 189 المتعلقة بالعمال المنزليين.

ملاءمة التشريع الوطني للمواثيق الدولية

ومنها مجموعة من القوانين التي تتضمن مقتضيات تشريعية مخالفة لما تقره منظمة العمل الدولية من حقوق أساسية في الشغل من قبيل ما يتضمنه الفصلين 288 و 329 من مجموعة القانون الجنائي، حيث يجرم الأول عرقلة حرية العمل وهو تجريم يخالف ما نصت عليه اتفاقية منظمة العمل الدولية عدد 87 المتعلقة بالحرية النقابية، فيما يجرم الثاني "ظاهرة التشرد" بشكل يخالف مقتضيات اتفاقيتي منظمة العمل الدولية عدد 29 و105 المتعلقتين بإلغاء العمل الجبري.

بالإضافة إلى مجموعة من الأنظمة الأساسية لبعض فئات الموظفين التي تتضمن مقتضيات تمس بشكل مباشر حق هذه الفئات في التنظيم وفي الانتماء النقابي، ومن بين هذه الأنظمة الأساسية:

الظهير رقم 213-09-1 صادر في 8 ربيع الأول 1431 (23 فبراير2010) يتعلق بالمديرية العامة للأمن الوطني و النظام الأساسي لموظفي الأمن الوطني، (خاصة المادة 12 منه).

الظهير رقم 038-63-1 بشأن النظام الأساسي الخصوصي للمتصرفين بوزارة الداخلية، (خاصة الفصل 15 منه)

ظهير شريف بمثابة قانون رقم 533-72-1 بتاريخ 29 صفر 1393 (4 أبريل 1973) يتعلق بالنظام الأساسي الخاص برجال القوات المساعدة. (خاصة الفصل 19 منه)

المرسوم رقم 599-08-2 صادر في 8 ذي القعدة 1429(7 نوفمبر 2008) بشأن النظام الأساسي الخاص بموظفي المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج. (خاصة المادة 47 منه).

كما يسجل المكتب المركزي للعصبة في هذا السياق امتناع الحكومة المغربية عن التفاعل مع جميع مقترحات القوانين التي تتقدم بها الفرق البرلمانية، والرامية إلى تعديل مواد مدونة الشغل حتى تتلاءم مع التزامات المغرب الدولية في هذا المجال.

إقرار المساواة الفعلية وعدم التمييز في الأجور بين فئات الطبقة العاملة

فعلى الرغم من التزام الحكومة المغربية من خلال اتفاق 26 أبريل 2011 مع النقابات، بتوحيد الحد الأدنى للأجور في الفلاحة والصناعة والتجارة. إلا انه وعلى مستوى الممارسة يلاحظ تعميق للفوارق الأجرية بين عموم الفئات الاجتماعية من خلال تحديد حد أدنى للأجر في القطاع الفلاحي، وحد أدنى آخر للأجر في قطاعات الصناعة والتجارة والخدمات، وحد أدنى للأجر مختلف في القطاع العام. مع اختلاف طريق احتساب هذا الحد بين القطاعات.

وينبه المكتب المركزي للعصبة في هذا الإطار إلى تعميق الهوة والفوارق بين الحد الأدنى للأجور في مختلف القطاعات من خلال عملية الزيادة النسبية في الحد الأدنى للأجور والتي كان آخرها من خلال المرسوم رقم 2.13.343 المؤرخ في 24 يونيو 2014 والقاضي بتحديد الحد الأدنى للأجر عبر إقرار زيادة قدرها في القطاعين الفلاحي والصناعي والتجاري. بالإضافة إلى عدم تحديد حد أعلى للأجور في القطاع العام والمؤسسات العمومية.

وتأسيسا على ذلك، يجدد المكتب المركزي للعصبة مطالبته، بعدالة أجرية بين مختلف فئات المجتمع، دون اعتبار تمييز، وتوحيد الحد الأدنى للأجر بين مختلف القطاعات.

التطبيق الفعلي للتشريع الاجتماعي الحالي على علاته

فعلى الرغم من كل الانتقادات الممكن توجيهها إلى التشريع الاجتماعي الحالي بمختلف نصوصه سواء ما يتعلق بمدونة الشغل ونصوصها التطبيقية، أو القانون المتعلق بالضمان الاجتماعي، أو مدونة التغطية الصحية، أو القانون المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل والأمراض المهنية، أوغيرها. فالسمة الغالبة المميزة لها عموما هي محدودية التطبيق الفعلي، خاصة في الشق المتعلق بزجر المخالفات.

فبالإضافة إلى تأخر صدور مجموعة من النصوص التطبيقية لمدونة الشغل من قبيل القانونين الخاصين بفئتي العمال المنزليين، والمقاولات ذات الطابع تقليدي صرف. والمرسوم المتعلق بكيفيات تطبيق المادة 16 من مدونة الشغل وتحديد القطاعات والحالات الاستثنائية التي يمكن اللجوء فيها إلى عقود الشغل محددة المدة. يسجل المكتب المركزي للعصبة، ضعف تطبيق النصوص القانونية السارية خاصة ما يتعلق بالصحة والسلامة المهنيتين، بسبب قلة الأطباء والمهندسين المختصين في مجال الشغل، والأحكام المتعلقة بمقاولات التشغيل المؤقت، ومنع تشغيل الأطفال، وحماية الأمومة، وغير ذلك من المقتضيات التي يحول غياب الحماية القانونية لجهاز تفتيش الشغل دون تطبيقها ودون مراقبتها فعليا.

وفي هذا السياق يدعو المكتب المركزي للعصبة الدولة المغربية إلى تعزيز جهاز تفتيش الشغل بالموارد البشرية الكافية، والتطبيق السليم لاتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 81 المتعلقة بتفتيش العمل، وتعزيز التنسيق بين مفتشية الشغل والنيابة العامة من أجل زجر المخالفين للتشريع الاجتماعي.

احترام الحقوق النقابية

إن السمة الغالبة المميزة لتعاطي المشغلين بما فيهم الدولة، مع الفاعل النقابي، تقوم بالأساس على فكرة الصراع، وهو ما ينعكس سلبا على احترام حق الانتماء النقابي، بحيث غالبا ما يكون مصير النقابيين في القطاع الخاص هو الطرد بمجرد تبليغ المشغل بتأسيس المكتب النقابي، كما تتعرض مجموعة من المكاتب النقابية للتضييق والامتناع أو التأخر في تسليم الوصولات النهائية من الطرف السلطات المحلية.

وهو أمر ينعكس بالضرورة على التمثيلية النقابية، وعملية التفاوض الجماعي، حيث يبرز ذلك على الخصوص من خلال استقراء نتائج انتخاب ممثلي الأجراء في القطاع الخاص، وأيضا باستقراء عدد اتفاقيات الشغل الجماعية المتوصل إليها.

وضع حد للهشاشة في العمل

وذلك من خلال اعتبار الكرامة الإنسانية عنصرا موجها للسياسات العمومية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، ويستتبع ذلك بالضرورة وضع حد لمجموعة من الصيغ الجديدة للتشغيل من قبيل اللجوء إلى المناولة، والتشغيل المؤقت، وتشديد المراقبة على وكالات الوساطة في التشغيل، والتنصيص في دفاتر التحملات الخاصة بمناولة الخدمات في الإدارات العمومية على الحق في الأسبقية في التشغيل وضمان الأقدمية بالنسبة للأجراء، وزجر المقاولين الذين يفتعلون التفالس أو اللجوء إلى الإغلاق دون احترام المساطر القانونية، أو إحداث شركات وهمية بهدف تسهيل التسريح الجماعي للأجراء. ومنع اللجوء إلى التشغيل المؤقت او مناولة الخدمة في مناصب الشغل القارة.

تحسين شروط الصحة والسلامة في أماكن العمل

إن ما يسجله المغرب من حوادث شغل وأمراض مهنية، خاصة تلك غير المصرح بها، يطرح أكثر من علامة استفهام حول ظروف صحة وسلامة الأجراء خاصة في قطاعات البناء والأشغال العمومية، في ظل غياب شبه تام لزيارات المراقبة، والمرتبط بقلة الموارد البشرية في فئات الأطباء والمهندسين المكلفين بتفتيش الشغل، وتمركز العدد القليل الموجود منهم في محور الرباط-الدار البيضاء. وغياب الوسائل التقنية الكفيلة بإجراء عمليات مراقبة فعالة من طرف مفتشي الشغل.

كما يطالب المكتب المركزي للعصبة بضرورة اهتمام الجهات الوصية بهذا المجال، مع تعزيز التنسيق بين مختلف القطاعات المعنية، لزجر المخالفين.

تعميم التغطية الاجتماعية وصيانة المكتسبات

إن الملاحظ في ما يتعلق بالتغطية الاجتماعية هو تعدد الأنظمة بين القطاع العام والخاص والشبه العمومي، مع تسجيل حرمان فئات واسعة من الأجراء من الاستفادة من هذه الأنظمة خصوصا الأجراء المحسوبين على قطاع الإنعاش الوطني الذين لا يسري عليهم أي قانون، بالإضافة إلى بعض فئات أجراء القطاع الخاص الذين يتم التحايل بشأن وضعياتهم في ظل صعوبة المراقبة، وعدم كفاية الإجراءات الزجرية.

وعلى الرغم من الشعارات الحكومية الرامية في شكلها، إلى إصلاح أنظمة التقاعد، فإن مضمونها المقتصر فقط على ترميم بعض الاختلالات التي عرفها الصندوق المغربي للتقاعد الموجه لشغيلة القطاع العام، لم يصحح أهم مظاهر هذه الاختلالات والمتجلية أساسا في توقف الدولة لفترة طويلة عن أداء اشتراكاتها بصفتها مشغلا، وغياب التوازن بين حجم اشتراكات المنخرطين من الموظفين، والمشغل المتمثل في الدولة.

حماية حقوق الأجراء المهاجرين

وهو ما يستوجب بالضرورة جعل حد لوضعية الشرود القانوني التي تكرسها مدونة الشغل من خلال مادتها 517 التي تعتبر تاريخ تأشيرة وزارة التشغيل على عقد شغل الأجنبي بالمغرب، هو نفس تاريخ بداية العقد، وهو أمر ينعكس سلبا على تكييف هذا العقد من طرف القضاء، الذي ذهب في الكثير من قراراته إلى اعتبار عقد شغل الأجنبي بالمغرب عقد شغل محدد المدة، مما يخلق نوعا من الهشاشة بالنسبة لبعض فئات المهاجرين بالمغرب، ويعرضهم لأسوء أنواع المتاجرة بالبشر.