لا يخفى على أحد الوضع المزري الذي يتخبط فيه المجتمع العربي، بعد الربيع العربي الذي أحدث ثورة غيرت مجرى وسير مجموعة من البلدان، حيث بدل أن يتقدم، ويحدث نقلة نوعية، من عالم هضم الحقوق والحريات والاعتراف بالواجبات أدخلنا في زمرة أخرى لم يكن أحد ليضرب لها حسابا. فبعد مرور أزيد من أربع سنوات يمكن أن نقول إنها لم تكن ناجحة أبدا نظرا لسوء الأحوال بعدها، وإن صح القول فهي كانت عبارة عن خدعة تمويهية من أجل احتلال حقوق الأفراد واستغلالهم أكثر ومحاولة الفوز أو الجني لثروات أكبر باسمهم.
المتتبع للشأن المحلي للمغرب، سيفهم أن الحراك الذي حركه بدءا من عشرين فبراير، لم يؤتِ أكله البتة لمجموعة من الأسباب، أولها أن المغرب يعيش في صراع فكري والكل يبحث عن مصلحته الشخصية داخل هذا الإناء الزجاجي الذي قد يتعرض في أي وقت للاختراق فينكسر، وعدم نجاح أية ذبذبة راجع بالأساس إلى تغليب الأنا ومحاولة السطو عليها، وكذا اختلاف الأهداف التي هي نتيجة اختلاف المصالح، فكل من قرر خوض معركة من أجل شيء ما إلا وتبين في الأخير أنها لم تكن في صالح الوطن، حتى وإن استعمل كلمات وشعارات تزعزع القلوب وتدفع بالإنسان للتعاطف معها وعدم الانخراط، فتلك الرغبة في تحقيق الأهداف الشخصية، هي الأساس في عدم انخراط الرأي العام في هذا الشكل من الحركات. المواطن المغربي دائما ما يظهر في علو نضجه في عدة مواقف وأشياء، وهذا يجعله يأخذ الحيطة والحذر من جل الحركات الداعية بأن هدفها هو الدفاع عن الطبقة الفقيرة من أجل تحسين أوضاعها، واستفادتها من خيرات البلاد، فهو فهم أن الأهداف تطغى على مصلحة الوطن، ويستفيد من الدروس الفائتة. فمثلا تعاطفه مع حزب العدالة والتنمية منذ سنوات نظرا لمرجعيته الإسلامية، جعلته يستشعر انه لم يصب حين اختاره أحيانا، عندما يرى أنهلم يطبق ما أتى به برنامجه الانتخابي من محاربة للفساد والإصلاح، ومواجهتهما بـ "عفى الله عما سلف"، وانخفاض نسبة البطالة ومواجهتها بقول إن الدولة لم يعد في مقدورها التوظيف رغم الخصاص المهول في كل الميادين، نظرا لعجزها، وعدم وجود موارد، وأنها تعيش أزمة خانقة تدفعها للاقتراض لتخرج من عدة مشاكل. هذه الأشياء تجعل "المواطن الذكي" يفهم أنها لا توجد مصلحة عامة، وهذا يدفعه لمقاطعة الانتخابات... والخاسر هو الوطن، نظرا لكون الذئاب محيطة به وستنهش مابقي فيه من لحم، وتترك للفقير العظام يتفقدها ويأكل ما بها من عالقة ويصمت.
المغرب يكون دائما سباقا لحل الأزمات التي يمر بها، رغم أنه يأخذ كثيرا من الوقت في التفكير في كيفية مواجهتها، ونذكر على سبيل المثال حركة عشرين فبراير التي كانت أهدافها تحسين أوضاع البلاد وترسيخ الديموقراطية، وتفعيل حرية التعبير، وما إلى غير ذلك حسب الشعارات والمطالب آنذاك، فصاحب الجلالة نصره الله كان ذكيا في تعامله مع مطالب شعبه فدعى إلى تغيير الدستور وتفعيل ما يطلبه الجميع، وأدى ذلك إلى التخلص من الريح التي كادت أن تعصف بالمغرب، وخصوصا أنها جاءت موازية لبعثرة العالم العربي، بسبب كما سماها الملك محمد السادس "الخريف العربي ".
أما المثال الثاني يتعلق بالأساتذة المتدربين الذي لا يمكن لأحد أن ينكر أنها تجاوزت مرحلة الخطر بأعجوبة وذكاء المسئولين، فلا ندري ما كانت ستخلفه من أزمات داخل البلاد، وخصوصا أن الشعب المغربي بدأ يتفاعل ويتعاطى معها وينخرط في صفوف الأساتذة، كما بينت المسيرة التي أقيمت في الدار البيضاء والأخيرة ذلك، فالمغرب استطاع أن يتجاوز المرحلة ليس بتحقيق لمطالب الأساتذة، وإنما بإعطائهم كامل حقوقهم كما بين المحضرين في انتظار القرار الوزاري، وبرهانه على أنه جاد في الخروج من هذه الأزمة. ذكاؤه هنا ينحصر في كون أنه استطاع أن يقف متصلبا أمام هذه الريح وعدم الانحناء لها، وكذلك أن يغير الموقف، حيث صرنا نرى الآن نوعان من الأشخاص:نوع راض تماما بالحل وآخر غير راض. هذا الانشقاق في صالح المغرب، كون أنه لن توحد الصفوف للمطالبة بأشياء أخرى، ونجح في أن يجعل نسبة الفرحين بالحل أكثر كونه يعلم أن الجل يخاف من البطالة. وأخيرا، من كل هذا يمكن أن نجزم أن المغرب لا يمكنه أن يدخل يوما في صراع داخلي، ولا بزوغ حركات أخرى لأن الكل استفاد من الدروس السابقة، وإن كل حركة احتجاجية لها هدف ومصلحة وراء ذلك،وانتهى الكلام.