كلمات مؤثرة لأستاذ رفض تكريمه بعد تقاعده

59

تداول نشطاء مواقع التواصل الإجتماعي رسالة قالوا إنها تعود لأستاذ مغربي أنهى سنين عمله قبل أن يقرر المسؤولون تكريمه، غير أنه رفض هذا التكريم لأسباب متعددة سردها في هذه الرسالة المؤثرة والتي تعبر عن الواقع الأليم الذي يعيشه رجال ونساء التعليم في المغرب خاصة في البوادي والمناطق النائية ناهيك عما يصاحب ذلك من مشاكل وعقبات متعددة ماديا ومعنويا..

وفي ما يلي نص الرسالة كاملا:

حضرات السادة والسيدات،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
وبعد،

يشرفني كثيرا أن أحظى اليوم بشرف هذا الجمع المبارك حولي، الذي باستثناء اليوم الذي صدمتني فيه سيارة لم أعرف سائقها، وأنا أمتطي دراجتي الهوائية متجها فيه إلى المدرسة التي أشتغل فيها معلما، لم أكن موضوع تجمهر قبله ولا بعد، ولا بأس اليوم من شكرا اﻷكاديمية والنيابة التي تواضعت أخيرا، لتنصت إلى هذا الشخص الذي لا تعتبره سوى اسم من اﻷسماء النكرة، أو رقما من أرقام التأجير التي تشتغل في دوائر نفوذها، فشكرا إذن للسيد مدير المديرية اﻹقليمية الذي لا أعتقد أنه اﻵن بين هذا الحضور..

ضدا على كل العبارات البيروقراطية، والبروتوكولات، ألتمس منكم اﻹصغاء إلي ومنحي بعضا من وقتكم الثمين لموظف يعيش آخر ساعات انتسابه لوزارتكم الموقرة..

أنا عبد المجيد (…)، البالغ من العمر 63 سنة، والمتزوج اﻷب لأربعة أطفال من أبناء هذا الوطن، والحامل لرقم التأجير (…)، أصرح، وأنا ببعض قواي العقلية، التي احتفظت بها قسرا سنوات خدمتي الفعلية الطويلة داخل الفصل، أنني أرفض هذا التكريم الذي تفضلتم وتكرمتم بإقامته لشخصي..

نعم، لست في حاجة أيها السادة إلى تصفيقاتكم، وأنتم تحتجزونني هذا المساء داخل هذه القاعة كبهلوان عجوز، تعلقون على صدره أوسمة رخيصة، وتغدقون عليه بكلمات معلبة معدة بشكل رتيب، لكل مناسبة تسكتون بها موظفيكم كلما حان أجل أحدهم ليسلمكم مفاتيح فصله، ويستدير إلى ما تبقى من عمره متواريا عن أنظاركم إلى اﻷبد..

لا أيها الكرام،

هل غاب عن ذهنكم أن هذا الجسد الضامر المتهالك، تسكنه روح بعيش بها، وذاكرة طالما اختزنت ويلات النضال، وظلمات الشقاء والبؤس الذي أرادته لنا وزارتكم؟

كنت سأفرح بتكريمكم لي، يوم وصلت على ظهر حمار الجبل الذي تعتليه الفرعية التي عينت بها ذات ليلة من ليالي السبعينات الباردة، فلم أجد سكنا أقطن به، ﻷلوذ بمسجد أياما أبيت فيه قبل أن يحتضني بعض سكان القرية بكرمهم..

كنت سأفرح بتكريمكم لي، وأنا أشتغل سنتين بدون راتب، في انتظار اﻷجرة، حتى اشتكاني البقال إلى مخفر الدرك لكثرة ديوني..

كنت سأفرح بتكريمكم لي، وأنتم ترسلون إلي مديرا، يجتهد فقط بتبليغكم أيام عجزي ومرضي، وموافاتي بالاستفسارات، وإحصاء كل كبيرة وصغيرة علي، دون أن يمدني يوما بتنويه أو تشجيع لقاء كدي وجدي في سبيل تحصيل التلاميذ..

كنت سأفرح بتكريمكم، يوم لذغتني عقرب، وأنا تحت سقف مهترئ قرب الفرعية، أستجلب النوم واﻷحلام البسيطة، ﻷنسى بها الواقع الذي شكلتموه لي..

كنت سأفرح بتكريمكم، يوم انقطعت عني اﻷجرة سنة ونصف، إثر خطإ جناه علي المدير، جراء تقاعسه في إرسال مراسلة، كلفتني إرسال زوجتي لتشتغل خادمة ببيوت المدينة، حتى نجد ما نقتات به نحن وأبناؤنا..

كنت سأفرح بتكريمكم، وأنت تبعثون إلي مفتشا ببذلة وربطة عنق أنيقة، ليسخر من أحوالي، وليحاسبني على تطبيق مستجدات التدريس، داخل فصل طاولاته من مخلفات الاستعمار، وحيطانه آيلة للتهاوي على رأسي ورؤوس تلاميذي..

كنت سأفرح بتكريمكم، ذات ليلة كانت ستقضي علي فيه شمعة داخل مسكني، بعدما شبت ألسنة اللهب في أغطيتي وملاءاتي الحقيرة..

كنت سأفرح بتكريمكم، وأنا أدرس خمسين تلميذا داخل فصل واحد، بدعوى الخصاص وما إلى ذلك مما تجتهدون فيه للرد على مطالبنا ومطالب الشعب..

كنت سأفرح بتكريمكم، يوم سقطت فيه مغمى علي، إثر مرض مزمن، بعدما ضاق السيد النائب بمراسلاتي المرفقة بملف طبي مصادق عليه من قبل وزارة الصحة..

كنت سأفرح بتكريمكم، وأنا أشارك كل سنة، بعد عقود قضيتها مرابطا بجبال سوس القاسية، في الحركة الوطنية قصد الاقتراب من مستشفى بالمدينة، يحتضن سقمي وعلتي..

كنت سأفرح بتكريمكم، ولوائح الترقية تطالعني كل سنة بجدول خال من اسمي..

كنت سأفرح بتكريمكم، وأنا أشغل جميع الحرف داخل قسمي، تارة حلاقا يحلق رؤوس تلاميذي، وتارة منظفا أجمع فضلاتهم وقمامات الساحة، وتارة بناء أو صباغا أعتلي السلالم لمناشدة جدران المدرسة حتى لا تباغتني يوما وأنا أشتغل بينها..

نعم، أيها المحترمون..

كنت سأفرح بهذا التكريم، خلال تلك السنوات المديدة المريرة التي خلفت ما خلفت على تجاعيد وجهي وعظام جسدي وكوم مكدسة من اﻷحزان داخل صدري المنهك بالربو والسعال اﻵن.. ولم يكن يزيدني إصرارا وتمسكا بالحياة، غير شرطي يستوقفني بالطريق مذكرا إياي أنه كان ذات يوم أحد تلاميذي، أو ممرضة لم تنس جهدي معها وهي تلميذة، أو…

لكل هذه اﻷسباب أيها السادة، أعتذر عن قبولي هذا التكريم هذه الليلة، وأطلب منكم فقط أن تفسحوا لي طريقا ﻷخرج من هذه القاعة التي خنقتني – أنا المعاق ذا العكازين- وأنصرف إلى حال سبيلي، مستميحكم عذرا على اﻷخذ من وقتكم لسماع أساطير شيخ في أراذل عمره..

والسلام عليكم ورحمة الله

(منقول و صاحب الرسالة مازال مجهول)

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

6 تعليقات

  1. نضال يقول

    ألف تحية و سلام لك أيها الجندي المجهول ، فمعلموا السبعينات و الثمانينات كلهم عانوا مثل معاناتك في الجبال و المداشر و الصحاري ، في بيئة تفتقر لأدنى شروط الحياة الكريمة ، و أدت عائلاتهم الثمن غاليا ، ولما تولى تلامذتهم زمام المسؤوليات : تنكروا لهم ، فأغلب من استصدر القرارات الجائرة في حقكم تتلمذوا على أيديكم ، فبئسا لناكري جميل من علموهم الحروف الأبجدية الأولى ، و تحية اجلال و احترام يا مقاوم الجهل ، الذي ضحى بحياته و مستقبل أبنائه ، في أقسى الظروف ، و التي رسمت على سحناتهم تجاعيد تحكي مرارة الزمن الرهيب …

  2. جبريل يقول

    ما قله هذا المعلم الجليل ما هو إلا شجرة تغطي غابة من مشاكل المعلمين والمعلمات. وأنا بدوري معلم لم يمر على مزاولتي هذه الحرفة سوى 12 سنة فقط وقد مررت بكل ما جاء في رسالة هذا المعلم القدير.
    في بداية مشواري لم أجد سكنا ونصبت خيمة بجانب القسم وسكنتها مدة أربع سنوات عجاف ذقت فيها البرد والجوع ومهانة السلف خصوصا مع تأخر صرف مستحقاتي ستنين تقريبا، لذغتني عقرب مرة ونجوت من لذغة الأفعى مرتين. والمدير من جهته لا اراه إلا عندما يأتيني باستفسار عن أيام أسقامي وأمراضي مع العلم أنه لا يوجد طبيب هناك ليمنحك شهادة طبية حتى تقضي فترة نقاهتك دون المساس بحقوقك(دون أن أنسى التذكير بكوني أعوض التلاميذ عن فترة المرض بعلم المدير او بدونه، فلا يهمني أمره)، وأما أخونا المفتش فبعد محاضراته المملة حول مستجدات التربية وتحميلي مسؤولية تآكل الطاولات وتشقق الجدران يخيرني بين 200 درهم قهوة (رشوة) وبين تقرير أسود رغم ما أرفعه من تظلمات إلى الجهات المعنية لا مجيب. لم تمر سوى 12 سنة إلا أن جسدي يعاني من أمراض الشيخوخة كارتفاع الضغط والاكتئاب والروماتيزم والتهاب المفاصل والصداع النصفي وتراجع البصر والحساسية وأسقام أخرى لا زلت أكتشفها يوما عن يوم.
    ورغم كل هذه الآفات وغيرها يطلع علينا بنكيران بشجاعته المعهودة على الشعب معززا رأيه بأدلة قطعية من القرآن الكريم ليظهر رغبته المقدسة في الإجهاز على مستحقاتنا والزيادة في سن التقاعد وتقليص أجرته فكيف سيعلم ما تعنيه مجرد 100 درهم للموظف والأجير العادي وهو من يتقاضى الملايين شهريا، وكيف سيحس بنا وبما نعانيه صحيا واجتماعيا واقتصاديا وهو ضامن لتقاعد مريح هو وبرلمانيوه…لم أنته بعد من كتابة كل شيء لكنني سأتوقف الآن لأن ضغطي بدأ يرتفع، سأخرج قليلا لاستنشاق بعض الهواء العليل قبل أن يجعله بنكيران هو الآخر بمقابل مادي فيتعذر علي التنفس !!!

  3. arnesto يقول

    السؤال المزعج حقيقة و هو كيف لدولة أن تتقدم و تعليمهم هو قبل الأخير ? كاد المعلم أن يكون رسولا للأسف !

  4. abderrahim يقول

    c’est malheureusement la vérité triste de la majorité des enseignements , ces militants contre l’ignorance et pour le savoir et la connaissances. je pense que la majorité se reconnaîtra dans ce témoignage cru.

  5. أين الثروة يقول

    رسالة مؤثرة فعلا, هكدا دمر ويدمر النظام التعليم, نظام متخلف ظالم وحقير, نظام مبنى على كراهية الشعب, ويحكمك ب”أمير المؤمنين”, أى اسلام هذا ? هذا النظام نار تحرق المغاربة فيزداد ذلهم وهوانهم وعبوديتهم, لا رحم الله شعبا ذليلا يقبل الأيادى والأرجل من أجل ما يسد به رمقه كأنه يطلب صدقة, بدلا من احراق أنفسكم ناضلوا حتى الموت من أجل كرامتكم وأنتم وافقون فهو اشرف لكم, كونوا صادقين ولا تنافقون أنفسكم, فما زلتم تتملقون وتنافقون وتتذلون وما زال الجلاد ينهش أجسادكم, لو يعلم الله فى قلوبكم خيرا ياتيكم خيرا, لا حول ولا قوة الا بالله

  6. لقد يقول

    كم هي حقيرة هذه الدولة المتلدذة بمتصاص دم شعبها الفقير المنهك حتى تقوم بحضر نشر منشورات هذا الموقع الوطني الشهم على الفيس بوك وغرضها من ذلك طبعا هو حصر معلوماته كي لا تصل الى الجميع ويعرف الكل حقيقتها

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.