بداية نهنئ التنسيقية الوطنية للأساتذة المتدربين على معركتهم البطولية والتي توجت بانتصار كبير للحركة الاحتجاجية، واعادة الاعتبار للشارع كميزان قوى وحيد لتحصين مكتسبات أبناء الفئات المسحوقة. كما ننوه بالدور الايجابي لمبادرة المجتمع المدني في حل هذا الملف. إذا نظرنا إلى تركيبتها والتي تضم مناضلين لهم احترامهم، مما يلزمنا أخلاقيا بافتراض كل ما هو ايجابي واستبعاد أي تساؤل سياسي قد يقال عنه ما يقال...
لكن هذا لا يمنعنا من طرح تساؤلات أخرى قد تبدو لها ملحاحيتها، خاصة في ظل تشبت الحكومة بتنزيل قوانينها الرجعية التي تستهدف بشكل مباشر المصالح الجذرية للفئات المهمشة. وعلى قائمتها المدرسة والوظيفة العموميتان والانصياع الأعمى لإملائات صندوق النقد والبنك الدوليين من أجل تفكيك ما تبقى من القطاعات الاجتماعية. وما تصريحات الحكومة وخاصة على لسان وزرائها المحسوبين على العدالة والتنمية إلا الشجرة التي تخفي حجم هذا الاستهداف.
وحتى تكون أسئلتنا موضوعية قدر الامكان، وجب القول بدئا أن هناك شبه اجماع على أن دور المجتمع المدني محدود جدا في رسم وبلورة وصياغة السياسات العمومية، أو لنقل منعدم حتى اشعار آخر. بل هناك من يذهب أبعد إلى طرح سؤال هل يوجد في المغرب مجتمع مدني حقيقي؟ وبغض النظر عن مشروعية السؤال فالواقع يؤكد بالملموس أن موضوع حديثنا هو انعكاس مباشر للبنية ككل، اقتصاديا وسياسيا... فالفساد والريع والمصالح الحزبية والشخصية تبقى عناوين عريضة تؤطر عمل المجتمع المدني.
كذلك يبرز سؤال آخر إلى الواجهة، هل دور المجتمع المدني ينحصر في الوساطة؟ أم هناك أدوار أخرى غير دور الإطفائي. وما هي المحددات والمعايير في تبني ملف أو قضية على حساب أخرى. وسبب هذا الكلام هو ما صرح به السيد صلاح الوديع بقوله " لقد ساهمنا في حل ملف الاساتذة المتدربين وحافظنا في نفس الوقت على هيبة الدولة ". أعتقد أن ما سبق يجرنا لا محال إلى اقحام حركة المعطلين في النقاش لما يوجد من تشابه كبير بينها وبين التنسيقية الوطنية للأساتذة المتدربين سواء من حيث البنية أو الموضوع. فحركة المعطلين سابقة في طرح نقاش التعليم والوظيفة العموميتان وسابقة في الوجود كحركة احتجاجية، ناضلت لخمس سنوات متتالية دون كلل قدمت من خلالها شهداء ومعتقلين ومصابين ونالت القسط الأوفر من القمع المسلط على الحركة الاحتجاجية. لكن للأسف لم تكن هناك أي مبادرة لحل هذا الملف ولم نرى بلاغات تندد بجرائم النظام في حق الحركة ولم نسمع حتى كلمة عن المدرسة والوظيفة العموميتان. مع العلم أن تزايد جيوش المعطلين كل سنة هو التعبير الحقيقي عن أزمة التعليم في المغرب وعن فشل السياسات العمومية في القطاعات الاجتماعية.
نعم قد تكون حركة المعطلين تتحمل الجزء الكبير في واقعها المتسم بالشتات وضعف التواصل مع الرأي العام. لكن التنكر لها وبهذا الشكل، هو تنكر لتاريخ طويل من التضحيات قدمتها هذه الحركة ومساهمة في قتل آخر معاقل الصمود في الشارع المغربي. والخوف كل الخوف أن يموت الشارع وتموت معه آخر أحلام أبناء الفقراء في وطن قد يتسع للجميع في يوم ما...