قدمت صحيفة "القدس العربي"، قي افتتاحيتها ليوم الثلاثاء 19 مارس، قراءة مثيرة لقضية وفاة "مي فنيحة" بائعة الحلوى والبغرير التي لفظت أنفاسها الأخيرة بعد أن أضرمت النار في جسدها جراء تعرضها "للحكرة" من طرف رجال سلطة.

واستغربت الصحيفة الذائعة الصيت، من وقوع مثل هذه الأحداث الإجتماعية الأليمة في ظل حكومة يقودها حزب اسلامي متحالف مع حزب شيوعي من مبادئه الدفاع عن المقهورين والكادحين والفقراء.

وفي ما يلي نص المقال كاملا:

تحمل حكاية «أمي فتيحة»، بائعة الخبز المغربية، عناصر قهر لا تحتمل، كما أنها تحمل تطويراً رمزيّاً خطيراً على قصة محمد البوعزيزي، البائع المتجوّل التونسي الذي أشعلت حكاية إحراقه نفسه احتجاجاً على القهر والظلم نار الثورات العربيّة التي غيّرت وجه المنطقة العربية منذ عام 2011.

قامت «أمي فتيحة» بحرق نفسها نتيجة إحساسها بالإهانة (أو «الحقرة» بالمصطلح المغربي) بعد إقدام مسؤول محلّي على حجز بضاعتها من الخبز المحلّي «البغرير» وتوجيه صفعات لها، وهو يشبه ما حصل للبوعزيزي، لكنّ المفجع في حكاية «أمي فتيحة» أن أحد عناصر السلطة (أو أعوانها كما يقال في المغرب)، وبدلاً من محاولة إنقاذها أو ثنيها عن الانتحار، قام بتصويرها بواسطة هاتفه المحمول وهي تحرق نفسها ثم نشر بعد ذلك شريط التصوير عبر المواقع والشبكات الاجتماعية.

أثار الحدث الفظيع الآنف، بحسب تقرير منشور في عدد «القدس العربي» اليوم، تداعيات اجتماعية وقانونية وسياسية، وقام مواطنون مغاربة في مدينة القنيطرة، محلّ الحادثة، بمسيرة احتجاج تحمل صور البائعة التي توفّيت متأثرة بجروحها البليغة، حاملين لافتات تقول إحداها ما معناه: «احتقرتمونا. قهرتمونا. أحرقتمونا».

تحمّل الكلمات الأخيرة مسؤولية فعل الحرق لطرف مجهول ـ معلوم وتعتبره جزءاً من متلازمة الاحتقار والقهر التي يعانيها المواطن العربي في علاقته مع السلطة، وخصوصاً في جانبها التنفيذيّ المتعيّن والذي تمثّله عناصر الأمن والشرطة وموظّفو السلطة عموما الذين لا يقيمون أدنى اعتبار لحياة المواطن وكرامته ويطاردونه في لقمة عيشه البسيطة بحيث لا يتركون أمامه، أحياناً، غير خيارات الموت جوعاً وذلا بحيث يفقد أول مقوّمات العيش الكريم: الخبز والكرامة.

لا يحلّ الأمر، بالتأكيد، بإجراءات من قبيل ما فعلته السلطات المغربية من استدعاء المسؤولين الإداريين اللذين ورد اسماهما في الحادثة، أو ما تفعله السلطات المصرية من اعتذار عن «حوادث فرديّة» كلّما قام شرطيّ بقتل مواطن لأسباب تافهة، كما حصل أمس شرقيّ القاهرة إثر خلاف على سعر كوب شاي.

في البلدين المذكورين في الفقرة السابقة تتربّع حكومتان من طيفين سياسيين متناقضين وتدور بينهما، في مصر، وفي باقي العالم العربيّ، ما يشبه الحرب الأهليّة الطاحنة، وإذا عطفنا هذه المعلومة، في الحالة المغربية، حيث نجد تحالفاً لحزب «العدالة والتنمية» الإسلاميّ التوجّه مع حزب «التقدّم والاشتراكيّة»، وهو سلف الأحزاب الشيوعيّة العربية العتيدة المشهورة بدفاعها عن الفقراء والعمال والفلاحين الخ…، وهو تحالف يعمّق السؤال الكبير في الحاضرة السياسية العربية: أين اختفى الجانب الاجتماعيّ ـ الاقتصاديّ للدفاع عن الفقراء في أجندات الأحزاب العربية وسياساتها عندما تغدو حاكمة.

وإذا وضعنا الحرب القائمة بين أحزاب رجال الأعمال والداعمة لتوجّهات التحالف الاستبداديّ بين الجيش/الأمن ورجال الأعمال، كما هي الحالة المصريّة، وأحزاب تحمل أسماؤها كلمات «العدالة» و«التنمية» و»التقدم» و«الاشتراكية»، كما هي الحالة المغربية، يصعد سؤال أكثر وطأة وإلحاحاً وخطورة: حين يتعلّق الأمر بالدفاع عن مصالح الفقراء والمظلومين والمضطهدين اجتماعيا، بماذا تختلف الأحزاب الجماهيرية التي تصعد بأصوات الديمقراطية وتقبل بالتداول السلميّ للسلطة عن الأحزاب التي تحتلّ المجالس النيابية بقوّة الطغيان والفساد والتزييف؟

والسؤال الآخر، وهو يخصّ ظاهرة تنظيمات كـ«الدولة الإسلامية» و«القاعدة» وشقيقاتهما: أليس إقفال الخيارات السياسية والحياتيّة أمام المقهورين هو الوسيلة المثلى لدفعهم إلى قتل أنفسهم، إما بإحراقها، كما فعل البوعزيزي و«أمي فتيحة»، وإما بالتوجّه لأحضان تلك التنظيمات الإجرامية المتطرفة؟

أسئلة حارقة، على النخب السياسية العربية أن تجيب عليها قبل أن تحترق أوطاننا جميعها.