فتحت النيابة العامة بحثا في ظروف وفاة "مي فتيحة" في القنيطرة، بعد أن فتحت بحثا في ظروف وفاة المعطل "ابراهيم صيكا" في كلميم، وهناك العديد من الوقائع المماثلة تقريبا لم تفتح فيها النيابة العامة أي بحث، فماهي  المعايير التي تعتمد عليها المعنية لتحريك بحث ضد متهم أو إحالته على التحقيق أو على جلسة المحاكمة مباشرة أو تحفيظ شكاية أو إهمال وشاية حتى وإن خلقت اضطرابا مجتمعيا كبيرا؟

مبدئيا تتحرك النيابة العامة اتجاه أي فعل متى قدرت أنه جريمة ورأت فيه خطورة قد تُحدث اضطرابا مجتمعيا. لكن واقع الحال غير هذا، فقد حركت النيابة العامة متابعات اتجاه أفعال لا تشكل أي خطورة على المجتمع، بل ولا هي جرائم أصلا، كما حدث اتجاه العديد من الصحافيين المستقلين، بغاية ترهيبهم وترهيب زملائهم ودفع الجميع إلى التخلي عن واجبهم المهني، في وقت وقفت فيه متفرجة على جرائم واضحة للعيان خلقت اضطرابات مجتمعية كبيرة، دون أن تُحرك ساكنا،  ككسر عصا فوق جمجمة أستاذ وتزوير شهادات في أحكام قضائية، أبرزها ملفي المعتقل السياسي الزبير بنسعدون،  ورجل الأعمال حسن نجيم..مثلما تفرجت على وثائق باناما واتهام رئيس الحكومة لإلياس العماري ببيع "الغبرة" وجمع أمواله من الممنوعات..

في المغرب يُمكن للنيابة العامة أن تتفرج على كريمة مؤسس جماعة "العدل والإحسان" نادية ياسين وهي تفضل في تصريح صحفي "الجمهورية" على "الملكية" وحين تستشعر النيابة بوجود اضطرابا مجتمعيا تحرك المتابعة، وعندما يخرج آفراد الجماعة إلى الشارع، تلقي بالجلسة إلى أجل غير مسمى.

كما يمكنها أن "تتبورد" على "البوليس" وتحيلهم على المتابعة في ملف تعذيب طلبة القنيطرة، لكن يمكنها أيضا أن تعاين جروحا على جسم متهم معروض على أنظارها ولا تحيله على خبرة طبية رغم مطالبة دفاعه بذلك، كما حدث مؤخرا في ملف الناشط "الفبرايري" أسامة الخليفي ومن معه، وفقا لما ذكره دفاعهم في آخر جلسة، رغم أن النيابة العامة أو قاضي التحقيق مجبران بقوة القانون الجنائي على ذلك، ليس فقط  حين يعاينا جروحا على جسم المتهم، بل بمجرد تلقي ادعاءات أو مزاعم عن تعرضه لتعذيب على يد الشرطة أو رجال الدرك.

في "المملكة الحبيبة" أيضا يمكن لزعيم في حزب "البام" يدعى العربي المحريشي أن يتهم دركيا أو قائدا بتلقي رشواى من تجار المخدرات وبدل أن تتحرك النيابة العامة وتفتح بحثا تتحرك وزارة الداخلية دون معرفة نتائج تحركها منذ شهور طويلة. كما يمكن لرجل أعمال أن ينصب على المواطنين باسم الملك محمد السادس لنهب أراضيهم، وحين تصل الجريمة  إلى مكتب النيابة العامة يستدعي وزير الداخلية المتهم وينبهه، نعم ينبهه فقط، إلى عدم توظيف اسم الملك في معاملاته التجارية، دون الفصل فيما خلفته جريمته من آلام انسانية ضد بسطاء من الشعب، وما  جناه من ملايير بعد نهبه لأراضيهم بفضل توظيف اسم الملك.

وحين ترى تحركا مجتمعيا وغضبا وطنيا اتجاه قضية ما تخرج هذه النيابة العامة إلى الرأي العام ببلاغ تفيد فيه أن بحثا فُتح في الموضوع، كما جرى في كلميم في قضية المعطل ابراهيم صيكا وفي القنيطرة في قضية "مي فتيحة"، وقبلهما في ملف حافلة طانطان، وفي قضية التدخل في حق  المتظاهرين ضد العفو الملكي على البيدوفيل الإسباني.

لكن المصيبة التي ما بعدها مصيبة أن الرأي العام لحدود الساعة لا يعرف نتائج الأبحاث في ملف "أطفال طانطان" وملف "ضحايا التدخل الهمجي في حق المتظاهرين ضد العفو على البدوفيل الإسباني" كما لا يعرف لحد الساعة نتائج البحث في فضيحة "الكراطة" ولا عرف مضمون التقرير الصادر في الموضوع وربما لن يعرف أحد نتائج البحث في ملفي "مي فتيحة" وأخونا ابراهيم صيكا رحمهما الله وأسكنهما فسيح جنانه.