في هذا المقال المثير والغني، يقف صاحبه، محمد ادامغار، على ما اعتبرها أخطاء سبعة ارتكبتها الحكومة في ملف الأساتذة المتدربين.

وفيما يلي نص المقال: 

مرت حتى الآن ستة اشهر على بدء ما يعرف بأزمة الأساتذة المتدربين، دون أن يبدو في الأفق ما يفيد بقرب وجود حل. فهل هذا الوضع سليم ؟ومن يتحمل مسؤولية هذا الوضع غير المسبوق ؟ سنحاول خلال هذه المقالة رصد الأخطاء القاتلة التي ارتكبتها الحكومة في مقاربتها لهذا الملف .
الخطأ الأصلي:
يمكن اعتبار مرسوم فصل التكوين عن التوظيف بمثابة الخطأ الأصلي، لأنه يتناقض مع المهمة الرئيسية المسندة للمراكز الجهوية للتربية والتكوين فحسب المادة 3 من المرسوم رقم 672-11-2 "يتولى المركز القيام بالمهام التالية تأهيل أطر هيئة التدريس المتدربين..." . ولأنه كذلك يمس بمبدأ تكافؤ الفرص والمساواة بين المواطنين في الولوج للوظيفة العمومية التي ينص عليها الدستور في فصله 31 على " تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، على تعبئة كل الوسائل المتاحة،لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة...من ولوج الوظائف العمومية حسب الاستحقاق" .
فلماذا لا تطبق الحكومة نفس منطق فصل التوظيف عن التكوين في حق فئات أخرى نذكر منها القضاة ورجال الأمن والدرك و اطر السلطات الترابية؟
وتستند الحكومة في تبريرها لفرض فصل التوظيف عن التكوين ،لمنطق غريب هو تحقيق الجودة فهل هذا يعني أن الأجيال المتعاقبة من أطر التدريس التي ولجت مراكز التكوين وتم توظيفها مباشرة بعد امتحان التخرج لا يتحقق فيها شرط الجودة ؟
إن الخفي في قرار الحكومة هو رغبتها في توفير أطر تدريس مؤهلة ومكونة من الميزانية العامة ،يتم وضعها رهن إشارة التعليم الخصوصي تنفيذا للالتزامات التي تمت معه في إطار الاتفاقية-الإطار. و هو ما يندرج كذلك في سياق التزامات الحكومة مع المؤسسات المالية الدولية لتخفيض كثلة الأجور ،خاصة وأن الحكومة صادقت مؤخرا على قرار شرعنة التوظيف بالتعاقد ،مما يعني عمليا إمكانية الاستعانة بفائض الأساتذة المكونين غير الناجحين في مباريات التوظيف ، لتغطية الخصاص المسجل على مستوى التعليم العمومي دون أن يترتب على الأمر أي التزامات تزيد من كتلة الأجور.
الخطأ الثاني:
رغم أن الاحتجاج انطلق مبكرا أي منذ أكتوبر ، لم تحاول الحكومة البحث عن أي مخرج لضمان السير العادي لمراكز التكوين ، وراهنت على عامل الوقت لإنهاك الأساتذة المحتجين وتشتت صفوفهم وتسرب اليأس إلى نفوسهم ، إلا أن الصمود الملحمي للأساتذة المتدربين والتعاطف المجتمعي مع قضيتهم أربك حسابات الحكومة ورهاناتها وهو ما يفسر اللجوء إلى العنف الوحشي في مرحلة لاحقة.
الخطأ الثالث :
بدل أن تسلك الحكومة طريق الحوار لإيجاد حل متوافق عليه في بداية الأزمة ، لجأت إلى الاستعمال المفرط للقوة وإلى التدخلات الأمنية العنيفة ضد المحتجين ،رغم الطابع السلمي لأشكالهم النضالية ونتذكر هنا نموذج الخميس الأسود بانزكان وغيرها من التدخلات العنيفة في الرباط والدار البيضاء...
الخطأ الرابع :
حتى حين اضطرت الحكومة للحوار أمام صمود الأساتذة وتزايد التضامن المجتمعي مع قضيتهم ،لم يكن الحوار جديا ولم يعكس إرادة سياسية حقيقية لإيجاد مخرج لازمة خلقتها الحكومة بسبب سوء تدبيرها وعدم قدرتها على قراءة جيدة للسياقات السياسية والاجتماعية ، وأولى مظاهر التخبط هو فتح الحوار من طرف والي جهة الرباط في موضوع يهم المغرب ككل فما هي السلطة الحقيقة لوالي الرباط ليتفاوض حول موضوع يتجاوز نفوذه الترابي ؟ وما هي صلاحياته ليقرر في موضوع يهم أولا رئيس الحكومة وثلاث قطاعات وزارية هي الوظيفة العمومية والتربية الوطنية والمالية ؟
الخطأ الخامس :
نشير هنا إلى القسم الشهير لرئيس الحكومة على عدم التنازل عن المرسومين ولو أدى الأمر إلى إسقاط الحكومة ، وهو ما يعكس مستوى غير مقبول في تدبير الشأن العمومي الذي يرتكز أساسا على المرونة في التعامل مع القرارات وترك هامش للمناورة والتفاوض. ونضيف الطريقة المتذبذبة في تعامل رئيس الحكومة مع ممثلي التنسيقية الوطنية للأساتذة المتدربين ، حين قرر استقبالهم بمقر رئاسة الحكومة قبل أن يتراجع في أخر لحظة ويدعوهم للقائه في بيته.
الخطأ السادس :
تعاملت الحكومة بالكيل بمكيالين في موضوع تدبير الاعتراض و الاحتجاج على قراراتها ، ففي موضوع الأساتذة المتدربين كانت هناك لغة صارمة و تشبت بقدسية مرسومين يفتقدان لأي أساس قانوني ولأي شرعية مجتمعية ،وبالمقابل نجد نفس الحكومة تتراجع في موضوع مرسوم المساعدة القضائية أمام المحامين وفي موضوع الخدمة الوطنية الإجبارية أمام الأطباء.
الخطأ السابع :
استمرار الحكومة في تعنتها وعدم قدرتها بعد ستة أشهر من الأزمة من إيجاد مخرج ، وهو ما يهدد بدخول مدرسي متأزم خاصة في ظل الخصاص في اطر التدريس الذي تعرفه منظومة التربية و التكوين ،ما يعني تزايد حالات الاكتظاظ وتعميق أزمة المدرسة العمومية ، وهو ما يعني كذلك حرمان اطر التدريس الممارسين من حقهم في الحركات الانتقالية وطنيا وجهويا والتي تعتمد أساسا على حصص الخريجين الجدد في تدبيرها وإجرائها.
ختاما ، ننبه القائمين على الشأن العمومي في هذا البلد انه في دولة ديمقراطية حقيقية، تحترم نفسها ولديها حكومة منتخبة من الشعب، حين يصدر قرار و يلقى معارضة شاملة ممن يعنيهم تطبيق ذلك القرار، وتحظى معارضتهم تلك بتعاطف الشعب وتضامن قواه الحية الحقيقية . يكون الحل الوحيد الممكن هو سحب ذلك القرار ،حفاظا على استقرار الوطن وكرامة المواطنين وهيبة الدولة. أما الاستمرار في التعنت واللجوء إلى المقاربة الأمنية، فتؤسس لدولة الطاغوت التي لا تعترف بالاحتجاج والمعارضة وتستعد لتطبيق قراراتها،حتى وان كانت ستهدم الوطن على من فيه.