فتاوى شاذة ، حملات تكفيرية ، دعوة لإقامة " الخلافة" ! ... كلها صيحات مقلقة تنبعث من ثنايا مظلمة في هوامش حياة المجتمع المغربي ، يحكمها خط ناظم ، هو أنها تمتح من معين ظلامي تقف من ورائه قوى سياسية خارجية من الشرق ومن الغرب لم تعد خافية على أحد منذ زمن ؛ قوى سعت وتسعى جاهدة لعرقلة مسيرة الدمقرطة والتحديث والتنمية ، أو على الأقل التشويش عليها . هذه المسيرة التي هي اختيار ثابت للأمة ، مثلما هي أيضا صيرورة تاريخية جارفة .

الداعون ، من أعماق الجوف المظلم في التاريخ الإسلامي ، إلى " الخلافة" ، يسبحون في فضاء هو غير الفضاء المغربي ، وفي زمن هو غير الزمن المغربي . فبالنسبة للشرق الإسلامي ، استقلت الأمة المغربية بمؤسساتها الدينية والدنيوية عن هذا الشرق منذ أزيد من ألف عام ، وصاغت لنفسها هويتها الوطنية الخاصة في ظل إمارة المؤمنين ، ورسخت عقيدتها الإسلامية الوسطية المتسامحة والمنفتحة دوما على القيم الإنسانية النبيلة .

هوية وطنية صهرت وأصلت الكثير من القيم الحضارية الراقية ، وانتجت ومازالت تنتج آليات لتدبير الاختلاف والتعدد ، وتستثمرهما في إطار الوحدة لمواصلة السير قدما في بناء مجتمع الديمقراطية والحداثة وكرامة الإنسان . بعد هذا كله ، كيف يتصور بعض من وضع نفسه على هامش منطق التاريخ وصيرورته ، أن له القدرة على النيل من مقومات هوية الأمة ؟ بل كيف يتجرأ هذا البعض على المحاولة ؟ لا شيء يفسر ذلك غير خدمة مأجورة لأجندات أجنبية ، أضحت واضحة للعيان في المشرق والمغارب . وبالنسبة للغرب ، مازال هناك من لا يكل من التخطيط لزعزعة استقرار الشعوب والنيل من وحدتها وعرقلة مشاريعها الوطنية التنموية التي تنجز باستقلالية وفي ظل الديمقراطية ، والمغرب مستهدف أكثر من غيره في هذه المخططات . ولا يجد مهندسو هذه المخططات في الوقت الراهن ، كأدوات للتنفيذ ، غير القوى المغرقة في الظلامية .

أليست مواقف أوساط في الغرب دعمت علانية تيارات الإسلام السياسي خلال " الربيع العربي " ضد التيارات الديموقراطية الحداثية ، كافية للتدليل على ذلك ؟ لكن الغرب ليس غربا واحدا ، والعولمة بقدر ما وفرت من إمكانات جديدة للغرب المتطور لتوسيع مصالحه المادية ، بقدر ما وفرت من امكانات للدول النامية أو السائرة في طريق النمو ، للاستفادة منها في تحقيق مشاريعها التنموية إن أحسنت استثمارها . والمغرب على هذا الدرب يسير ، وفي الوقت ذاته يظل حازما صارما في مواجهة أي محاولة للنيل من وحدته وسيادته واستقلالية قراره ، أو زعزعة استقراره ، ولنا ، وللجميع ، في حزم المغرب في الدفاع عن وحدته الترابية وسيادته الوطنية الدرس البليغ. وعودا على بدء ، إن كانت الثقة قوية راسخة في مقومات هوية وسيادة الأمة المغربية ، فإن الحذر لازم ، واليقظة واجبة .