بعد عام من توليه العرش حصد العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز وسام الجمهورية التركي، وقلادة النيل المصرية، وشهادة دكتوراه فخرية من جامعة القاهرة، وعقد أربع قمم مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وثلاث أخرى مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وأسس تحالفين احدهما عربي والثاني إسلامي، وتزعم أضخم مناورات عسكرية في تاريخ المنطقة (رعد الشمال)، واستعاد سيادة بلاده على جزيرتي “صنافير” و”تيران”، في مدخل خليج العقبة، وأرسل طائرات “عاصفة الحزم” لخوض حرب مفتوحة النهايات في اليمن، وأربع طائرات أخرى الى قاعدة “انجرليك” التركية الجوية للمشاركة في الحرب ضد “الدولة الإسلامية”، وربما محاولة إسقاط النظام السوري لاحقا، إذا سارت الرياح وفق أشرعة السفن السعودية.

هجمة دبلوماسية سعودية أخذت الملك سلمان إلى القاهرة، ومنها إى أنقرة، بينما طار نجله ولي ولي العهد، وخليفته القادم إلى العاصمة الأردنية عمان، ومنها إلى إمارة أبو ظبي، وحظي في العاصمتين باستقبال الملوك، حتى ان العاهل الاردني الذي كان في استقباله في مدينة العقبة كسر البروتوكول الرسمي واصدر بيانا رسميا في ختام الزيارة.

ما الذي يحصل.. ولماذا هذه الهجمة، وهل هي مؤشر عن حالة خوف، او علامة قوة؟ وما الذي يمكن استقراؤه من كل هذه التحركات، وفي مثل هذا التوقيت، من قبل دولة معروفة بتثاقل حركتها، وعمق تأنيها، وفي منطقة من أكثر مناطق العالم التهابا؟

***
تطوران رئيسيان يقفان خلف هذه “الهجمة” السعودية، الأول: محاولة تشكيل “تحالف سني” في مواجهة الخطر الإيراني يرتكز على مثلث سعودي تركي مصري، والثاني: الانسحاب الأمريكي المتدرج من منطقة الشرق الأوسط سياسيا وعسكريا، والتخلي عن الحليف السعودي الذي كان محور ارتكاز الإستراتيجية الأمريكية وحروبها في المنطقة على مدى ثمانية عقود.

المال هو الاسمنت الذي من المفترض أن يؤدي إلى ترتيب أضلاع هذا التحالف وتمتينها، فصاحب القرار السعودي يملك الكثير منه للإنفاق على تحالفاته الخارجية، ومستعد لبيع كل ممتلكات الدولة الأساسية وأصولها، بما فيها نسبة من شركة “ارامكو”، ورهن الاحتياطات النفطية، أو بيع جزء منها لتمويل التوجه الاستراتيجي الجديد، وحروبه المقبلة.

صحيح أن ضلعين من المثلت باتا جاهزين (تركيا والسعودية)، ولكن الضلع الثالث (مصر) يجري العمل لتجهيزه حاليا، من خلال وساطة سعودية للتقريب بين القاهرة وأنقرة، والمسألة ربما مسألة وقت، والعقبة، أي “الإخوان المسلمين”، ليست ضخمة بحيث تعرقل الطموح الإقليمي الأكبر، إذا نظرنا إلى تراجعات أردوغان الأخيرة تجاه إسرائيل والعراق، ومن غير المستبعد أن نرى حلولا لها في المستقبل المنظور، فمصر باتت “جزيرة” سعودية ثالثة بعد جزيرتي “صنافير” و”تيران”، وقرارها بات حاليا في الرياض، أكثر مما هو في القاهرة، اللهم إلا إذا حدثت مفاجأة، أو معجزة، تنسف كل المسار الحالي.

إسرائيل ليست هدفا في كل ما يجري من التحركات السعودية، وحروبها الحالية والمستقبلية، ولا يعلم بالغيب والسرائر إلا العلي القدير، والهدف حتما هو إيران، وأبناء الطائفة الشيعية الذي يرتبطون بمشروعها، حسب الأدبيات السعودية، ولذلك لم يكن مفاجئا أن يطرح السيد عادل الجبير وزير الخارجية السعودي أن بلاده ملتزمة باتفاق السلام الموقع بين مصر وإسرائيل (كامب ديفيد)، وكل ما يترتب عليه من التزامات، وتأكيد تسريبات صحافية إسرائيلية بان بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء على علم بالاتفاق السعودي المصري حول الجزر، وباركه بالكامل، بعد أن حصل على موافقة المجلس الوزاري المصغر الذي ناقش.

القيادة السعودية الحالية تطرح عقيدة سياسية إستراتيجية جديدة، وتجند الحلفاء خلفها، وهي “القومية السنية” كبديل للقومية العربية، والأممية الإسلامية، التي كانت تتبناها السعودية على مدى ثمانين عاما، وبما يؤدي إلى استثناء الشيعة بالكامل، وإسقاط الهويتين العربية والإسلامية عنهم، وتحويلهم إلى معسكر الأعداء الذي تتزعمه إيران، بغض النظر عن قبولهم لهذا التصنيف من عدمه.

العاهل الأردني عبد الله الثاني تحدث إلى أعضاء الكونغرس الامريكي قبل شهرين عن حرب “عالمية ثالثة” في طريقها إلى المنطقة، ولا نستبعد أن تكون التحضيرات الحالية التي تقودها السعودية وعاهلها، تصب في هذا الاتجاه، وعلينا أن نضع في اعتبارنا أن العاهل الأردني هو أول من تحدث عن خطر “الهلال الشيعي” قبل عشر سنوات تقريبا، وها هو هذا الهلال يتجسد أمامنا في الانقسام الطائفي الذي ينعكس بكل وضوح في الحربين السورية واليمنية، والقادمة في العراق، وغير المباشرة في لبنان، ولم يكن من قبيل الصدفة أن يحذر البيان الختامي الذي صدر عن زيارة ملك السعودية المقبل الأمير محمد بن سلمان للأردن، ولقائه مع العاهل الأردني، إيران من التدخلات في شؤون دول المنطقة وإشعال الفتن الطائفية فيها.

***

نظريا.. وعلى الورق.. تبدو “الطبخة” السنية السعودية على وشك النضوج، ومكوناتها مغرية، وبهاراتها الإعلامية والمالية تثير لعاب الكثيرين في المنطقة، وربما بعض دول العالم الإسلامي، وأي معارضة لها، أو التشكيك فيها، أو التحذير من احتمالات احتراقها، وإعطائها نتائج سلبية ممنوعة، ومن يخرج عن النص المكتوب سيواجه بـ”حزم”، وربما تفيد الإشارة في هذا المضمار وبعجالة شديدة، الى ان كاتبين سعوديين من عليه القوم، ومن ابرز العقول الاقتصادية، اجبر الأول (عصام الزامل) على مسح ثلاث تغريدات على “التويتر”، اعترض فيها على بيع “ارامكو” اسمها في الأسواق المحلية والعالمية وتأسيس صندوق سيادي بترليوني دولار في غضون ساعات معدودة، بينما سحب الثاني (برجس البرجس) مقالا له ينتقد السياسة الاقتصادية السعودية وخصخصة أصول الدولة نشره في صحيفة “الوطن” السعودية من الطبعة الالكترونية.

في مقال سابق قلنا إن القيادة السعودية تعرف متى تضرب ضربتها في الوقت المناسب، بالإشارة إلى استعادتها الجزيرتين المذكورتين من خلال الاتفاق الأخير في مصر، مستغلة أوضاع مصر الاقتصادية المتدهورة، ونضيف هنا بعدا جديدا، وهو إنها لم تطالب مطلقا بهاتين الجزيرتين عندما كانتا تحت الاحتلال الإسرائيلي لأكثر من 12 عاما، ولم تلمح مطلقا بسيادتها عليهما، لتجنب أي صدام مع دولة الاحتلال الإسرائيلي ولكن بعد استعادتهما عبر اتفاقات كامب ديفيد ضمن شبه صحراء سيناء، تغير الأمر، وبدأت تظهر الوثائق المرفوقة بضغوط كبيرة، واستعدادات مصرية لصفقة “التنازل” مقابل ثمن مالي ضخم.

حرب حزيران (يونيو) 1967 اندلعت بسبب جزيرتي “تيران” و”صنافير”، وقرار الرئيس الراحل جمال عبد الناصر إغلاق مضيقهما في وجه السفن الإسرائيلية، ولكننا لا نعتقد أن الحرب العالمية الثالثة ستشتعل بسببهما، بل ربما ما قد يحدث هو العكس تماما، أي أن تتحول الجزيرتان إلى جسر لتطبيع مقبل بين “القومية” السنية السعودية و”القومية اليهودية” في مواجهة “القومية الشيعية الفارسية، وليس هناك أي شيء مستبعد في هذا الزمن العربي الرديء، ونأمل ان لا تصدق توقعاتنا هذه المرة.