اعتبر صبري الحو، المحامي بمكناس و"الخبير في القانون الدولي والهجرة ونزاع الصحراء"، أن المقاربة السياسية الحالية في ملف الصحراء، هي نتاج التقدم الذي حققه مجلس الأمن في إدارته وإشرافه على الملف مع الأطراف وبموافقتها، منذ أن وضعت الأمم المتحدة يدها على ملف القضية سنة 1991.

و استطرد الخبير في القانون الدولي صبري قائلاً، إن سنة 2007، شهدت تبني مجلس الأمن الدولي للإطار الحالي والقائم على المفاوضات المباشرة مع الأطراف، وصادق على توجيه التوصل إلى حل سياسي يتوافق عليه الطرفان، المغرب والبولساريو ويقبلانه ويرضون به، ومن أجل ذلك تقدم المغرب بمبادرة الحكم الذاتي، بينما البوليساريو تقدمت بمبادرة من أجل الاستفتاء.
وأردف الخبير الدولي، خلال ندوة وطنية حول "الصحراء والأمن الإقليمي"، على هامش المهرجان الدولي بمرزوكة في الرشيدية، في نسخته الرابعة، حول التسامح والسلام،  قائلا، أن التقدير الذي حازته مبادرة المغرب بالحكم الذاتي بوصفها وإصباغها بذات المصداقية والواقعية، وكونها تتسم بمميزات حل سياسي، جعلهم البوليساريو والجزائر ومن يدور في فلكهما من منظمات دولية، ودول ومؤسسات، وفقهاء يتجندون من أجل نزع ذلك الوصف عن المبادرة المغربية ووأدها وأفولها، عن طريق اعتماد مبدأ وقاعدة الجمود في المفاوضات لإظهار فشل الاطار المحدد سنة 2008، خاصة بعد تنبيه مجلس الأمن لسنة 2014، بالتعجيل للوصول لحل.

الصحراء

وأوضح الحو أن التحديات الجديدة في ملف الصحراء، والمتعلقة أساسا بالتصريحات الإعتباطية للأمين العام بان كي مون، بوصف السيادة المغربية " بالاحتلال"، وسابق ادعاء مجموعات برلمانية أو منظمات دولية أو آليات دولية بانتهاك حقوق الانسان في الصحراء، والمطالبات بتوسيع مهام المينورسو لتطال مراقبتها، والادعاءات المرتبطة باستنزاف الموارد الطبيعية في الصحراء، أومطالبات مجموعة من البرلمانات من حكومتها الاعتراف بالبوليساريو كدولة، وحكم المحكمة الأوروبية بالغاء الاتفاق الزراعي، وحكم المحكمة الوطنية الاسبانية باصدار مذكرة بحث ضد مسؤولين سابقين في الادارة المغربية، أو قرار الاتحاد الفدرالي السويسري بقبول البوليساريو كطرف في معاهدة 1949، المتعلقة بوضع الأسرى في حالة الحرب، أو مناولة الاعلام الغربي للجدار الدفاعي المغرب ووصفه بالفاصل، ومحاولة الاتحاد الأفريقي العودة في الملف، وغيرها من الاكراهات الجديدة لها، إنما تهدف إلى محاولة تسجيل انحراف في المقاربة السياسية التي يشرف عليها مجلس الأمن، ومحاولة التراجع عنها لطرح حل جديد يكون للمينورسو دور في تطبيقه أو السهر على تنفيذه، ضدا على ارادة وحقوق المغرب، ولهذا شرع المغرب في تقليم جزء سياسي ومدني لا يتطابق وجوده مع ما انحصر عليه اختصاصها في وقف اطلاق النار( تقرير ٦١٩، وتاريخ ١٩ اكتوبر 2008).

الصحراء

وقال الخبير إن المغرب أدرك خطورة تلك المناورات وما تهدف إليه لتجاوز مبادرته بالحكم الذاتي، وتفطن أنه باستطاعته صناعة الحل النهائي نفسه على الأرض، و يملك مفاتيح إدراكه، وتنفيذه، و أن الأمانة العامة للأمم المتحدة وبعثة المينورسو أصبحتا جزءا من المشكلة وليست وسيلة لتسهيل وإدراك الحل. كما أن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ومبعوثه الشخصي كريستوفر روس يتبدلان الأدوار في مسرحية باتت مكشوفة للعلن ومعروفة لدى الجميع. شعارها، يقول بان كي مون، "أنا ذاهب لا محالة بقوة مقتضيات ميثاق الأمم المتحدة، لكن سيظل مبعوثي الشخصي ماسكا بالملف، و مبعوث شخصي لمن يأتي بعدي، فهو الملم بالملف والقادر على قمع المغرب لاستصدار تنازلات، وضمان تفوق البوليساريو، ضدا على الحق، "، لأن هذا همه الوحيد.
وفي الأخير خلص الخبير صبري الحو في مداخلته إلى القول، أن الإكراهات الجديدة في علاقة بنزاع الصحراء، تستعمل قواعد القانون الدولي لحقوق الانسان استعمالا اعتباطيا وتأويلا مغلوطا، وإن المركز القانوني المغربي متفوق وحججه ودفوهاته مرجحة، وأن المغرب تمكن من اجراء شرخ داخل مجلس الأمن، ويرجو أن يستمر حتى المصادقة على القرار، درءا لحصول مفاجئات قد تحدث منعطفا خطيراً في تدبير الملف، بحيث قد تسلب فيه ارادة الأطراف وحلول مجلس الأمن محلهم في فرض صيغة لحل، بدعوى أن النزاع عمر طويلا، ويشكل خطرا على الأمن والسلم العالميين، وهو موضوع الاجماع المغربي بالرفض.

الصحراء
ومهما يكن من أمر، يقول صبري، فإن تصريحات بان كي مون الأخيرة، ستكون لها، ولا شك تداعيات كبيرة على العملية السياسية، وقد تحدث وتتسبب في الحرب والعنف على انقاضها. لأن المغرب ساع في فرض إعادة رسم التعريف والوصف لشرعية تواجده في الصحراء، أو على استصدار إعادة التأكيد على سابق الوصف الذي دأب على ادراجه مجلس في قراراته بخصوص الطابع النهائي للاقليم، وعدم تجاوزها. والبوليساريو تهدد باستئناف الحرب في حالة عدم عودة كافة مكونات المينورسو، فذاك تهديد لوساطة الأمم المتحدة من أصلها.
و في الأخير خلص الخبير صبري، أن الأزمات الأخيرة كشفت حاجة المغرب الماسة إلى الاشتغال والاهتمام أكثر بميدان القانون الدولي، ليواكب العملية السياسية، ويشكل المساندة والعضد للمبادرة الوطنية بالحكم الذاتي في ابراز مطابقتها لقواعده، و التعريف بما توفره الجهوية المتقدمة من ضمان للحريات والحقوق، باعتبارها المعبر إلى الحكم الذاتي في أقاليم الصحراء، بعد قبول شرط التفاوض حوله لوضع حد نهائي للنزاع.

من جانبه ميز الدكتور عبد الفتاح الفاتيحي، الباحث بفي قضايا الساحل والصحراء في مداخلته التي جاءت تحت عنوان: "قضية الصحراء والمخاطر الأمنية في منطقة الساحل والصحراء قراءة في المقاربة المغربية والجزائر" (ميز) بين امتداد الرؤية المغربية لتدبير المخاطر الأمنية في إفريقيا، والتي وصفها بأنها وليدة التجربة والتراكم بحسب سيرورة التفاعل السياسي مع المجتمعات الصحراوية من بلاد شنقيط إلى السودان.

الصحراء
وأسند رأيه هذا بأن الأمة المغربية كانت ومنذ أمد بعيد جزء محوريا في العمل على تحقيق الأمن والاستقرار في إفريقيا، وأن هذا الدور كانت جزء أساسيا في التعاون المغربي مع الأفارقة، حيث واكب التعاون معهم على تأمين القوافل التجارية، وعضد ذلك بنشر الدين الإسلامي في إفريقيا وبناء أنساء مجتمعية تجعل من روح الاعتدال الاسلامي مدخلا للإنخراط في مجتمعات قادرة على تأمين مصالحها.
وأوضح المتدخل بأن المملكة المغربية ومن منطلق أنها دولة ممتدة تمكنت من اختبار الكثير من المقاربات الناضجة على موقد التجريب العملي والسياسي بالنظر إلى سيرورة الملوك والقبائل التي تعاقبت على حكم المغرب. وأن التفاعلات السياسية والاجتماعية لهذه التراكمات كانت تؤكد دوما بأن روابط المغرب بإفريقية حتمية،وأن الجيواستراتيجية المغربية قديمة بقدم قيام الحكم.
وذهب الفاتحي إلى أن غاية الأمن الإقليمي للمغرب كانت جزء أساسا للبناء الحضاري ذلك أن المغرب بنى أولى علاقاته التفاعلية مع إفريقيا بناء على المقوم التجاري والديني لأن المناخ الاقتصاديفي العلاقات التجارية لم يكن ليستقيم بدون عقود ولأن أوثق العقود كانت هي ضمان مبدأ رابح - رابح وأن استمرار الاستقرار ومحاربة النهب وبناء المؤسسات أمر ساعدت عليه المؤسسات الدينية حينها عبر الزوايا الصوفية.
واستنتج الخبير في قضايا الساحل والصحراء أن مأسسةالإطار الديني وحدت مذهب افريقيا وطريقتها، بأن كان المضمون إسلاما مالكيا سنيا معتدلا، استوعب الاختلافات الإثنية والنزعات القبلية فقرب بين القبائل الإفريقية لتنتظم في مجتمعات ودول.
وأضاف الفاتحي أن مأسسة العلاقة بين الملوك المغاربة وإفريقية تعمقت بمبدأ البيعة الدينية والروحية لإمارة المؤمنين،وتواصلت أمرا موروثا إلى اليوم، حيث الحاكمية الروحية لأمير المؤمنين والتدبير السياسي محلي شرط عدم مخالفته لأصيل الشرعالديني.
أوضح في سياق آخر أن واقع امارة المؤمنين والبيعة بنت علاقة موسومة بالضرورة بين الملوك المغاربة وتأمين عيش الأفارقة، ولذلك كثيرا ما ارتهن ملوك المغرب عبر هذه الجدلية، ولذلك فإن الإنفتاحالجيوسياسي على افريقيا يتجاوز المجال الجغرافي إلى جيواستراتيجية حتمية قائمة على إسناد مواطنين أفارقة ملتزمون بمبدأ البيعة لأمير المؤمنين إلى حدود اليوم.
وعن المقاربة الجزائرية أكد الفاتحي بأن الجزائر وبحكم أنها دولة مستحدثة، لم يكن بمقدورها أن تجاري الدفوعات المغربية التاريخية، الأمر جعلها تنتصر لمبادئ العصر الجديد وقررت مصارعة المغرب عبر الهيئات الأممية من مدخل دفاعها عن المبادئ التحررية والقيم الإنسانية التي شكلت فلسفة المجتمعات الاشتراكية التي كانت تتوخى استحداث الكثير من الدويلات مادامت تعلن رغبة في تقرير المصير، وهي إحدى المبادئ التي بررت بها الكثير من النزاعات الترابية خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، ولا تزال الجزال تجد فيها دليلا على معاكسة الوحدة الترابية للمملكة المغربية
وأضاف الباحث المتخصص في الشؤون المغاربية أن الجزائر ظلت تعتقد أن استمراريتها كدولة أمر صعب بجوار دولة ذات تاريخ ممتد للمملكة المغربية، ولذلك ظلت تنكر كل ما هو تاريخي لصالح منطق ما بعد الحرب العالمية الثانية والتي اقرته القوى الاستعمارية ومنها الإبقاء على الخرائط المورثة عن الاستعمار، وهو ما جعل الجزائر بمساحة جغرافية كبيرة مستفيدة من السعي الفرنسي إلى جعلها ولاية تابعة لها.
وخلص الباحث إلى ان المملكة المغرب إذ تقدم استراتيجية لدعم الأمن الإقليمي في المنطقة عبر مبدأ تعاون جنوب - جنوب، وقد شرع في تفعيل مضامين هذه الخطة مع الدول الإفريقية الصديقة، فإن الجزائر المفتقدة لأي تصور أو مقترح غير الاعتراض والتشويش على كل ما من شأنه النهوض بالواقع الأمني في إفريقيا، ولذلك تحرص اليوم على عدم التعاون مع المغرب في قضايا الأمن ومحاربة الإرهاب.

من جهته أكد الدكتور عبد الفتاح البلعمشي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاضي عياض بمراكش، في مداخلته "تحديات نزاع الصحراء على دول الجوار" في ندوة الصحراء والأمن الإقليمي بإفريقيا بأن قضية الصحراء ولئن يحقق لها المغرب أمنها واستقرارها وطمأنينة شعبها، إلا أنها تبقى تحديا أمنيا، بفعل مساعي انفصالي للأسف تغذيه منظمة معنية بالأمن والسلم الدوليين.
وإذ يؤكد الأستاذ بجامعة القاضي عياض على أهمية حماية المنطقة من كل ما يهددها فإنه يرى بأن المغرب يبقى قويا بمواقفه الثابثة بخصوص قضية الحل للنزاع بشكل تكاملي، فهو أمن واقع السيادي على الأقاليم الجنوبية من خلال العملية التنموية التي رقيت عقب الإعلان عن نسخ مقاربة تنموية جديدة "المخطط التنموي الجديد" للبرنامج التنموي ل 1975 والذي خلف ممارسات ريعية بالامكان تجاوزها بنيويا حسب تعبيره.

وأضاف المتحدث إن سياق التفاعلات الراهنة حول قضية الصحراء يفرض على المغرب العمل أكثر ضمن دائرة الفضاء الإقليمي، ذلك لأن له امكانيات اقتصادية وسياسية قادرة على تحقيق نجاحات بفعل خسائر الجزائر على مستوى السياسة الداخلية والخارجية والأزمات الاجتماعية والاقتصادية المتغلغلة بتراجع العائدات النفطية.

وأضاف الأستاذ الباحث بأن تأمين أمن واستقرار الجوار المغاربي مهم اليوم لتقوية الموقف التفاوضي المغربي في نزاع الصحراء، سيما أن العلاقات العميقة بين المغرب وموريتانيا يجب أن تستوعب مواقف سياسية قوية لصالح الموقف المغربي، واستغرب الباحث: لماذا لا نعمل بشكل جدي على ضمان تحالف موريتانيا مادامت تشكل أساس نجاح الجيواستراتيجية المغربية على العمق الإفريقي.

وأكد عبد الفتاح البلعمشي أن الدور الموريتاني استراتيجي في قضية الصحراء، بل إنه يعادل الموقف الجزائري، وقال: لنا امكانيات، ولأن رؤيتنا مع موريتانيا تتقاطع في الكثير من القضايا، أكثر بكثير من تقاطعاتها مع الجزائر، فضلا عن روابط جد موضوعية معها وكذا توافق الرؤية السياسية لهذا البلد مع التحالف العربي والدولي، خلافا لمواقف الجزائر، كل هذا يعزز امكانية ضمان الموقف الموريتاني للمغرب، بدافع تعزيز التحالفات السياسية والاقتصادية الميتة في المنطقة، والتي لن تجد ترجمة كلها إلا مع المملكة المغربية.
وأوصى المتحدث أن قضية الصحراء يجب أن تبقى خاضعة لمنطق حسابات سياسية ضيقية وأحادية بل إن واقع الحال اليوم يقتضي مساركة كافة الفعاليات الوطنية، عبر استراتيجية وطنية للدبلوماسية الموازية مؤسساتيا لها رؤية وأهداف مدققة الوسائل، مع العمل على ترقية أساليب عملها لتحقيق نتائج مرضية.

ونبه الأستاذ إلى أن المملكة المغربية اليوم تعيش تطورا دبلوماسية جديدا بحيث لم تعد دبلوماسية رد فعل ودفاع فحسب ولكنها دبلوماسية صارمة تجسدت في رفض استضافة القمة العربية وتعليق الاتصالات مع الاتحاد الأوربي والرد الصارم والقوي على تصريحات بان كيمون وبتوجه جلالة الملك إلى روسيا وهو منطق جديد في تعداد شركاء المملكة المغربية.
وأوضح المتحدث في هذا السياق بأن تقرير الأمين العام الأخير يعد حلقة مفصلية في نزاع الصحراء بل إنه اختبار لتكتيك الدبلوماسية المغربية في تعزيز سيادتها على أقاليم الجنوبية بعد اصلاحات سياسية وانتخابات ديموقراطية أفرزت تمثيلية صحراوية، لم يراع كيمون حقها في التعبير عن اعتزازها بالوحدة المغربية ولا بمسيراتها الاحتجاجية الرافض لمنطقه الاستفزازي.