"من يريد حقيقة المغاربة، فليفطر علنا في رمضان". هذا الكلام ورد على لسان وزير العدل والحريات مصطفى الرميد في شهر يوليوز سنة 2015، وذلك في سياق النقاش الذي رافق الإفراج عن مسودة القانون الجنائي. وقتها مر هذا الكلام مرور الكرام. ربما لأن المغاربة لم يلتقطوا خطر هذه الكلمات، أو أن أكثرهم يتفقون بشكل أو بآخر مع مضامين هذا الكلام.
ظاهر القول في ما نطق به الوزير يعبر عن واقع نعرفه جميعا، لكننا مطالبون بتغييره وتصحيحه، لا بالثناء عليه وحمايته واحتضانه. لأن الرد على معارضي مسودة القانون الجنائي بهذا الأسلوب يحمل في العمق تحريضا على العنف ودعوة صريحة إلى انتهاك الحريات الفردية بدعوى الخصوصية التي تحرسها العادات والتقاليد و يفرضها الوازع الديني بالخصوص. والعودة إلى التذكير بكلام الوزير في هذا الوقت أملته مجموعة من الوقائع التي عرفتها بلادنا خلال الأيام والأسابيع الأخيرة، حيث عاد من يعتبرون أنفسهم "حراسا" على قيم المغاربة إلى الظهور من جديد في أكثر من مناسبة، وبشكل أصبح ينذر بالخطر، ويستوجب التدخل العاجل قبل استفحال الأمر.
أخطر هذه الوقائع هي تلك التي حدثت بتاريخ 09 مارس الماضي في مدينة بني ملال، عندما أقدم عدد من الشبان على الهجوم على شخصين متهمين بالمثلية الجنسية من داخل أحد المنازل وتعنيفهما قبل إخراجهما إلى الشارع العام. الواقعة تحولت إلى قضية رأي عام في بني ملال، وتجاوزت حدود المغرب أيضا. وإذا كان القانون المغربي يجرم المثلية بموجب المادة 489 من قانون العقوبات الذي تنص على أن: " كل مجامعة عل خلاف الطبيعة يعاقب عليها بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات"، فإن ما حدث للشابين لا يمكن السكوت عليه أو تبريره تحت أي مسمى من المسميات. إذ لا أحد يمتلك الحق في فرض إرادته بالقوة أو أن ينصب نفسه وصيا على الناس ومدافعا عن الأخلاق بهذه الطريقة، لأن هذا السلوك في حد ذاته يعد تجاوزا للقانون وانتهاكا لحقوق الإنسان. وإذا لم تعمد السلطات القضائية إلى إعمال القانون والتعامل بالصرامة اللازمة مع هذا الملف ومعاقبة المعتدين، فإن مثل هذه الممارسات ستتكرر في المستقبل. وقد تتخذ أبعادا أكثر خطورة، خصوصا وأن محاكمة المتورطين في الإعتداء على الشابين عرفت تجمهرا لبعض المتعاطفين مع المعتدين، وهم يطالبون المحكمة بالإفراج عنهم ومعاقبة الشابين المتهمين بالمثلية. وهذا يعني أن هؤلاء لا يجدون أية مشكلة في ما أقدم عليه المعتدون، بل يعتبرون ذلك سلوكا عاديا يرتبط بقيمهم وأخلاقهم. وهم بذلك لن يتوانوا عن التدخل بعنف ضد كل من يرون في سلوكه مسا ب"الحياء العام" واستفزازا لمشاعرهم واعتداء على قواعد حشمتهم.
ما قاله الرميد قبل سنة إذن ترجم في واقعة الإعتداء على الشابين في بني ملال إلى سلوك عملي. وإن اختلف المقام، لكن الدلالة تظل واحدة. فوزير العدل والحريات يحتمي بالخصوصية ويجيش المغاربة ضد المطالب الحقوقية التي تدعو إلى ضرورة سن قوانين تنسجم مع المقتضيات الدولية لحقوق الإنسان التي تعتبر الحريات الفردية أسها الأول. وهو يفعل ذلك من خلال الإستناد إلى مرجعية معادية للحريات بالمعنى الحقوقي الكوني. وهي مرجعية تجد أصداءها في الشارع العام للأسف.وعندما يتم الإحتكام إلى الشارع في القضايا المرتبطة بالقيم الإجتماعية على أساس صراع الأغلبية والأقلية، تكون النتيجة الحتمية هي تنامي مظاهر وخرجات هيئات " النهي عن المنكر" التي تهدد حريات الأفراد، وتحاول أن تصنع مجتمعا على مقاس واحد تحت مسمى: صيانة وحماية أخلاق المجتمع، وذلك في تحد واضح للقانون.لذلك كان حريا بالسيد الوزير الذي يفترض فيه أن يكون حارسا للقانون ومدافعا عن دولة المؤسسات أن لا يتحدث بالطريقة إياها، لأنها بمثابة تشجيع على مثل هذا السلوك الذي تكرر في مواقف مختلفة وفي مناطق متعددة (قضية " الصاية" في إنزكان - الإعتداء على مثلي فاس- الهجوم على امرأة في بيتها بتهمة الشعوذة في سلا...). وهذا يعني أن هذه الأحداثلم تعد مجرد سلوكات منعزلة، بل بدأت تتخذ أشكالا منظمة تنذر بتهديد أمن المغاربة ومصادرة حرياتهم على طريقة "السيبة"، لأن الأمر وصل الآن إلى حد اقتحام البيوت والإعتداء على خصوصيات مواطنين مغاربة باسم القيم ومحاربة الإنحلال الأخلاقي وغيرها من الشعارات.
إن الخطر الحقيقي الذي ينبغي التصدي له هو هذا السعي الذي يبديه هؤلاء الذين ينصبون أنفسهم أوصياء على إيمان الناس وأخلاقهم إلى مصادرة الحريات عن طريق التهديد والعنف. وهنا يستعمل الدين وسيلة للتخويف والترهيب. وأكثر ما يهدد الحريات هوالتوظيف السياسي للدين، لأن من شأن ردود الفعل الانفعالية التي تحاول باستمرار أن تبدو بمظهر الدفاع عن القيم الدينية وصيانتها، وتطلق نيرانها على كل رأي أو موقف مخالف، من شأنها إذن أن تغيب العقل والقانون، وتفسح المجال لتنامي تفكير التكفير الذي يتحين الفرص ليطل بوجهه في كل مناسبة. وفي ثقافة مقيدة بالطابوهات يصبح كل موقف أو سلوك يؤمنبالحداثة والحرية أو يتأسس على المرجعيات الكونية لحقوق الإنسان معرضا للرفض والنفي باسم الدين طبعا.
من المؤكد أن سؤال الحرية لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق الثقافي العام المؤسس للعلاقات الاجتماعية. والدعوة إلى احترام الحريات لا يعني إسقاط كل الحواجز. إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نتحدث عن حرية مطلقة بدون ضوابط منظمة لها. لذلك فإن أي نقاش عقلاني حول الحريات لا يمكن أن يؤتي ثماره إلا في سياق قانوني واضح يتأطر ضمن جدلية الحقوق والواجبات بالشكل الذي تفرضه المواثيق الدولية من جهة والمقتضيات الهوياتية الخاصة بالمجتمع من جهة ثانية دون وصاية أو إكراه حتى لا نغرق في أوحال "السيبة".