شارك كل من قاضي الرأي المعزول محمد الهيني، والقاضي عبد اللطيف الشنتوف رئيس "نادي قضاة المغرب"، في مؤتمر نظمه "المرصد المدني لاستقلال القضاء وشفافيته والمفكرة القانونية"، في لبنان يومي، 20 و31 من شهر مارس المنصرم.

واستعرض الشنتوف والهيني، خلال هذا المؤتمر تجربة "نادي قضاة المغرب"، ومختلف المحطات التي أسهم فيها من أجل بلوغ اسقلالية حقيقية للقضاء، وذلك عن طريق عرض بعنوان :”نادي قضاة المغرب ومعركة الدفاع عن استقلال القضاء بالمغرب الحصيلة والآفاق".

يشار إلى أن المؤتمر المذكور نُظم ببيروت تحت عنوان "أعمال المرصد المدني لاستقلال القضاء وشفافيّته (2014 – 2015)"، حيث عرف حضور العديد من القضاة والمحامين والفقهاء والباحثين.

وفي ما يلي نص المداخلة :

نادي قضاة المغرب هو جمعية مهنية قضائية أسست وفقا للفصل 111 من الدستور المغربي الذي أقر لأول مرة في تاريخ المغرب حق القضاة في التنظيم وتأسيس جمعيات، وقد خلقت منذ إنشائها مناخا جيدا ومحفزا للإبداع والاجتهاد داخل الوسط القضائي، إذ أن الضغط و الرقابة غالبا ما يولدان الجمود والتقليد، على خلاف الحرية والانفتاح فهما عاملان أساسيان للتحفيز على تطوير الفكر.

أولا :لماذا تأسيس نادي قضاة المغرب؟

• عدم وجود تعدد جمعوي بحيث كانت هناك جمعية وحيدة يلزم جميع القضاة بالانخراط فيها، ولم تكن لهم الحرية في الاشتغال بها أو المشاركة في أجهزتها التي كانت تضع شروطا تعجيزية للأقدمية لتحمل مسؤولية تسييرها.

• طغيان الوصاية والحجر على حرية القضاة في التفكير و التعبير، وكان القانون والممارسة يحتمان على القاضي الحصول على إذن من وزير العدل من أجل نشر مقال أو مشاركة في يوم دراسي أو ندوة.

• لم يكن القضاة يستشارون في شؤونهم المهنية أو في القوانين المؤطرة لمهنتهم رغم أن القضاء شأن مجتمعي ،بحيث كان القاضي هو آلة لإنتاج الأحكام في دائرة مغلقة إسمها المحكمة .

• التعسف على بعض القضاة في منظومة التعيين والتقييم والترقية والتّأديب وشبه غياب للحكامة في تسيير المرفق القضائي من طرف وزارة العدل المهيمنة على الشأن المهني للقضاة والمحاكم .

• عدم وجود رقابة على أعمال المجلس الأعلى للقضاء الذي يرأسه وزيرالعدل، بحيث كانت السرية تطبع أعماله، وكان هناك نقص واضح في الشفافية والموضوعية، وتكافؤ الفرص.

• الجمعية أعادت الاعتبار لكرامة القضاة،وجعلتهم مركز الإصلاح القضائي النابع منهم وإليهم، لدورهم الريادي في حماية الحقوق والحريات باعتبار أن القضاء المستقل هو حجز الزاوية في بناء الدولة الديمقراطية.

• عدم وضع الجمعية أي شرط بخصوص السن أو الأقدمية في وجه القضاة تدعيما لأسسها الديمقراطية, ومحاربة لمختلف أشكال الإقصاء والتمييز المقيتة التي عانى منها القضاة الشباب لعقود خلت.

• الجمعية جعلت من أهدافها الدفاع عن استقلال السلطة القضائية، وإذكاء روح التضامن والإخاء وحماية الحقوق والحريات ليس للقضاة فحسب بل للمواطنين جميعا، مما جعلها تزاوج بين الدور المهني والدور الحقوقي ،وهو ما تعكسه مطالبها بحيث كانت سباقة للمطالبة بسحب العقوبات الحبسية من مشروع قانون الصحافة وأنسنة السجون وبترسيخ أسس المحاكمة العادلة وصون حقوق الدفاع، فمطالبها أحدثت ثورة حقيقية في الفكر القضائي النضالي .

• انفتاح الجمعية على محطيها المهني والحقوقي وعلى مختلف وسائل الاعلام،خلق مناخا للثقة في القضاة والعمل القضائي مما ساهم في انحصار المنظور السلبي للعدالة، وفي تفهم مطالب القضاة ومواقفهم المنافحة عن استقلال السلطة القضائية .

ثانيا:أهداف ورش إصلاح العدالة

شكل خطاب جلالة الملكة في الذكرى 56 لثورة الملك والشعب 20/8/2009 بمثابة خريطة طريق لفتح ورش إصلاح القضاء حدد أهدافه في ستة أوراش أساسية وهي دعم ضمانات الاستقلالية، وتحديث المنظومة القانونية،وتأهيل الهياكل القضائية والإدارية، وتأهيل الموارد البشرية والرفع من النجاعة القضائية وأخيرا تخليق القضاء وتحصينه.

أعدت الهيئة العليا للحوار الوطني حول إصلاح العدالة ميثاقا لاصلاح العدالة لكنه تسربت إليه إخلالات منهجية وموضوعية وهي :
-الأخطاء الاستراتيجية على مستولى المنهجية والمضمون التي شابت قصور المقاربة التشاركية المعتمدة من طرف وزارة العدل في إطار الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة.

-الانسحاب حسب نادي قضاة المغرب من الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة وفق الصيغة التي تم اطلاقه بها من طرف وزارة العدل و الحريات كان مؤسسا على النواقص و العيوب المنهجية التي تم اعتمادها .

-التغييب القسري لأهم المكونات الحقوقية والمهنية من محامين وقضاة –نادي قضاة المغرب -وكتاب ضبط وعدول وموثقين وخبراء ،خاصة أمام التدافع الحاصل بين مختلف الأطياف في مسألة التنزيل السليم والديمقراطي لروح المقتضيات الدستورية المتعلقة بإستقلال السلطة القضائية.

-عرض مسودات أولية وتقليدانية من طرف وزارة العدل لمشاريع لا تعكس المنظور الدستوري للإصلاح القضائي.

-التضييق غير المسبوق الذي تعرض له قضاة الرأي و الذي وصل حد عزل و تأديب العديد منهم.

ثالثا:أشكال ترافع جمعية نادي قضاة المغرب

الاحتجاج لم يكن هدفا لذاته وإنما كان وسيلة للدفاع عن استقلالية السلطة القضائية وفقا للمرتكزات الدستورية والملكية والدولية ،وقد روعي في الاشكال الاحتجاجية عدم المس بحق المواطنين في التقاضي بحيث كانت تتم في أيام العطل او أنها كانت في بعض الأحيان تأخذ أشكال رمزية .

-الاحتجاج:الوقفة الأولى بمحكمة النقض 6/10/2012
-الوقفة الثانية :بالمعهد العالي للقضاء 10/2/2014
-الوقفة الثالثة :بمحكمة النقض 3/7/2015 احتجاجا على مشاريع الانتكاسة والردة الدستورية
-الاعتصام
-حمل الشارات بالمحاكم
-توقيع قضاة النادي عريضة للمطالبة باستقلالية النيابة العامة عن السلطة التنفيذية
-توقيع قضاة النادي عريضة رفض مشاريع قوانين السلطة القضائية كما عرضت على البرلمان
-مذكرات وبيانات النادي وأجهزته الوطنية والجهوية حول مشاريع السلطة القضائية والتعريف بالتراجعات
-توحيد جهود الجمعيات المهنية والمراصد المدنية لاستقلال القضاء في باب الترافع
-اجتماعات مع وزارة العدل لتوضيح مكامن الخلل والتراجعات
-عقد اجتماعات مع لجنة العدل والتشريع بالمجلسين للتعريف بمذكرة ترافع النادي
-مؤازرة قضاة الرأي المتابعين أمام المجلس الأعلى للسلطة القضائية وفضح الخروقات الماسة بقواعد المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع والمطالبة بتأجيل المحاكمات التأديبية إلى حين تأسيس المجلس لعدم المساس بحقهم في الطعن
-الندوات الصحفية
-الندوات العلمية
-المقالات والدراسات العلمية
-دور وسائل الإعلام في تتمين الترافع لفائدة استقلال السلطة القضائية

رابعا:دور نادي قضاة المغرب في مكافحة الفساد

• إعداد ميثاق أخلاقي لقضاة الجمعية
• إلزام أجهزة الجمعية ومنخرطيها بالتصريح الاجباري للممتلكات
• تعليق منشورات وملصقات بلغات مختلفة ضد الرشوة في المحاكم
• تنظيم ندوات حول تخليق مرفق العدالة
• حث القضاة على مقاطعة تعويضات الاشراف على الانتخابات لعدم شفافيتها ومنح تواصيل بشأنها ، ومراسلة المجلس الأعلى للحسابات للتحقق من كيفية صرف هذه الأموال العامة ،مما دفع الوزارة الوصية إلى مراجعة كيفية صرف هذه الأموال بشكل شفاف

خامسا:المجلس الدستوري يؤسس لمبادئ السلطة القضائية

إن قراري المجلس الدستوري الصادرين بتاريخ 15/3/2016 بشأن مراقبة دستورية قانوني السلطة القضائية شكلا خطوة هامة على درب تقوية دولة المؤسسات بما تتضمنه من سلطة قضائية حقيقية وفعلية مستقلة عن السلطتين التنفيذية والتشريعية .

• أهمية هاذين القرارين ترجع في كونهما تضمنا مرتكزات مبدئية فصلت في النقاش والجدال بين القضاة وجمعياتهم المهنية والمنظمات الحقوقية الوطنية والدولية من جانب ووزارة العدل وأغلبيتها الحكومية والبرلمانية من جانب آخر بشأن حقيقة وجود السلطة القضائية ومداها، وأضفت على استقلاليتها ونطاقها بعدا قويا وحاسما ومفصليا عموديا وأفقيا عبر خريطة متوازنة للسلطات الثلاث في الدولة وتقاطعها في المجال القضائي من خلال ضبط وتحديد ملامح سلطة قضائية مستقلة للمستقبل أطرتها رقابة المجلس الدستوري لتنهي التدخلات والتأثيرات" التشريعية" من السلطتين الاخريتين في مهامها واختصاصاتها،والقطع مع المساس باستقلال القضاء كما وقع بالنسبة للمتابعات التأديبية والترهيبية لقضاة الرأي من طرف وزارة العدل والتي ترتب عنها أن اعتبر المجلس عدم دستورية المخالفات التأديبية المبنية على العمومية من قبيل التصريح الذي يكتسي صبغة سياسية .

• توجهات المجلس الدستوري وملاحظاته لم تكن بمعزل عن التراكم القضائي والمهني والعلمي الذي أفرزه الحراك القضائي لنادي قضاة المغرب من خلال المقالات العلمية لقضاة الرأي وخلاصات ندواته وتقاريره ،فجاء في العديد من النقاط المضيئة مؤصلا وشارحا ومؤيدا للمرتكزات المبدئية للسلطة القضائية بما يرتقي بها لسلطة قضائية رآسة ونيابة عامة مفصولة عن السلطة التنفيذية بما لا يمس التعاون الذي يجب ان يكون في نطاق ضيق ومحدود بما لا ينتهك مقومات الاستقلالية،معتبرا أن السلطة القضائية لا تختزل في المجلس الاعلى للسلطة القضائية ،وأنه لا استقلال للسلطة القضائية إذا لم يمنح للمسؤولين القضائيين الإشراف الإداري على المحاكم،وللنيابة العامة استقلاليتها عن السلطتين التشريعية والتنفيذية باعتبارها سلطة قضائية قائمة الذات.

• حاول المجلس الدستوري جاهدا أن يعضد الاستقلال المؤسساتي للسلطة القضائية دون أن يغفل الاستقلال الفردي الذي عمل على تحصينه وتقويته عبر حماية الأمن القانوني الاجتهادي أو المهني للقاضي سواء في إطار مؤسسة النقل أو منظومة التأديب .

سادسا:جوانب الضعف في قراري المجلس الدستوري وآفاق الترافع القضائي بشأنها

• عدم الإقرار بحق القضاة في تأسيس جمعيات مدنية أو تسييرها بأي شكل من الأشكال
• عدم الاعتراف بالاستقلال المالي للسلطة القضائية .
• عدم إقرار حق القضاة في الإضراب
• مركزة بعض اختصاصات المجلس في شخص رئيسه المنتدب
• عدم التمييز في المتابعة الجنائية أساس توقيف القاضي بين الجنايات والجنح والمخالفات ولا سيما منها العمدية والماسة بالشرف والمروءة
• انتهاك مبدأ المساواة امام القانون وتكافؤ الفرص بين قضاة الدرجة الثالثة في الترقية
• نشر العقوبات التأديبية قبل صيرورتها نهائية ومبرمة رغم أنه يشكل انتهاكا لمبدأ قرينة البراءة المكرس دستوريا
• إقرار الحرمان من التسجيل بجدول الاهلية كعقوبة يقررها المجلس خارج العقوبات التأديبية المقررة قانونا.
• عدم إيقاف المتابعة التأديبية إذا كانت الأفعال محل متابعة جنائية إلى حين صدور حكم حائز لقوة الشيء المقضي به
• عدم الاعتراف بالحاجة لإحداث مجلس الدولة كجهة قضائية محايدة للنظر في الطعون ضد قرارات المجلس

خاتمة

• لعل الاطلاع عن كثب على مسيرة ترافع نادي القضاة واستحضارا للخطوات الفعلية التي أقدم عليها، بدءا من تقديم وثيقة المطالبة باستقلال النيابة العامة،وإعداد الميثاق الأخلاقي لأعضاء النادي، ومذكراته الترافعية أمام البرلمان والمجتمع المدني يؤكد بالملموس أننا كنا أمام تحول في الفكر الذي يسود الوسط القضائي، حيث لم يبقى القضاة اليوم في موقع المتفرج وإنما أصبحوا عناصر فاعلة في مسلسل الاصلاح بشراكة مع المجتمع المدني والحقوقي والإعلامي من خلال انخراطهم في الورش المفتوح متشبثين بالمعايير الدولية لمبادئ استقلال القضاء كحد أدنى لا يقبل التراجع، على اعتبار الطابع الكوني لهذه المعايير.
• قراري المجلس الدستوري بشأن مراقبة دستورية قانوني السلطة القضائية شكل انتصارا كبيرا لنادي قضاة المغرب ولدولة المؤسسات ،لأنهما ساهما في تكريس الاسس المتينة لاستقلال السلطة القضائية وإزاحة مختلف أشكال التدخل السياسي أو التنفيذي أو التشريعي في أعمالها .
• حصيلة الدفاع عن استقلال السلطة القضائية حصيلة مشرفة ،والآفاق واعدة بالاستمرار في النضال والترافع من أجل المطالب التي لم يوفق المجلس الدستوري في إقرارها.
• الإشادة بدور قضاة الرأي والجمعيات الحقوقية والمدنية ووسائل الإعلام في الدفاع عن استقلال القضاء ومواكبة الحراك القضائي لنادي قضاة المغرب وتبليغ تصوراته للرأي العام .