عشية مؤتمرها الوطني الحادي عشر، تواجه "الجمعية المغربية لحقوق الإنسان" مضايقات، لم تعد صادرة فقط عن أعدائها، بل حتى من جهات "صديقة"، بشكل غير مفهوم، ربما للتشويش على موعدها المذكور المزمع تنظيمه أيام 21 و22 و23 من الشهر الجاري. فمن تكون هذه الجمعية؟

النشأة..

تأسست يوم 24 يونيو  من سنة 1979، ولها شبكة وطنية مكونة من 91 فرعا، في شتى مناطق المملكة، و هي أكبر هيئة حقوقية بالمغرب، تتمتع بالإستقلالية عن الجهات الحكومية،كما أنها جمعية معترف لها بصفة المنفعة العامة، وتتوفر في نهاية 2009 على أزيد من 10.000 منخرط ومنخرطة، خُمسهم من النساء.

تعاقب على رئاسة الجمعية العديد من الوجوه الحقوقية، أبرزها النقيب عبد الرحمان بنعمرو وعبد الحميد أمين و خديجة الرياضي، الحائزة على على جائزة الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان سنة 2013، قبل أن يخلفها أحمد الهايج منذ ذلك الحين وإلى غاية اليوم.

الأهداف

أُنشأت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، من أجل صيانة كرامة الإنسان و احترام جميع حقوقه بمفهومها الكوني و الشمولي و حمايتها والنهوض بها، حيث تهدف من خلال مختلف أنشطتها إلى التعريف بحقوق الإنسان و إشاعتها و التربية عليها، والعمل على تصديق المغرب على كافة المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، و إدماج مقتضياتها في التشريع المغربي وملاءمته معها وضمان احترامها، كما تعمل على الرصد والفضح والتنديد بجميع الخروقات التي تطال حقوق الإنسان و العمل من أجل وضع حد لها، فضلا عن وقوفها بجانب الضحايا تضامنا و مؤازرة ودعما.

تاريخها

شهدت "الجمعية المغربية لحقوق الإنسان"، على مدى 37 سنة من تأسيسها، العديد من الأحداث والمحطات النضالية، التي يمكن تقسيمها إلى أربعة مراحل:

1- من التأسيس إلى 1983: تم إنشاء عدة فروع و أطلقت الجمعية دينامية سرعان ما تم توقيفها بسبب القمع.
2- من 1984 إلى 1988: جمود عمل الجمعية و توقف أنشطتها بسبب حملة القمع التي تعرض لها مناضلوها و قياديوها سنتي 1983 و 1984.
3- من 1988 إلى 1991: مرحلة الانبعاث و استعادة النشاط حيث وضعت الجمعية استراتيجية على أساس وضوح المبادئ والتوجه خلال مؤتمريها الثاني في 1989 و الثالث في 1991.
4- من 1991 إلى الآن: تطور عمل الجمعية في أسلوبها، و توسع هياكلها، و انتظام مؤتمراتها كان آخرها المؤتمر الوطني العاشر.

الجمعية في مواجهة القمع

عرفت "الجمعية المغربية لحقوق الإنسان" عبر تاريخها حملات قمعية واعتقالات ومحاكمات لمسؤوليها ومناضليها كما تعرضت مؤتمراتها وأنشطتها للمنع إلا أنه مع بداية التسعينات وأمام التحولات التي عرفها المغرب وبفضل صمود مناضليها ومناضلاتها استطاعت أن تحافظ على وجودها، بل وأن يتصلب عودها ويتطور عملها وحجمها ويتوسع إشعاعها وطنيا ودوليا حيث أصبحت تحظى بمصداقية عالية حتى لدى خصومها بفضل دفاعها المستميت عن حقوق الإنسان بدون أي تمييز أو مساومة بشأنها أو إخضاع النضال من أجلها لحسابات معينة.

وفي السنوات الأخيرة تعرض عدد من نشطاء الجمعية المغربية لحقوق الإنسان للعديد من المضايقات والمتابعات والتوقيفات، كما تعرضت العديد من أنشطتهم للمنع، فضلا عن تعنيف بعض المنتمين إليها، الذين شاركوا في مختلف المحطات النضالية التي شهدتها الساحة الحقوقية بالمغرب، وكذا بسبب انتمائهم لحزب "النهج الديمقراطي" الذي يتعرض هو الآخر للتضييق في العديد من المناسبات كمنعهم من توزيع مناشير مقاطعة الإنتخابات، ومنع شبيبته من عقد مؤتمرها الرابع...

وهنا، يقول أحمد الهايج، الرئيس الحالي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان في تصريح لـ"بديل":" هناك العديد من يعيب على الجمعية انتماء بعض أعضائها لحزب النهج، فالبعكس هذا لا يضرها في شيئ لأنه يشرفها أن تضم إضافة إلى نشطاء حزب النهج، أفراد آخرين من أحزاب أخرى وتوجهات مختلفة".

الهايج أورد في تصريحه أيضا، أنه "مثلما وزع منتمون للنهج والجمعية مناشير تدعو إلى مقاطعات الإنتخابات السابقة، فإن الجمعية تضم أيضا أعضاء وزعوا مناشير أحزاب أخرى، بل إن بعضهم ترشح في الإنتخابات، وهذا كله يثلج صدر الجمعية لكونها استطاعت استيعاب العديد من المشارب".

عدد من المراقبين يرَوْن أن الهجوم الذي استهدف الجمعية -ولازال- ليس فقط من جانب الدولة، بل هنالك بعض الهيئات التي تقف في صف المعارض لمنجزاتها ولأنشطتها.

وفي هذا السياق، قال النقيب عبد السلام البقيوي، الرئيس السيابق لهيئة "جمعيات المحامين بالمغرب"، أن يتم الهجوم على الجمعية المغربية لحقوق الإنسان من طرف السلطة و مريديها فذاك أمر عادي في دولة المخزن، لكن من غير المستساغ ومن المؤسف له هو الترويج من طرف البعض من داخلها بقصد أو غير قصد لما يروجه المخزن عن الجمعية بقصد و عن سبق إصرار و ترصد فالجمعية المغربية رغم القمع و رغم الحصار و رغم التشويش ستبقى قوية بعزيمة مناضلاتها و مناضليها و بمبادئها و وحدة صفها لأنها نبتة أصيلة و غير قابلة للتهجين"

الجمعية بين الأمس واليوم

عبد الرحمان بنعمرو، الرئيس السابق للجمعية، أكد في حديث مع "بديل"، على أنه رغم عدم تغيير أهداف وتوجهات الجمعية إلا أن مسلسل المضايقات لازال مستمرا منذ نشأتها وإلى غاية اليوم.

وأشار بنعمرو، الكاتب الوطني لحزب "الطليعة الديمقراطي الاشتراكي" إلى أن هناك فقط بعض الشكليات هي التي تغيرت أما في الجوهر فلا شيئ تغير حيث "نسجل استمرار المضايقات ومنع الأنشطة وعدم تسليم وصولات الإيداع للفروع، وهي ممارسات نسجلها كل مرة وندينها ونشجبها ونعتبرها خارقة للقانون"، يقول بنعمرو.

من جهته، يرى الهايج أن الجمعية لم تتغير في المقاربة الحقوقية التي اختارها منذ نشأتها، والمبنية أساسا على المرجعية الكونية والدولية، بدون تجزيئ، كما أنها لازالت تشتغل ببعد جماهري، وليس نخبوي أو فئوي، مشيرا إلى أن الجمعية لازالت تُصر وتؤكد وتجدد التأكيد على أنها مستقلة وغير تابعة لأي جهة سياسية أو حكومية ...

ويؤكد الهايج، على أنه من الاشياء التي تغيرت في الجمعية، هي أنها أصبحت تثير العديد من المواضيع التي كانت إلى وقت قريب تعتبر من الطابوهات والخطوط الحمراء المسكوت عنها، مما جعلها الآن ملاذا للمظلومين ومهضومي الحقوق، كما تبوأت بذلك مكانة مهمة على الصعيد العالمي، لكونها تثعد مصدرا موثوقا في رصد وضعية حقوق الإنسان بالمغرب.

ورغم المضايقات وحملات المنع والمتابعات التي شهدتها الجمعية في بداياتها، إلا أن الهايج يؤكد على أن "العلاقة لازالت كما في الماضي متوترة بين الجمعية والدولة، حيث تمر فترات من التعامل العادي، وفترات أخرى من الشنآن والضغط من أجل ثني الجمعية عن أهدافها ولجعلها تزين خطاباتها بما يرضي الدولة"، كما أشار الهايج إلى أن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، لازالت لحدود الآن تعاني من حملات التشويه، والمضايقات والقمع في مختلف المناسبات.