عندما يربط زعيم يساري مغربي بين محمد مرسي والقاعدة أو داعش في تحليله، فلا يمكن استنتاج سوى حقيقة مرة واحدة؛ وهي استحالة تشكيل جبهة اسلامية يسارية في المغرب لمواجهة التطرف المخزني.

إن أي ربط من هذا القبيل يضع الحركات الإسلامية المغربية في دائرة الشبهة، حتى ولو لم تكن تربطها رابطة فعلية بتنظيم "الإخوان المسلمين"، وبالتالي التشويش على أي تقارب يمكن ان يحدث بين اليساريين والإسلاميين كما حدث في ندوة، نُظمت، مؤخرا، من طرف النهج الديمقراطي في العاصمة الرباط.

الحقيقة أن تجارب التاريخ والواقع السياسي المغربي يؤكدان استحالة تفكيك بنية المخزن خارج إطار جبهة تضم اسلاميين ويساريين وطلبة وجمعيات حقوقية ومدنية ونقابات عمالية ومثقفين؛ فـ"حركة 20 فبراير" استطاعت في ظرف وجيز أن تحقق ما عجزت عن تحقيقه الأحزاب طيلة خمسة عقود، بعد أن أرغمت المؤسسة الملكية على إحداث تعديل دستوري في وقت لم يكن في الحسبان، وهو الدستور الذي جاء بمكتسبات كبيرة خاصة في مجال حقوق الإنسان والسلطة القضائية، وإن كان يجري انقلاب في الواقع على هذه الحقوق.

في كل تجارب العالم يحدث التغيير حين تتظافر جهود وتتكتل قوى حية، من كان يتخيل أن يضع لينين يده في يد كرنيسكي بل ويسمح له بقيادة الحكومة الثورية المؤقتة، من كان يتخيل أن ينسق بعض من حزب الكولاك مع البلاشفة. وفي الجارة الإسبانية، من كان يتوقع أن تساهم الكنيسة الكاثوليكية،  رغم كونها إحدى أهم ركائز الفرانكوية،  خلال الانتقال الديمقراطي، في التشجيع على التوافق السياسي.
إن أي قوة سياسية مغربية، كانت يسارية أو إسلامية، يستحيل عليها أن تضغط، فالأحرى أن تنجز التغيير أو الإنتقال نحو الديمقراطية، دون سند من قوى أخرى، مهما كانت حنكة قيادة هذه القوة ونظافتها الفكرية، ومهما كان نشاط قواعدها النضالي.

في روسيا وفي عز المخاض من أجل الثورة كانت هناك أصوات يسارية متطرفة، تظهر عداءً شديدا للمتدينين وللمناشفة وحزب الكولاك، وترفض أي صيغة تنسيق بين هؤلاء والبلاشفة، فقال زعيم يدعى ليون تروتسي قولته الشهيرة: إن وجود أناس نقديين و منشقين ومستائين ورجعيين يبعث الحياة والحيوية في الثورة، إن المواجهة والسجال ينميان عضلات الشعب الإديولوجية، إنهما رياضة وترياق ضد تصلب المفاصل والسلبية".

في المغرب الجديد، ثلاث تجاربة سياسية حديثة العهد ولدت شعورا سلبيا اتجاه السلطة أساسه انعدام أي ثقة فيها للمساهمة في الإنتقال نحو الديمقراطية، التجربة الاولى تجلت في الضغط على اليوسفي حتى إبعاده وتنصيب ادريس جطو، وبالتالي إجهاظ حلم التناوب، التجربة الثانية، تنصيب هيئة للإنصاف والمصالحة، لكن النتيجة سلبية للغاية، نفس الوجوه المسؤولة عن سنوات الرصاص تدير اليوم الشأن العام، ولا شخص واحد من المتورطين في جرائم تلك المرحلة دخل السجن، التجربة الثالثة انطلقت مع ظهور حركة 20 فبراير، ففتحت السلطات أبوابها لتلقي طلبات المعطلين للعمل وفتحت قنواتها الإعلامية للمعارضين الرادكاليين، فكان لاحقا خطاب تاسع مارس بسقف سياسي غير مسبوق، جاء دستور فاتح يوليوز مخيبا للآمال إذا قورن بمضامين الخطاب، قبل أن تتأكد المناورة بشكل أقوى حين غيرت السلطة لغة السياسة بلغة الأمن، فشهد المغرب نظير ما ادعى أنه قطع معه خلال تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة.

وفي المغرب أيضا الملكية متجذرة وقوية، بصرف النظر عن طبيعتها اللاديمقراطية،  وبالتالي لا مجال لخوف اليساريين من حشود الإسلاميين وتغولهم أمام أي تنسيق بينهم، فالغاية من هذه الوحدة في الأول والأخير ليس إسقاط الملكية، بل هو الضغط عليها  لتقديم تنازلات سياسية ودستورية، ولم لا  تيسير هذه الملكية لانتقال ديمقراطي دون فراغات على مستوى القيادة أو على المستوى القانوني.

وطبعا حين تكون أمام سلطة بهذه الطبيعة القوية و المتجذرة وهي الطبيعة القائمة أيضا على المناورة،   يستحيل أن تفكر لوحدك في مواجهتها، وبالتالي لا خيار في المغرب  اليوم لليساريين غير التنسيق مع الإسلاميين وباقي القوى المجتمعية الأخرى من طلبة وحركة نسائية ومثقفين وعمال، أي جبهة عريضة للنضال.. وأي تصور غير هذا فقط مضيعة للجهد والوقت.