الحل: جبهة عريضة للنضال

60
طباعة
عندما يربط زعيم يساري مغربي بين محمد مرسي والقاعدة أو داعش في تحليله، فلا يمكن استنتاج سوى حقيقة مرة واحدة؛ وهي استحالة تشكيل جبهة اسلامية يسارية في المغرب لمواجهة التطرف المخزني.

إن أي ربط من هذا القبيل يضع الحركات الإسلامية المغربية في دائرة الشبهة، حتى ولو لم تكن تربطها رابطة فعلية بتنظيم “الإخوان المسلمين”، وبالتالي التشويش على أي تقارب يمكن ان يحدث بين اليساريين والإسلاميين كما حدث في ندوة، نُظمت، مؤخرا، من طرف النهج الديمقراطي في العاصمة الرباط.

الحقيقة أن تجارب التاريخ والواقع السياسي المغربي يؤكدان استحالة تفكيك بنية المخزن خارج إطار جبهة تضم اسلاميين ويساريين وطلبة وجمعيات حقوقية ومدنية ونقابات عمالية ومثقفين؛ فـ”حركة 20 فبراير” استطاعت في ظرف وجيز أن تحقق ما عجزت عن تحقيقه الأحزاب طيلة خمسة عقود، بعد أن أرغمت المؤسسة الملكية على إحداث تعديل دستوري في وقت لم يكن في الحسبان، وهو الدستور الذي جاء بمكتسبات كبيرة خاصة في مجال حقوق الإنسان والسلطة القضائية، وإن كان يجري انقلاب في الواقع على هذه الحقوق.

في كل تجارب العالم يحدث التغيير حين تتظافر جهود وتتكتل قوى حية، من كان يتخيل أن يضع لينين يده في يد كرنيسكي بل ويسمح له بقيادة الحكومة الثورية المؤقتة، من كان يتخيل أن ينسق بعض من حزب الكولاك مع البلاشفة. وفي الجارة الإسبانية، من كان يتوقع أن تساهم الكنيسة الكاثوليكية،  رغم كونها إحدى أهم ركائز الفرانكوية،  خلال الانتقال الديمقراطي، في التشجيع على التوافق السياسي.
إن أي قوة سياسية مغربية، كانت يسارية أو إسلامية، يستحيل عليها أن تضغط، فالأحرى أن تنجز التغيير أو الإنتقال نحو الديمقراطية، دون سند من قوى أخرى، مهما كانت حنكة قيادة هذه القوة ونظافتها الفكرية، ومهما كان نشاط قواعدها النضالي.

في روسيا وفي عز المخاض من أجل الثورة كانت هناك أصوات يسارية متطرفة، تظهر عداءً شديدا للمتدينين وللمناشفة وحزب الكولاك، وترفض أي صيغة تنسيق بين هؤلاء والبلاشفة، فقال زعيم يدعى ليون تروتسي قولته الشهيرة: إن وجود أناس نقديين و منشقين ومستائين ورجعيين يبعث الحياة والحيوية في الثورة، إن المواجهة والسجال ينميان عضلات الشعب الإديولوجية، إنهما رياضة وترياق ضد تصلب المفاصل والسلبية”.

في المغرب الجديد، ثلاث تجاربة سياسية حديثة العهد ولدت شعورا سلبيا اتجاه السلطة أساسه انعدام أي ثقة فيها للمساهمة في الإنتقال نحو الديمقراطية، التجربة الاولى تجلت في الضغط على اليوسفي حتى إبعاده وتنصيب ادريس جطو، وبالتالي إجهاظ حلم التناوب، التجربة الثانية، تنصيب هيئة للإنصاف والمصالحة، لكن النتيجة سلبية للغاية، نفس الوجوه المسؤولة عن سنوات الرصاص تدير اليوم الشأن العام، ولا شخص واحد من المتورطين في جرائم تلك المرحلة دخل السجن، التجربة الثالثة انطلقت مع ظهور حركة 20 فبراير، ففتحت السلطات أبوابها لتلقي طلبات المعطلين للعمل وفتحت قنواتها الإعلامية للمعارضين الرادكاليين، فكان لاحقا خطاب تاسع مارس بسقف سياسي غير مسبوق، جاء دستور فاتح يوليوز مخيبا للآمال إذا قورن بمضامين الخطاب، قبل أن تتأكد المناورة بشكل أقوى حين غيرت السلطة لغة السياسة بلغة الأمن، فشهد المغرب نظير ما ادعى أنه قطع معه خلال تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة.

وفي المغرب أيضا الملكية متجذرة وقوية، بصرف النظر عن طبيعتها اللاديمقراطية،  وبالتالي لا مجال لخوف اليساريين من حشود الإسلاميين وتغولهم أمام أي تنسيق بينهم، فالغاية من هذه الوحدة في الأول والأخير ليس إسقاط الملكية، بل هو الضغط عليها  لتقديم تنازلات سياسية ودستورية، ولم لا  تيسير هذه الملكية لانتقال ديمقراطي دون فراغات على مستوى القيادة أو على المستوى القانوني.

وطبعا حين تكون أمام سلطة بهذه الطبيعة القوية و المتجذرة وهي الطبيعة القائمة أيضا على المناورة،   يستحيل أن تفكر لوحدك في مواجهتها، وبالتالي لا خيار في المغرب  اليوم لليساريين غير التنسيق مع الإسلاميين وباقي القوى المجتمعية الأخرى من طلبة وحركة نسائية ومثقفين وعمال، أي جبهة عريضة للنضال.. وأي تصور غير هذا فقط مضيعة للجهد والوقت.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

11 تعليقات

  1. محمد ركراكي يقول

    شكر الله لك أخي حميد المقالة الناضجة المعبرة عن حسن استيعاب تناقضات الواقع المغربي، فقولك بالجبهة السياسية لمواجهة تغول المخزن قول بالأسلوب السياسي الواقعي المتاح والممكن والمجرب لتحقيق نتائج معقولة، والقول بدق الأسافين بين الحركات السياسية المغربية من سذاج اليسار والإسلاميين على حد سواء مقاربة إيديولوجية متخلفة لقضية سياسية تهم مصير ومستقبل شعب بأكمله.

  2. برومي يقول

    كلام حلو عسل.لكن الثقة في الخوانجية من اية طينة مغالطة .اليست مرجعياتهم ارهابية بالاساس؟اما اليساريين مطالبين بمراجعة دروسهم الاديولوجية حيث اذا تعارض التكتيك مع الاستراتيجية تصبح المراجعة الفكرية ضرورة لتجنب الخطر.ارى الحل بيد اليسار بعيدا عن الظلامية.واليساريين يعرفون المقصود لكنهم عاجزين في الظروف الانية.حذار ثم حذار من الظلام.

  3. عبد العالي. يقول

    كنت وما زلت من المناصرين لطرحك زميلي حميد مدركا أن صراع الأيديولوجيات والتوجهات في البلدان غير اليمقراطية في صالح الحكام , فمن العوامل الأساسية للفشل في الاصلاح في بلدنا حصر المواجهة بين الأحزاب وهيئات المجتمع المدني , وتحميل كل المسؤولية للحكومة تارة , ولما يسمى بالمعارضة تارة أخرى. بينما أن المسؤواية يتحملها بالدرجة الأولى من بيده السلطة الفعلية. وهذا كله يصب في صالح الدولة العميقة , فيبقي على الوضع المزري كما هو , مما سينذر بتهديد الاستقرار الذي ننشده جميعا.

  4. سخع يقول

    ،أين هو خطاب “أين الثروة” الكل كان يعرف أن ذلك كان من أجل الإستهلاك الإعلامي لا ٱقل و لا أكثر

  5. positif يقول

    rah khassna mansawsh lwaki3 dyalna wl3klyat ssa2ida rah twlli tatgol wash had nass fahmin ashnahya dimokratya b3da rah nass msakenn mowdrin 3lhakika ana tanhder men wesst sha3b w samhoni 3la klami

  6. لحسن الزين من وجدة يقول

    الأيام دول بين الحكام و الناس. أنا أؤمن بنظرية “الناس” و أكفر بنظرية “الشعب”. لأن الناس من الناسوت و الحكام ليسوا من اللاهوت و لكنهم يلبسون نفس الثياب و يدعون الألوهية. الناس و إن اختلفوا في انتماءاتهم و أفكارهم و ثقافاتهم فأسمى ما يجب أن يتطلعوا إليه هو التحرر من المتألهين في الأرض و زلزلة الأرض من تحت أقدامهم ( و من دون أن يدعي أحد أنه “يعرف” الإله الحقيقي). في حين أن “الشعب” يطمح إلى أن تؤطره طلائع السياسيين من أجل “التغيير السلمي” لتفادي “الفراغ المؤسساتي”. دراما الناس هي دراما الوجود البشري على الأرض… لهذا كان يسمى القانون الأسمى المعروف بين الجماعات الإنسانية في أروبا النهظة : قانون الناس ( Droit des Gens).

  7. عبد السلام بن البركاني يقول

    هذا ما اقترحه عابد الجابري في بداية التسعينات في ندوة حول المجتمع المدني نظمت بكلية الحقوق بالدار البيضائ نشطها معه الرميد الوزير الحالي و البشيري من العدل و الاحسان

  8. تاوجداتي يقول

    مع كامل احترامي السيد المهداوي لمجهوداتكم و لحبكم لهذا الوطن الجريح. اتمنى ان لا تكون ذاكرتكم قد اغفلة او نسيت ما فعلته القوى الظلامية و لازالت في حق ابناء شعبنا الابرار من اغتيالات و عاهات مستديمة و تخوين باسم الدين و تجسس ووو (بيني و بينك) اذا كان لابد من جبهة فيجب ان تكون تقدمية مستجيبة بذلك للهموم و التطلعات الحقيقية لابناء شعبنا و اكراما لشهداء الوطن . يقول المثل ليس في القنافد املس.

  9. العقيد يقول

    تحليل موضوعي ومنطقي بعيد عن الانحياز .لان مايجمعنا اكتر مما نختلف حوله فالعيش الكريم لكل المغاربة هو الاجماع اما الممارسات الشخصية او القناعات الفردية فلكم دينكم ولي دين.

  10. صاغرو يقول

    التيارات الإسلامية لا تدين الارهاب الا مكرهة او مراوغة.
    اذا كنت لا تدين فعلا وحشيا فانت على لا تهتم بالضحايا.
    اذا تعرضت امراة للاغتصاب ولم تدن المجرم فان لسان حالك يقول تستاهل.
    كم من جربمة إرهابية سكت عنها المعتدلون
    وبالمقابل لو قلت اكثر ابو هريرة سيقتلونك

  11. mohammed يقول

    لا أحد يصدق النظام المغربي،لأننا نعرف أن المخزن يتأقلم ويضحك علينا فقط من أجل ربح الوقت،أين هو خطاب “أين الثروة” الكل كان يعرف أن ذلك كان من أجل الإستهلاك الإعلامي لا ٱقل و لا أكثر،وكذلك الدستور، النظام الملكي ليس جزأ من الحل بل جزء من المشكل إن لم أقل هو عين المشكل،نشكرك على هذه الجريدة الإلكترونية التي تحترم عقولنا .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.