بداية من هو الكاتب البشير بنشعيب؟

هو معتقل وشاعر و كاتب، من مواليد سنة 1982 ببني بوعياش، له قصائد شعرية تعالج مواضيع سياسية و اجتماعية لم يقم بطبعها و نشرها في الكتب و الدواوين، و اكتفى بإيصالها إلى القارئ عبر المواقع الإلكترونية و شبكات التواصل الاجتماعي، أما بداية مساره الفني فكان المسرح و الشعر و الموسيقى، حيث ألف مسرحية بالأمازيغية تحت عنوان " ضحية المجتمع "، و في 20 فبراير 2011 نزل إلى الميدان بجانب رفاقه مطالبا بالإصلاح و التغيير، و في 03 مارس 2012 اعتقل من طرف السلطات المغربية و ذلك بعد عدة مضايقات، و بعدما أحيل على المحكمة أصدرت في حقه 12 سنة سجنا نافذا، و قبل ذلك ناضلت ساكنة بني بوعياش، إمزورن، و بوكيدارن من أجل الإفراج عنه، مما تسبب في تدخل الامن الذي تحول إلى مواجهات وصفت بالعنيفة و دامت 6 أيام، علما أنه اعتقل من المسجد المركزي المتواجد في وسط بني بوعياش، و إنه لايزال رهن الاعتقال و أغلب قصائده كانت من داخل السجن، و كانت كلها نضالية و هادفة، إنه عصامي لم يتعدى مستواه الدراسي الثالثة إعدادي، لكنه يتوفر على رصيد معرفي مهم، كما انه محنك سياسيا و معروف بذكائه و الحكمة في الكلام، و موهوب، و هذا الإصدار الأول من نوعه حاول من خلاله تحليل أفكار عايشته من الطفولة إلى أن زج به في السجن معتمدا على بعض المحاور التي تعمق فيها فلسفيا معتمدا على نفسه، و اختار عنوان " ما الذي يجب أن نقدمه لكي نتقدم ".

" ما الذي يجب أن نقدمه لكي نتقدم "


1- أود في كتابي هذا أن أسلط الضوء على أفكار تراودني منذ الطفولة إلى يومنا هذا، عن التأخر و التخلف الجاثم على الدول الإفريقية و العربية عامة و المغرب خاصة، و ما هي الأسباب و الدوافع التي حاصرتنا في دائرة الفقر و الأمية و البطالة و الهشاشة، و ما هي العوامل التي تركتنا أمام العالم أقزاما في كل المجالات، و ما هي السبل التي ستمكننا من تجاوز هذه المتاريس التي تقف في طريقنا نحو التقدم.
هذه أسئلة طرحها علي الواقع المر و لم اجد لها أجوبة مقنعة، لا لأنني لا اعرف الأسباب، بل كلما فكرت في الحلول و الاستراتيجية التي يجب نهجها من أجل النهوض و الدفع بعجلة التقدم و التنافس مع الدول الصاعدة وجدت في الواجهة كلمة الاستحالة، إلا أنني تحديت هذه الاستحالة و قمت بإحالة هذا المشكل العويص على ضميري الحي و عن هويتي و عن تاريخي العريق و عن حضارتي و أحببت حَضْرَتِي أن كل شيء ممكن بالإرادة القوية و العزيمة و العمل الدؤوب و المواكبة، و توصلت بعد تعميقي في هذا الموضوع أن هناك من يعرقل، لا بل هناك إرادة قوية في شل حركة تقدمنا من طرف دول غربية و من طرف دول عظمى، هدفها الهيمنة و التحكم في الخريطة الاقتصادية العالمية، هذا من جانب، أما الجانب الآخر و الأساسي يتجلى في " الذات "، أي أننا لا ندرك الحرب التي تشنها علينا هذه الدول، و حتى لو كنا ندركها إلا اننا نتقاعس و نهمل واجباتنا اتجاه أوطاننا عامة و وطننا خاصة، و إن صح التعبير لسنا عمليين، كما أننا لا نأبه للتحديات و الرهان بغض النظر عن غياب الضمائر الحية في بعض المؤسسات حيث نجد بعض المسؤولين لا يأبهون حتى للمصائب التي قد تؤذي الوطن الحبيب، لذا كي نتقدم خطوتين إلى الأمام لابد من خطوة إلى الوراء، أي يجب تقييم كل التحركات و كل المراحل مستحضرين مبادئ الوطنية و الملحمات التاريخية، يجب أن نكون غيورين مستحضرين الوعي النضالي من أجل الوقوف في وجه كل من يجر الوطن الحبيب إلى الهاوية من سياسيين و مسؤولين، و التأكيد دائما و أبدا على الأبعاد السياسية و الاقتصادية و الاعتماد على الديمقراطية التشاركية كبمدأ أساسي، و العمل بالنصوص و تفعيلها في أرض الواقع، و وضع هيكلة وخريطة و أهداف وطنية شاملة بعيدا عن المصالح الضيقة، و يجب تظافر الجهود لتوطيد العلاقات بين الدول الإفريقية و الدول الغربية، و لما لا مع دول العالم، و الانفتاح على كل الثقافات و وضع حد للنزاعات بين الأحزاب السياسية و معالجة المواضيع برزانة و بطريقة تليق و ترقى بسياسة دولة متقدمة و بمفهوم آخر " لا للخلاف و نعم للاختلاف البناء "، الغاية منه مصلحة الوطن، فلو أن المجهودات التي تقوم بها بعض الأحزاب السياسية من أجل الحفاظ على مكانتها موجهة في مصلحة الوطن و الدفع به من حسن لأحسن لكان المغرب يقتدى به، و لا يعني هذا أن المغرب ليس بلدا متقدما أو ليس مثلا يقتدى به، بل إنه قطع أشواطا مهمة في شتى المجالات،عرف تغييرا ملموسا إلا اننا يجب أن نضاعف الجهود كل من موقعه و المساهمة يجب أن تكون من طرف الجميع من أب و ام و ابنة و فلاح و عامل، ناهيك عن النخب السياسية و كل فئات المجتمع و شرائح، يجب أن نتسائل دائما و ابدا عن مآل الاقتصاد الوطني و عن ما نقدمه من أجل النهوض به و ان نتسابق على المراتب المتقدمة و أن نطور كل الآليات كي تكون لنا استراتيجية واضحة في مواجهة الطوارئ، و يجب حث الشباب على التمسك بالوطن و الارتقاء به، فمستقبل الوطن فوق كل اعتبار، هذا ما يجب ترسيخه في ثقافاتنا للأجيال الصاعدة، لكن أين و كيف، أمن داخل الأسرة أم في المؤسسات التعليمية، ام عبر وسائل الإعلام أم بالدور التحسيسي و التوعوي الذي يسهر عليه المجتمع المدني أم ...
نعم هذه كلها طرق معبدة و جسر للتواصل مع الآخر، لكن هل هي كافية. هنا أقول لابد من الإنصاف و النزاهة و منح حق المواطنة للمواطنين و تقديم المساعدة لكل الطاقات و المواهب و الوفاء بالوعود التي يعد السياسيون بها المواطنين، حتى نكون واقعيين في ما بيننا و يكون كل شيء مبني على الثقة، و لكل هذا فإننا مجبرون على تقييم اعمالنا حتى نكون في المستوى المطلوب، هنا نستحضر المثل الذي يقول من "زرع حصد".
نعم من "زرع حصد"، لكن ما هي المادة التي زرعت و كيف هي التربة و المناخ و الأسمدة، هل كل شيء سيضمن لك الحصول على جودة رفيعة، إذن فمن جد وجد هو المثل الذي يكتمل فيه المعنى أما ان لا تزرع شيء فأكيد أنك لن تحصد أي شيء، لذا فإن الدقة و الاختيار المناسب و الجدية و الإحساس بالمسؤولية أمر مهم في تطوير قدراتنا السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية، كل هذه المبادئ نستنبطها و نستوحيها من النية الصادقة و الخالصة التي تحثنا على الرقي بوطننا و حضاراتنا و لا يفوتني أن أركز على نقطة مهمة و أساسية و التي تتجلى في التشبث بقيمنا الإسلامية، كون أن ديننا الحنيف جزء لا يتجزأ من تقدمنا و ذلك لما يزخر به من اخلاق حميدة و مبادئ إنسانية و كونية. لكن ما نراه في عصرنا هذا أن الشعوب المسلمة صارت ضحية تقليد الأعمى بدليل الانفتاح عن الآخر و عن كل الثقافات، و المشكل اننا نقلب المفاهيم، فالانفتاح هو عكس الانغلاق، أي انك ستنفتح على الثقافات الأخرى و لكن لا يعني هذا أنك ستاخذ ما هو سلبي بل أن تأخذ ما هو إيجابي، و لا تنسى أصولك و قيمك و أنك في دولة محافظة، اما من جهة أخرى التي تطرح إشكالية بل هي معضلة العصر، حيث أن الإسلام صار إرهابا في نظر البعض، و ذلك راجع لبعض الفئات التي دنسته بأفعالها الإجرامية و بأفكارها الظلامية و ذلك باسم الاسلام، و بعض الدول التي تستغل مثل هذه الأفعال كي تشن عدائها على الاسلام و المسلمين البعيدين كل البعد حتى في التفكير في مثل هذه الأفعال اللاإنسانية، و لكل هذا فمن الواجب علينا أن نبين للعالم الوجه الحقيقي للإسلام و ما جاء به من التسامح و ما حث عليه من فعل الخير و التسابق إليه كما يجب علينا تفهيمه و إيصاله على النحو الصائب و الصحيح بداية من اولئك المتشددين الذين يجسدون صورة خاطئة للإسلام و المسلمين كون أنهم جسدوا له صورة ملطخة بالدماء و التي لا تعكس الصورة الحقيقية للإسلام.
كما يجب أن ندين الإرهاب الحقيقي الذي صار مشروعا على الفلسطينيين من طرف الصهاينة بدون ردع و لا لومة لائم، إذن هذه كلها أفكار و خطوات تتطلبها المرحلة من أجل النهوض و التقدم و فرض مبادئنا و قناعاتنا ثقافيا و اقتصاديا و اجتماعيا و سياسيا.

2- عبد الكريم نموذج الوطنية :

هل تعلم أننا نحن من صنع الحضارات و ان أجدادنا هم من وضعوا اللبنات الأولى لما وصل إليه العالم اليوم من إنجازات و استحقاقات مهمة ثقافيا و سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا. و هنا نستحضر الداهية و الموسوعة و المنظر الحادق الثائر بجبال الريف محمد بن عبد الكريم الخطابي الرجل الشهم المتواضع و المتخلق الذي قدم الكثير في سبيل التحرر و الانعتاق، إنه حقا وطني و اممي لقد علم الشعوب المستضعفة كيف تدافع عن كرامتها، و لقن القوى المهيمنة في شخص الامبريالية درسا لن تنساه، إنه عبد الكريم من مقاومة شعبية إلى دولة المؤسسات، إنه رجل النظريات و الحكم له مقولة مشهورة يقول فيها : فكر بهدوء و اضرب بقوة. كان مسلما مسالما، رجل سياسة بامتياز غيورا على وطنه و كان حريصا على النهوض بالسياسة الداخلية و كان يحث دائما أبناء الشعب على العلم و التعلم، لذا فإننا نتوفر على ماض زاخر و عن تاريخ عريق يخفزنا و يؤهلنا للوصول إلى قمة الازدهار و الرقي، فلماذا نهمل هذه المعالم، هذه المنارات و التوجهات الصائبة و المبادئ الوطنية العالية و لانقتدي بها.
فأكيد أننا لا نبحث في صفحات تاريخنا فلو كنا نعرف حق المعرفة ما قدمه أجدادنا من تضحيات جسام في سبيل الحرية و ما قدموه من مجهودات فكرية و من نظريات مستقبلية و معادلات سياسية لضمان مستقبل واعد للأجيال الصاعدة لكانت الخريطة الرسمية لحياتنا اليومية مبنية على التعلق بحضاراتنا التاريخية. ليس بالقول كما يفعل البعض، بل قولا و فعلا كما قال الشاعر " ليس الفتى من يقول كان أبي بل الفتى من يقول ها أنا ذا"، إذن يجب أن نكون بنفس الغيرة و التضحية و الرزانة و المواكبة لكل مراحل و تطوير القدرات حسب ما تتطلبه المرحلة من تحديات، فهو واجب مبدئي أن لا ننسى حضنا من الدنيا و واجب علينا أن نختبر قدراتنا و أن نتحدى الصعاب و الرهان. و يجب عليك أن تقول للعالم بأسره أن كل الأوطان جميلة لكن وطني أبهى و أجمل. يجب أن تفرض وطنك بنفسك و أن تفرض نفسك بوطنك فالحياة لم تخلق عبثا فاجعل لنفسك غاية. تمسك بعقائدك الدينية و مبادئك الوطنية و ابحث عن نفسك في عالم المستقبليات، انفتح على نفسك و عن ثقافاتك و تاريخك قبل أن تنفتح عن الآخر، لا تكن مزاجيا و لا نرجيسيا و لا تحتقر نفسك. و اعلم أن لك وطنا هو مسقط رأسك احتضنك قبل ميلادك، فكن ابنا صالحا متفائلا لغد أفضل.

عبد الكريم أيها الهمام
لك التحية و لك السلام
داهية أنت حكيم الكلام
بالخناجر و البنادق
و حرب العصابات و الخنادق
هزمت تحالف الزنادق
اهتزت الإمبريالية و ارتأت أنك عائق
فسخرت العملاء و البيادق
لكنك تركت العدو عالق
رغم الغاز الكيماوي الساحق
فرنسا إسبانيا هؤلاء العمالق
استسلموا لذكائك الحاذق و لشخصك الخارق
و نحن على نهجك لن نفارق.

‹ فلسفة التعلق بالوطن ›

إن التعلق فلسفة تحكمها الغريزة و البيئة المحيطة بالإنسان، فالتعلق بالمحيط الذي ينتمي إليه الإنسان هو التعلق الراسخ و القوي، و هو درجات، و هذا ما اكتشفته من الأحاسيس التي عايشتني منذ الطفولة. فمثلا في حينا الشعبي و في الشارع الذي أقطن فيه أعز شيء بالنسبة إلي هو منزلي، و أحسن شارع في الحي الذي أقطن فيه هو الشارع الذي يوجد فيه منزلي، و أحسن حي شعبي هو حينا، و أحسن مدينة في الجهة هي مدينتي، و أحسن جهة في الجهات هي الجهة التي أنا محسوب عليها، و أحسن دولة هي دولتي، و أحسن قارة هي قارتي، و لو كان هناك عالم آخر لكان عالمي هو الأحسن بالنسبة إلي . إذا الانتماء يفرض نفسه بنفسه لأنك لست وحدك أنت من يتعلق بانتمائك إلى وطنك، بل هو بدوره يتعلق بك أكثر لأنك بلا وطن لا تساوي شيء، كإنسان بلا ذاكرة و لا ذكريات، و لا مأوى، فهويتك هي وطنك حتى و لو كنت ضحية بعض الخروقات أو عشت بعض الحرمان. و اعلم أنك مسؤول بدورك على الإقصاء الذي تعيشه، لأنك لم تبحث عن نفسك في المواطنة، و لم تسأل يوما عن حقك في التعليم و عن حقك في الشغل و في العيش الكريم، اصنع نفسك بنفسك، فالسكوت علامة الرضى. و اعلم أن الحق ينتزع و لا يعطى، ثابر و ناضل من أجلك و من أجل وطنك، لا تنتظر أن تستيقظ يوما و تجد أحلامك و آمالك تحققت، بل يجب عليك أن تدافع و توجه بتوجهاتك الصائبة التي تصب في مصلحة الوطن، وطن يتسع للجميع، وطن تسوده الحرية و الكرامة و العدالة الاجتماعية، و تساهم في تشييد المسار الديمقراطي الذي تسعى إليه كل الضمائر الحية. حاسب نفسك قبل أن تحاسب الآخرين، ماذا قدمت لوطنك، لأن حب الوطن و التعلق به درجات كما سلف الذكر، فأن تكون وطنيا و أنت لا تكترث و لا تهتم لهمومه فذلك تعلق يحتاج إلى تعليق.
إذن هذه كلها أجوبة لأسئلة راودتني منذ الطفولة، و الإجابة كانت من وراء القضبان، من عالم الحرمان. الحرمان من الحرية، فأنت أيها القارئ ربما ستتسائل لماذا لم أتطرق في روايتي هذه لوضعيتي أو للحكم الذي صدر في حقي، لكنني سأجيبك أنني لم أكترث لنفسي، لأن مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، و أجيبك أيضا أنني انشغلت بالتفكير و وجهت طاقتي و قوتي لوطني، و استمدت منه قوة تعادل حريتي و أكثر. لقد عانيت الكثير من الفقر و التهميش و ترعرعت في حي شعبي حرمت من أبسط الحقوق، واجهت الصعاب و المحن من أجل الحصول على لقمة العيش، ما من مرة تمنيت فيها الموت، سئمت من كل شيء، بحثت عن شيء يمنحني أملا في الحياة و لم أجده، اعتقدت أن المال هو كل شيء و به سأصنع السعادة، تمنيت الهجرة إلى الضفة الأخرى، أحببت فتاة و هي بادلتني نفس الشعور، لكن الفقر و المستقبل كان واقعا مرا و حاجزا بيننا. أحسست باليأس و الإحباط، وددت أن أكون حيوانا أو جمادا في الدول المتقدمة على البقاء في محيطي، لكن في آخر المطاف و بعدما اقتنعت أن الفقر و الهشاشة و الحرمان لن يوقفوا الأرض عن الدوران و لا عقارب الساعة، و أن اليأس و الفشل لن يجدي نفعا، تسلحت بالأمل عندما أدركت أن ما أعاني منه يعاني منه الكثير من فئات المجتمع، و وجدت نفسي مجبرا على تقييم الوضع و إيجاد الحلول و المساهمة و لو بأفكاري المتواضعة.

المعتقل السياسي البشير بنشعيب
السجن المحلي بالحسيمة