المتتبع للقضية رقم واحد على المستوى الوطني لا يجب أن يزيل عن ذهنه أن هذه الاحتجاجات بدأت، واستمرت، ولا تزال، وبالتالي يجب أن نضعها في إطار الأسئلة الجوهرية والمحورية التالية: لماذا بدأت الاحتجاجات؟ ماذا واجهت؟ وكيف تعاملت وتعومل معها؟ ثم في الأخير هل انزاحت؟ لنستطيع الحكم في الأخير على مدى صحة القائلين بأن المعركة في الطريق "الخطأ" "المسدود" "معركة بالنيابة" ........
والذي يجعلنا نطرح أو نشير إلى هذه الأسئلة هو ما بدأ يروج بين الفينة والأخرى حول تسييس الملف، طبعا لسنا نقصد السياسة العامة وإنما نتحدث عن السياسة الخاصة والتي مفادها، أن جهة تناضل سياسيا تسعى إلى الركوب على احتجاجات أساتذة الغد وبالتالي فهي تضمن مقاعد بين جمهور المتتبعين مع أن الحق مع اي جهة حزبية أو سياسية أن تتبنى اي فئة شعبية وتسعى لتحقيق مطالبها وهذا من صميم العمل السياسي والنقابي والحزبي.
لماذا بدأت الاحتجاجات؟
بالرجوع للأسئلة المحورية والتي أولها لماذا بدأت الاحتجاجات، وإن كان هذا التذكير ضروري مع معرفة الجميع به إلا لقوله تعالى "وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين" بمعنى أن انطلاق الاحتجاج كان من داخل المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين والسؤال هل سبق للفئات التي تنتمي إلى هذه المراكز الاحتجاج؟ الجواب هو نعم. كانت الاحتجاجات بشكل مستمر كل السنوات في مطالب شتى ولكنها غالبا ما كانت تنحصر في الجانب المادي، إلا أنها هذه السنة عرفت احتجاجا من نوع آخر والذي هو المطالبة بإسقاط مرسومين معدلين لبعض المواد في القوانين الجاري بها العمل في وزارة التربية الوطنية بالنسبة للتكوين والتوظيف والتي يخص أحدها تحويل الأجرة إلى منحة والعمل على تقليصها لأكثر من النصف بمعنى تكوين أستاذ للتعليم بمنحة 1200 درهم شهريا عوض 2450 درهم، التعديل الثاني لم يعتبر التكوين يوجب التوظيف بل اعتبره وسيلة لاجتياز مباراة ثالثة للتوظيف بعد مباراة الدخول بأطوارها الثلاث وامتحان التخرج والمباراة الجديدة في سنة تكوينية واحدة مع ما يتطلب استيفاء الوحدات من امتحانات. من هنا انطلقت الاحتجاجات وهي تدعو لحذف هذا التغيير. السؤال الذي ينبغي أن نطرح حاليا خلال عرضنا الكرنولوجي للجواب عن السؤال الأول. هل كان انطلاق هذه الاحتجاجات منطقي أم لا؟ وكذلك الجواب عليه سيتطلب إجراء بسيط بالنظر إلى الفئة المحتجة وهي الفئة التي تتكون من مختلف الأطياف والتوجهات الحزبية والسياسية الموجودة في البلاد بما فيها المنتمون لحزب العدالة والتنمية وكذلك غير المنخرطين في هذه الأحزاب جميعها وهم أغلب الأساتذة، وبالتالي فمن الناحية الإجرائية يستحيل جمع كل هذه التوجهات يمينا ويسارا ووسطا حول نقطة واحدة إن لم تكن تلك النقطة هي التي جمعتهم بقوة الفعل وليس الحظ كما كان في حركة 20 فبرابر. وهذه المقارنة مهمة جدا، فالمجتمعين في الحراك المغربي الذي سمي بحركة 20 فبراير وجدوا أنفسهم بمحض الصدفة على طاولة واحدة ولم يكن هناك تنسيق مسبق، أما احتجاج الأساتذة المتدربين فهي حتمت على الجميع التوحد ولم تترك لهم الخيار في غير ذلك بحيث إما الانتصار جميعا أو الرضوخ للحاكم المتغلب والنتيجة في الأولى مربوحة أما الثانية فهي ستبقى للحض والزبونية والمحسوبية.
كيف ووجهت وواجهت هذه الحركة الاحتجاجية المتدخلين؟
بعد أن حددنا المنطلق نتساءل كيف ووجهت هذه الاحتجاجات وكيف تصرفت هذه الاحتجاجات؟
لقد انطلقت هذه الاحتجاجات فتم تجاهلها لمدة أكثر من الشهر دون أن يشير إليها مشير والكل ينتظر ردت طرف من الأطراف المساهمة في عملية تسيير البلد، لكن الإشارة بدأت يوم 17 يونبر 2015 من خلال مجلس المستشارين الذي أحيته هذه الاحتجاجات وأجمع أعضاؤه على طرح نفس السؤال وإن بصيغ مختلفة وهذا لا يتأتى إلا في ملفات ثقيلة الوزن مثل ملف الصحراء أو التعليم، آنذاك أجاب بلمختار عبر منصته ليؤكد أنه سيتخلى عن فئة تقدر بنحو 3000 أستاذ وأستاذة بعد تدريبهم وهذه سابقة ستسجلها المراكز الجهوية مع أن القوانين المنظمة تحدد وظيفة المراكز التي تؤهل لإدارات الدولة وما تعاني منه المدرسة العمومية من خصاص يقدر بحسب مصادر الدولة وإحصاءاتها ب 24000 يؤدي حتما للاكتظاظ وهذا الأخير يولد حالة النفور من المدرسة العمومية وإن بقي فهو لا يضمن لك غير تكوين فوج يرفع الشعارات في مدرجات كرة القدم لتكون النتيجة مأساوية كما نشاهد في كل حين...
هذا التصريح مسؤول على اعتبار أنه هو المسؤول الأول عن القطاع وقد خلف استياء أكبر حينما لم يعقب على أجوبة المستشارين بل واستمر في اللعب بهاتفه النقال، خلف هذا ايضا نوع من الغرابة في التعاطي مع هذا الملف من طرف مسؤول حكومي اكتشف فيما بعد أنه لم يكن راض على المرسومين ولكنه لم يقدم اي عرض لحل المشكل تشفيا في رئيس الحكومة الذي قايضه على المرسومين مقابل توظيف الدفعة السابقة كاملة لموسم 2014-2015.
زاد بعد ذلك الاحتقان وتضاعفت قوة الاحتجاج وزاد الأساتذة في التصعيد واستمر مشعل البرلمان يرفرف مناشدا الحكومة أن تتحمل المسؤولية وتتخذ قرارا لحل الأزمة إلا أنها لم تبد اي حسن نية في الاستجابة بل استمر رئيس الحكومة في التحدي والأمر بالعودة للمراكز حتى يوم الخميس السود 7 يناير 2016 والذي اقل ما يقال عنه جريمة في حق التعليم ورجال ونساء التعليم ومنه جريمة في حق المغاربة بكل مقياس من المقاييس، لينتهي دور البرلمان هنا وذلك بقول رئيس أحد الفرق البرلمانية هذه المؤسسة شكلية لم يعد لها دور كانت مسائلاتنا للحكومة طوال المدة الماضية حول الأساتذة المتدربين لتجيب اليوم بالدماء، وكان رئيس الجلسة يومها يتيم المحسوب على الحزب الحاكم والذي رفض في البداية تدخله إلا أن رئيس الفريق اصر ليقول له في النهاية تحمل مسؤوليتك، أستنتج أن لغة التهديد بالنسبة للحزب الحاكم متوارثة وهي اللغة الرسمية.
قرر المجتمع المدني أن يتخذ خطوات جريئة لحماية الأساتذة لمتدربين وذلك بتشكيل تنسيقيات داعمة ليحصل الأستاذ أخيرا على دفئ مجتمعي بعد التدخل القمعي في حقهم كما طلبت الداخلية من النقابات أن تتدخل لحل الملف، ولم تكن تنقص الملف بعد ذلك أمام رأي قانوني محض يطالب بإسقاط المرسومين لعدم دستوريتهما ورأي يصر على تطبيقهما باثر رجعي يتمثل في الحكومة، والذي يجب الانتباه إليه هو كون أن هذه الفترة تمثل مرحلة البداية في شيطنة الأساتذة المتدربين مرة بالاتهام بالدعم الخارجي ومرة بتقديم خدمة حزبية وسياسية لجهة معينة على اعتبار أن ذلك لم يكن من قبل وتستمر هذه الدعوة حتى تدخلت الفعليات المدنية غير المحسوبة على أي جهة وهي المبادرة المدنية، ومن هنا يجدر أن نتسائل هل تجاوبت الحكومة مع مبادرة مدنية قدمتها شخصيات قانونية وحقوقية؟
طبعا لم تتكلف الحكومة ذلك ولا ردت عليها حتى وجاء بعدها مقترح تنفيذي اقترحته النقابات سمي بالمبادرة التقنية لم تناقشه الحكومة أو اعترضت عليه حتى وبالمقابل من ذلك كله كان الأساتذة المتدربون يوافقون ويقدمون التنازلات التي تخدم مصلحة الوطن قبل كل شيء ........ السؤال المهم من يمارس السياسة؟ وبأي معنى؟
هل انزاحت المطالب؟
في كل هذه الأطوار نلاحظ أن شعار اسقاط المرسومين هو المرفوع بل وزاد الأساتذة في الإقناع بالحجج القانونية والاجتماعية والأخلاقية والخطير أنه لا أحد قال بعكس ما طرحوه منذ الوهلة الأولى لغاية الساعة بل نجد اعترافا من رئيس الحكومة بعدم دستوريتهما وأن الأساتذة كانوا على حق في توقيت النشر، بالمقابل كان في كل محفل إعلامي يتقدم بوزير من قطاع حتى أن جميع الأحزاب تدخلت في هذا الموضوع من الاتلاف الحكومي نجد تدخل حصاد الذي طلب من الأساتذة الرجوع للتكوين وأنهم يضيعون وقتهم حسب زعمه، ثم الوزير المنتدب لدى وزير المالية وتدخل نبيل بن عبد الله ومصطفى الخلفي وزير الإعلام وحتى الوزارات التي لا يحفظ الشعب اسماءها، لكن الأساتذة استمروا في تقديم وجهة نظر واحدة ثابتة تتوجه إلى تطبيق القانون والدستور واحترام المدرسة العمومية.
من خلال الإجابة يتضح أن كل المساعي لجر الملف للركوب السياسي على المطالب غير ممكن مهما كثر الكلام والتأويل ومحاولة إقناع الذات، المهم في كل ذلك لماذا لم يقطع رئيس الحكومة على الذين يحاولون الركوب على مطالب الأساتذة بتطبيق القانون. وبالتالي عدم تطبيق ما يخالف الدستور من رجعية القوانين.