في هذا المقال، يفصل الدكتور نبيل محمد بوحميدي، عضو جمعية "عدالة"، في الكيفية التي انتصر بها المجلس الدستوري، لمطالب عدد كبير من القضاة والحقوقيين المغاربة عبر القرارات التي أقرها في ما يخص القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، و القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية.

وهذا نص المقال كاملا:
جاء في القرار الصادر عن المجلس الدستوري في الملف عدد: 16/1473 تحت رقم:16/991 م. د ما يلي:

"..يصرح بأن مقتضيات القانون التنظيمي رقم 100.13 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية ليس فيها ما يخالف الدستور، مع مراعاة الملاحظة المسجلة على كل من المادة 54 (الفقرة الأخيرة) والمادة 110 منه؛

ثانيا- يأمر بتبليغ نسخة من قراره هذا إلى السيد رئيس الحكومة، وبنشره في الجريدة الرسمية."

كما جاء في القرار الصادر عنه في الملف عدد: 16/1474 تحت رقم : 16/992 م.د ما يلي:

".. يجوز بالتالي إصدار الأمر بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 106.13 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، باستثناء هذه المقتضيات؛
ثانياـ يأمر بتبليغ نسخة من قراره هذا إلى السيد رئيس الحكومة، وبنشره في الجريدة الرسمية."

ومن خلال الإطلاع الأولي على مضمون القرارين يمكن إبداء عدد من الملاحظات بإستحضار ما وقع وما يقع بمناسبة التجاذب المجتمعي بخصوص تحقيق إستقلال للسلطة القضائية وفق توجهات مقبولة ومنطقية وتترك بالفعل إنطباعا بكوننا في مسار تحقيق أكبر أعمدة دولة الحق والقانون؛

إن قراري المجلس الدستوري المتعلقين بالقانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، و القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية؛ إنتصرا لتوجهات متعددة منها التوجهات التي دافعت عنها السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، ومنها التوجهات التي دافع عنها المجتمع المدني المتخصص في مجال العدالة بجمعياته المدنية والمهنية والتي غالبا ما تبلور مطالبها بتناغم مع المبادئ العالمية الكبرى المتعلقة بإستقلال السلطة القضائية وبناء على دراسات علمية عملية لإستنباط واقع العدالة وواقع تعامل قطاع العدالة مع المواطنات والمواطنين، وكذا واقع التمثلات الذهنية المترسخة لدى العموم في مواجهة القضاء؛

إن موقف المجلس الدستوري من وضع النيابة العامة، ومن نقل القضاة وترقيتهم، والمتعلق بمفهوم الخطا الجسيم وعدم إمكانية إدراج مقتضيات تحد من إجتهاد القضاة، ومن إدراج عبارات عامة تفتقر للتدقيق؛ وكذا بخصوص الإدلاء بتصريح يكتسي صبغة سياسية؛ وكذا بخصوص عرض الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض لتقاريره المتعلقة بتنفيذ السياسة الجنائية وسير النيابة العامة، وبشأن المفتشية العامة للشؤون القضائية؛

هو موقف إنتصر لمطالب عدد من الفاعلين في منظومة العدالة ولعدد من الجمعيات المهنية للقضاة والمحامين، والجمعيات المدنية التي إختارت الإشتغال على هذا الملف قبل دستور 2011 والتي تقدمت بمذكراتها الترافعية والمطلبية أمام اللجنة المكلفة بإعادة صياغة الدستور والتي واصلت العمل على تنزيل ما تضمنه الدستور من خلال تواجدها في قلب المقاربة التشاركية (على علاتها) لتنزيل النصوص القانونية؛

إنطلاقا من مذكرة الجمعيات العشر حول إصلاح القضاء بالمغرب التي تم الإعلان عنها سنة 2010، مرورا بمطالب الجمعيات المهنية للقضاة بعد دستور 2011 على رأسها المطالب ذات الأبعاد الحقوقية التي رفعها نادي قضاة المغرب وصولا إلى مذكرة النسيج المدني للدفاع عن إستقلال السلطة القضائية التي حاولة من خلالها جمعية عدالة من أجل الحق في محاكمة عادلة التنسيق بين مطالب مختلف الجمعيات المهنية لمختلف قطاعات العدالة، ومختلف الجمعيات المدنية المهتمة بشؤون العدالة؛ إنطلاقا منها يجب التأكيد على أن ما تحقق أمر مهم لكن هناك من المطالب التي لم تتحقق وأن الإشتغال على ملف إستقلال السلطة القضائية لم ينته ومساره لازال طويل وفق المطالب التي تم رفعها والعمل على بلورتها وفق التصورات التي بدأ بناءها منذ سنوات ووفق خطة الطريق التي رسمها الملك من خلال الخطاب الملكي بتاريخ 20 غشت 2009 بمناسبة الذكرى ال56 لثورة الملك والشعب؛

إن تكريس المادة 95 من القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية التي تتحدث عن كون أعلى هيئة إدارية هي الغرفة الإدارية بمحكمة النقض يجعل مطلب إنشاء مجلس الدولة وفق القراءة التي أعطيت للنص الدستوري في إتجاه عدم تحديده لهذه الهيأة معناه عدم وجود رغبة لدى المشرع الدستوري في إنشاء مجلس الدولة؛ وبالتالي إعتبر القاضي الدستوري أن لا مجال لنقاش هذه النقطة، وهو أمر مبرر لكون المشرع الدستوري لم يحددها فعلا؛

لكن يبقى هذا المطلب من أهم المطالب التي يجب مواصلة التأصيل لضرورة تحقيقه مادام أنه الكفيل ب مواجهة كل أشكال الشطط وحتى يتاح ضمان سيادة الشرعية ودعم الانصاف بين المتقاضين حسب الوارد في خطاب الملك بمناسبة افتتاح دورة المجلس الأعلى للقضاء بتاريخ 15 دجنبر 1999؛

كما أن تصريح المجلس الدستوري بمطابقة المقتضيات المانعة على القضاة الوجود في الأجهزة التنظيمية للجمعيات غير المهنية للدستور، ما هو إلا إنتصار لتوجهات وقراءة السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، ولم يتم إستحضار القراءة التي قدمها المجتمع المدني بهيئاته المهنية وغير المهنية؛ والإعتماد على مبرر كون الجمعيات يمتد نشاطها عموما إلى كافة مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحقوقية للقول بكون واجبات التجرد واستقلال القضاء، بما تستلزمه دستوريا من ضرورة حرص القاضي على استقلاله وحرمته، قد لا تتلاءم مع إنشاء القاضي لجمعيات غير مهنية وتولي مهام التسيير فيها، بما يترتب عن ذلك من مسؤولية ومساءلة؛ فإنه مبرر يجب إعتماده لقطع الطريق على القضاة حتى في الإنخراط في هذه الجمعيات مادامت مواقف أي جمعية بخصوص الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحقوقية تكون ملزمة لأعضاءها سواء المنخرطة فقط أو التي توجد في مواقع القيادة؛

كما أن مطلب الفصل النهائي بين السلطتين التنفيذية والقضائية إلا في حدود التنسيق بين أجهزة كل واحدة منها لتحقيق التكامل اللازم لسير المرافق العمومية وتحقيق المصلحة العامة، جاء تحقيقه بشكل جزئي، ألم يكن يكفي إحداث هيئة مشتركة بين المجلس والوزارة المكلفة بالعدل تتولى التنسيق في مجال الإدارة القضائية، تعمل تحت إشراف كل من الرئيس المنتدب للمجلس والوزير المكلف بالعدل، كل فيما يخصه، بما لا يتنافى واستقلال السلطة القضائية؟ فما الداعي إذن إلى فتح مجال حضور الوزير المكلف بالعدل في اجتماعات المجلس تحت مبرر أن حضوره ينحصر في تقديم بيانات ومعلومات تتعلق بالإدارة القضائية أو أي موضوع يتعلق بسير مرفق العدالة فهذا المبرر هو من صميم إختصاص الهيئة مشتركة بين المجلس والوزارة المكلفة بالعدل المحدثة بقوة المادة 54 من النص التنظيمي للمجلس؛ في الحد الأدنى كان يمكن ترك مسألة إمكانية استعانة المجلس الأعلى للسلطة القضائية بمسؤولين آخرين أو الاستماع إليهم كلما كان من شأن ذلك تسهيل مباشرة المجلس لمهامه الدستورية من مهام المجلس بمناسبة أداء عمله دون تخصيص مؤسسة وزير العدل بهذه الخصوصية؛

أليس الوزارة المكلفة بالمالية مؤهلة إلى جانب الوزارة المكلفة بالعدل لإتخاذ كافة التدابير اللازمة لتنفيذ مقررات المجلس المتعلقة بالوضعيات الإدارية والمالية للقضاة حسب منطوق المادة ؟ إذا كان من الأجدر أن يتم تمتيع وزير الإقتصاد والمالية بذات الخصوصية لنلتقط إشارة الإبعاد النهائي بين الوزارة المكلفة بالعدل والسلطة القضائية إلا في حدود ما يمكن أن يمنح لباقي مكونات السلطة التنفيذية في إطار التنسيق بخصوص أداء مكونات السلطة القضائية بمهامها، ونقتنع بالفعل أن علاقة وزارة العدل بالسلطة القضائية أشبه أشبه بعلاقة السلطة القضائية بوزارة الفلاحة على حد تعبير الدكتور الهيني الذي ضحى بمنصب يحلم به الكثيرين من أجل الدفاع عن إستقلال حقيقي للقضاء كما ما نطق به الملك وفق تعبير البرلمانية؛

ومادام الحديث عن موضوع إستقلالية السلطة القضائية يجعلنا نستحضر موقفا من مواقف قاضي الرأي المعزول د محمد الهيني التي عبر عنها سواء من داخل هياكل نادي قضاة المغرب أو من داخل جمعية عدالة، فإنه من اللازم العودة لمناقشة قرار عزله الذي تم تأسيسه على كونه ارتكب إخلالات بالواجبات المهنية بإتخاذه موقفا يكتسي صبغة سياسية؛

إن المجلس الدستوري كان واضحا في التمييز بين حالة اتخاذ القاضي لموقف سياسي وحالة الإدلاء بتصريح يكتسي صبغة سياسية؛

وصرح أن اتخاذ موقف سياسي يعني الخوض الصريح والمباشر للقاضي في الشؤون السياسية، وهو ما يتنافى مع استقلاله وحياده، فإن توقيفه حالا عن مزاولة مهامه، في هذه الحال، ليس فيه ما يخالف الدستور؛

أما بخصوص إدلاء القاضي بتصريح يكتسي صبغة سياسية، فقد صرح المجلس أنه وإن كان قد يستوجب اتخاذ إجراءات تأديبية في حقه، إذا كان هذا التصريح، في مضمونه ومداه، لا يتلاءم مع واجب التحفظ والأخلاقيات القضائية الذي فرضه الدستور على القاضي بموجب الفقرة الأولى من فصله 111، فإن هذه المخالفة، بالنظر لعمومية العبارات التي صيغت بها، ليست من الأسباب التي تستدعي التوقيف الفوري للقاضي، مما يجعل اعتبار "أو الإدلاء بتصريح يكتسي صبغة سياسية" موجبا لتوقيف القاضي حالا عن مزاولة مهامه، غير مطابق للدستور؛

وحيث إن الطابع العمومي للمخالفة بالشكل الدي عاينه المجلس الدستوري يحيلنا على عدم شرعيتها أصلا وانعدامها قانونيا للمفهوم الغامض والملتبس التي يحيط بها،فلا يستقيم عدم شرعيتها أن تكون موجبا لإيقاف القاضي فورا ناهيك عن عزله أصلا،لأن المجلس أضفى رقابته على وجودها المادي والقانوني لها من خلال إبطال مفعولها،لأنه يعلم علم اليقين أن تسببت بكارثة عظمي وخطيرة في القاضي تتمثل في عزل قاض حر ومستقل.

وحيث إن رسالة تبليغ قرار العزل للقاض الهيني تنص بالحرف على أنه تمت إحالته على المجلس الأعلى للقضاء وتم عزله بسبب ما نسب له من إخلالات بالواجبات المهنية وذلك بإتخاذ موقفا يكتسي صبغة سياسية والإخلال بواجب التحفظ؛ فإنه من الأكيد أن ما ينطبق على هذه الحالة هو ما صرح به المجلس الدستوري بخصوص عدم دستورية المقتضى الخاص بالإدلاء بتصريح يكتسي صبغة سياسية؛

وحيث إن الطابع العمومي للمخالفة بالشكل الدي عاينه المجلس الدستوري يحيلنا على عدم شرعيتها أصلا وانعدامها قانونيا للمفهوم الغامض والملتبس التي يحيط بها،فلا يستقيم عدم شرعيتها أن تكون موجبا لإيقاف القاضي فورا ناهيك عن عزله أصلا،لأن المجلس أضفى رقابته على وجودها المادي والقانوني لها من خلال إبطال مفعولها،لأنه يعلم علم اليقين أن تسببت بكارثة عظمي وخطيرة في القاضي تتمثل في عزل قاض حر ومستقل .

إن تصريح المجلس الدستوري بعدم دستورية هذا المقتضى يؤكد أن عزل القاضي الهيني كان قرارا غير صائب وغير دستوري مادام أنه تم إتخاذه في ظل الدستور الذي إعتمده المجلس الدستوري للقول بعدم دستورية الإدلاء بمواقف ذات صبغة سياسية، وتؤكد أن مواقف الدكتور الهيني كانت من باب المساهمة في المقاربة التشاركية التي تم العمل بها عند بلورة النصوص التنظيمية للسلطة القضائية وقد كان صائبا في مواقفه وفي الإدلاء بمواقفه كما تؤكد أن شكاية رؤساء فرق أحزاب الأغلبية بمجلس النواب، باطلة وسياسية،لأن المجلس الدستوري أكد أنهم فعلا في الفتنة الدستورية سقطوا حينما طالبوا بتعبية النيابة العامة للسياسي ، كما أن الشكاية فيها ضرب للإستقلالية التي يجب أن تتحقق بين السلطة التشريعية والسلطة القضائية، وحتى تحريك المتابعة من طرف وزير العديل والحريات للقاضي الهيني أمام المجلس الأعلى للقضاء، جاءت خارج إطار الدستور وخارج قواعد الشرعية التي كانت تفترض تأجيل المحاكمة التأديبية حتى تأسيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية وعدم تسريع وثيرتها بسوء نية للمس بضمانة الطعن أمام الغرفة الإدارية بمحكمة النقض ،وخصوصا ضمانة المجلس الدستوري التي أطاحت بمادة مقرر العزل ،وجعلته باطلا بطلانا مطلقا ومعدوم وفي حكم العدم ،فهل سيرد الاعتبار للقاضي الهيني بعدما أنصفه المجلس الدستوري معنويا ،بعدما عاين كل الحقوقيين رصانة ملاحظاته ومواقفه التي زكى المجلس العديد من أسسه عليها صراحة أو ضمنا ؟