اعتبر رئيس "نادي قضاة المغرب" عبد اللطيف الشنتوف، قرار المجلس الدستوري، بخصوص قانونية تنظيم السلطة القضائية، "درسا حقوقيا ينبغي الوقوف عنده طويلا والإسفادة منه لكل من حاول تأويل الدستور بطريقة غير ديمقراطية، طيلة الخمس سنوات الماضية"، كما اعتبره "انتصارا لإرادة السلطة القضائية ولجميع المواطنين".

كما عبر الشنتوف في تصريح للجريدة الإلكترونية "بديل.أنفو"، " عن اعتزاز النادي بالضمانة الملكية للملك محمد السادس المنصوص عليها في الفصل 107 من الدستور"، معتبر "أن المجلس تجاوب بشكل كبير مع مطالب النادي التي كان هذا الاخير يبنيها على الأسس الدستورية"، مؤكدا " على وجود بعض المقضيات التي لم يتجاوب فيها المجلس الدستور مع مطالبهم ، مثل الحق الجمعوي وغيره".

وقال الشنتوف في ذات التصريح "إننا في بداية الطريق، ومسيرة الاصلاح مستمرة مع الايمان بدور المؤسسات والمقاربة التشاركية والانفتاح عليها من طرف كل السلطات تحت قيادة جلالة الملك" مشددا على أن أهم المقتضيات التي انتصر فيها فيها المجلس لمطالب النادي تتمثل في ما يلي:

أولا : على مستوى القانون التنظيمي رقم 106.13 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة:

1) إقرار الفصل التام للسلطة القضائية عن السلطة التنفيذية من خلال الانتصار لتبعية النيابة العامة للسيد الوكيل العام للملك ، و فق ما أقره القضاة عموما و قضاة النادي بعريضتهم التاريخية للمطالبة باستقلال السلطة التنفيذية يوم السبت 05 – 05 – 2012 . و جعل النيابة العامة تحت رئاسة الوكيل العام لمحكمة النقض باعتبار السلطة القضائية وحدة لا تتجزأ سواء من خلال أعضائها أو قواعد سيرها واعتبار أن أي تعلميمات غير القانونية لاغية.

2) الانتصار لوحدة الصفة القضائية لجميع القضاة سواء أكانوا قضاة الحكم أو قضاة النيابة العامة ، و تمتيعهم بنفس الحقوق و الامتيازات التي أقرها الدستور .

3) الانتصار لحق القضاة في العمل في أماكنهم الأصلية مادامت الحالة الاستثنائية منتفية ، و بالتالي فإننا نثمن عاليا إقرار المجلس الدستوري لعدم قابلية قضاة الحكم للنقل إلا بناء على طلبهم و في حالة الاستثناء فقط و وفق ما قرره القانون .

4) الانتصار للنظرة الحقوقية التي ما فتئ نادي قضاة المغرب يؤكد عليها في تناغم تام مع جميع القوى الحية من ضرورة النأي بالسلطة القضائية عن كل دور قد يمس بها ، و ذلك بالمناداة بضرورة أن يخضع قضاة النيابة العامة و هم يمارسون مهامهم فقط للتعليمات الكتابية القانونية التي تصدر إليهم من رؤسائهم التسلسليين ، و أن ما دون ذلك فلا يمكن أن يلزم قضاة النيابة العامة ، و في هذا السياق جاء في قرار المجلس الدستوري ما يلي : " وحيث إنه، في غير الحالات التي تهم تسيير شؤون النيابة العامة وتنظيم أشغالها، فإن الأوامر الواردة في الفقرة الأخيرة من المادة 43 المذكورة أعلاه، الموجهة إلى قضاة النيابة العامة من طرف رؤسائهم التسلسليين، لا يمكن أن تلزم هؤلاء القضاة، إذا كانت تهم اتخاذ النيابة العامة لمقرراتها، إلا إذا كانت في شكل تعليمات كتابية؛ "

5) إن نادي قضاة المغرب يثمن عاليا الموقف التاريخي الذي ذهب إليه المجلس الدستوري من تحديد لمفهوم الخطأ الجسيم الوارد بالمادة 97 التي أثارت العديد من النقاش :

فقد أقر المجلس الدستوري تعريفا للخطأ الجسيم في صلب قراره جاء فيه : " الخطأ الجسيم يتمثل في كل عمل إرادي أو كل إهمال أو استهانة يدلان على إخلال القاضي، بكيفية فادحة وغير مستساغة، بواجباته المهنية لدى ممارسته لمهامه القضائية "
وهكذا فإن نادي قضاة المغرب يؤكد على أن ما ذهبت إليه وزارة العدل في مشروع القانون التنظيمي قد صيغ في شكل كان الهدف منه ترهيب القضاة و ثنيهم عن أداء رسالتهم الدستورية النبيلة في حماية حقوق و حريات المواطنين ، , أن الموقف التاريخي للمجلس الدستوري الذي حدد مفهوم الخطأ الجسيم ملزم للجميع بما في ذلك المجلس الأعلى للسلطة القضائية و المفتشية العامة للشؤون القضائية و كل من له صلة بأعمال القضاة .

كما يؤكد النادي بأن ما ذهب إليه المجلس الدستوري ، يجعل من العمل الاجتهادي القضائي مصدرا ملهما للقوة الإبداعية للقضاة في تدبير شؤون العدالة و ينفي عنهم الصفة الآلية و الأوتوماتيكية ، و يؤهلهم لضمان و حماية حقوق الأفراد و الجماعات .
كما يثمن نادي قضاة المغرب عاليا ما أقره المجلس الدستوري من ضرورة تحديد الخطأ الجسيم تحديدا دقيقا و جعله واضع غير ملتبس ، و ذلك من خلال قراره بكون عبارة " و خاصة " عبارة غير دستورية لما تشكله من إمكانية إيجاد صور أخرى للخطأ الجسيم غير مذكورة في القانون .

و في نفس السياق فإن ما يحسب للمجلس الدستور هو مسايرته لنداء القضاة انتصارا منهم للنفس الحقوقي الذي طبع حراكهم و ذلك بإسقاط عبارة "أو الإدلاء بتصريح يكتسي صبغة سياسية" من لائحة الأخطاء الجسيمة و اعتبارها مخالفة للدستور ، و في هذا السياق جاء موقف المجلس الدستوري وفق ما يلي : " وحيث إن إدلاء القاضي بتصريح يكتسي صبغة سياسية، إن كان قد يستوجب اتخاذ إجراءات تأديبية في حقه، إذا كان هذا التصريح، في مضمونه ومداه، لا يتلاءم مع واجب التحفظ والأخلاقيات القضائية الذي فرضه الدستور على القاضي بموجب الفقرة الأولى من فصله 111، فإن هذه المخالفة، بالنظر لعمومية العبارات التي صيغت بها، ليست من الأسباب التي تستدعي التوقيف الفوري للقاضي، مما يجعل اعتبار "أو الإدلاء بتصريح يكتسي صبغة سياسية" موجبا لتوقيف القاضي حالا عن مزاولة مهامه، غير مطابق للدستور؛ "

ثانيا : على مستوى القانون التنظيمي رقم 100.13 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية:

1) المفتشية العامة للشؤون القضائية : إن نادي قضاة المغرب يعتبر أن موقف المجلس الدستوري بشأن المفتشية العامة للشؤون القضائية يعتبر انتصارا للإرادة الدستورية و قطعا للطريق على الالتفاف الذي أرادت وزارة العدل و الحريات أن تكرسه من خلال جعل المفتشية تنظم بموجب قانون و هو ما يجعلها رهن إشارة السلطة التنفيذية و أداة للتأثير على القضاة تأثيرا مباشرا . كما يؤكد اعتزازه بجعل المفتشية العامة للشؤون القضائية جزءا لا يتجزأ من الأجهزة التابعة للمجلس الأعلى للسلطة القضائية ، و في هذا السياق جاء في قرار المجلس ما يلي : " وحيث إن مبدأ استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، المقرر في الفصل 107 من الدستور، يقتضي إسناد مهمة تفتيش الشؤون القضائية – التي لا تكتسي صبغة إدارية أو مالية محضة – إلى جهة تنتمي إلى السلطة القضائية؛ "

2) حضور وزير العدل لأشغال المجلس الأعلى للسلطة القضائية : إن نادي قضاة المغرب يعتبر الالتفاف الذي حاولت وزارة العدل و الحريات أن تكرسه من خلال إعادة النظر في تركيبة المجلس الأعلى للسلطة القضائية بحضور وزير العدل لأشغال المجلس ، محاولة يائسة اصطدمت بالإرادة الدستورية الراسخة في إقرار سلطة قضائية قوية تجعل من هذه الأخيرة سيدة قرارها ، و في هذا الصدد يؤكد نادي قضاة المغرب أن ما ذهب إليه المجلس الدستوري من جعل حضور وزير العدل لأشغال المجلس لن يكون إلا في إطار اعتباره من ضمن الشخصيات التي يأخذ المجلس رأيها و يستفسرها في بعض الأمور و بناء على طلب المجلس ذاته ، أو بناء على طلب وزير العدل وموافقة المجلس الأعلى للسلطة القضائية و ليس بصورة تلقائية و بمجرد طلب وزير العدل هو موقف سليم و موافق لروح الدستور . جسده من خلال قراره الذي جاء فيه : " وحيث إن حضور الوزير المكلف بالعدل في اجتماعات المجلس الأعلى للسلطة القضائية لا يجوز أن يتم إلا بطلب من المجلس أو بطلب من الوزير بعد موافقة المجلس؛ "

3) تدبير الوضعية المادية للقضاة : إن نادي قضاة المغرب ما فتئ يؤكد على ضرورة جعل استقلال السلطة القضائية معززا باستقلالها المالي كسلطة و استقلال قرارها المالي في ما يتعلق بتدبير الوضعية المالية للقضاة ، و في هذا الصدد يثمن نادي قضاة المغرب موقف المجلس الدستوري الذي قصر دور وزارة العدل و بتعاون مع وزارة المالية في تنفيذ قرارات المجلس الأعلى للسلطة القضائية في هذا الشأن بتعاون المصالح المالية للمجلس عاليا و يؤكد ذلك ما جاء في قرار المجلس من أن ذلك : " يتم بتعاون مع المصالح المختصة للمجلس ويقتصر على تنفيذ مقررات هذا الأخير " ، و يعتبر بالفعل مدخلا أساسيا في أفق تحقيق الاستقلال التام في هذا الباب و ضمان عدم التأثير بأي وجه من الوجوه.

4) تقارير السيد الوكيل العام لمحكمة النقض المتعلقة بتنفيذ السياسة الجنائية : إن إقرار المجلس الدستوري لخصوصية المركز الدستوري للوكيل العام للملك لدى محكمة النقض يجعل منه شخصية لا يمكن أن تتساوى من حيث التعامل كما تعامل بها باقي الشخصيات الأخرى ، و لذلك فإن نادي قضاة المغرب يعتبر أن الموقف الذي سار فيه المجلس الدستوري من عدم دستورية تقديم الوكيل العام للملك لتقريره حول تنفيذ السياسة الجنائية أمام السلطتين التشريعية و التنفيذية موقفا صائبا و يسير في المنحى المكرس لسلطة قضائية مستقلة عن السلطتين المذكورتين .

5) الإدارة القضائية : إن موقف المجلس الدستوري من تكريس التمييز الحقيقي بين الإدارة العمومية و الإدارة القضائية يعتبر موقفا متقدما و منسجما مع إرادة القضاة التي ما فتئوا ينادون بها في الكثير من محطاتهم عبر إطارهم العتيد نادي قضاة المغرب ، و يؤكد أن موقف المجلس الدستوري الذي جاء فيه : " وحيث إنه، لئن كانت الإدارة العمومية موضوعة، بموجب الفصل 89 من الدستور، تحت تصرف الحكومة، فإن الإدارة القضائية تتميز عن باقي الإدارات العمومية بمساهمتها المباشرة في تدبير الشؤون القضائية المندرجة بطبيعتها في مهام السلطة القضائية؛

وحيث إن مبدأ استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، المقرر في الفصل 107 من الدستور، لا يمكن اختزاله في المجلس الأعلى للسلطة القضائية واختصاصاته المحددة في الفصل 113 من الدستور؛

وحيث إن هذا المبدأ لا يمكن إعماله دون توفر المسؤولين القضائيين على صلاحية الإشراف على المصالح الإدارية للمحاكم؛ " يجعل لمن مركز المسؤول القضائي مركزا حقيقيا و ليس شكلا ، يؤهله لتصريف مرفق العدالة تصريفا يتناسب و طبيعة عمل السلطة القضائية .