في هذا المقال، يقدم المستشار محمد الهيني قراءة قانونية مستفيضة، كانت مساهمة منه خلال تأطيره للندوة التي نظمتها "جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان"، بشراكة مع"ليونس الدولية" ونادي رياض السلام، يوم السبت 12 مارس بالرباط.

ويسلط المستشار الهيني الضوء في مداخلته، على دور القضاء الإداري المغربي في حماية الحقوق والحريات، مُركزا في هذا الصدد على المرأة التي اتخذها نموذجا في قراءته، وذلك احتفاء بيومها العالمي الذي تم تخليده قبل أيام قليلة في الثامن من مارس.

وهذا نص المداخلة كاملا:

إن اعتماد مقاربة النوع الاجتماعي لحماية حقوق النساء بالنسبة للمغرب لا يشكل فقط رهانا اجتماعيا يهدف إلى تقليص الفوارق والإقصاء و إنما أيضا رهانا ديمقراطيا يتوخى تحقيق العدالة والمساواة والحفاظ على كرامة الرجال والنساء على حد سواء، وذلك دون إهمال الرهان الاقتصادي الذي يستهدف إزالة العراقيل التي تحد من مساهمة النساء في الاقتصاد وأيضا استفادتهم منه لأجل الرفع من النمو الاقتصادي.

فتحقيق مقاربة جيدة للنوع الاجتماعي يستلزم تقييم السياسات العمومية وترسيخ ثقافة جديدة مبنية على الشفافية والحوار من خلال خلق دينامية جديدة تنخرط فيها مختلف هيئات المجتمع المدني.

إن النهوض بأوضاع المرأة في المغرب يشكل انشغالا وطنيا يظل مستمرا لتحقيق المناصفة الدستورية باعتبار الدور الأساسي الذي تلعبه في التنمية البشرية المستدامة.
وباعتبار الأهمية التي تكتسيها قضية المرأة في المواثيق والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان،بادر المغرب إلى اتخاذ مجموعة من التدابير على المستويين التشريعي ، والمؤسساتي،وكذا على مستوى سن الاستراتيجيات والسياسات العامة.
وقد عرفت هذه الإصلاحات والتدابير مناخا إيجابيا على الصعيد الحقوقي ،والسياسي،والاجتماعي والاقتصادي، والثقافي تستهدف "للنهوض بحقوق النساء وإدماج مقاربة النوع وتكافؤ الفرص"وأجرأته عبر 6 أهداف:

إدماج مقاربة النوع في السياسات والبرامج والمشاريع التنموية،
تشجيع ولوج النساء لمناصب المسؤولية والقرار،
الرفع من نسبة تمثيلية النساء في الهيئات المنتخبة،
تشجيع خلق المقاولة النسائية،
محاربة العنف تجاه النساء والطفلات،
محاربة النمطية ونشر ثقافة المساواة،
دعم المؤسسات والمراكز الخاصة بالنساء، وتوسيع المراكز المتعددة الوظائف

وهكذا نص الفصل 19 من الدستور على أنه يتمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية،الواردة في هذا الباب من الدستور، وفي مقتضياته الأخرى، وكذا في الاتفاقيات والمواثيق الدولية، كما صادق عليها المغرب، وكل ذلك في نطاق أحكام الدستور وثوابت المملكة وقوانينها.

تسعى الدولة إلى تحقيق مبدإ المناصفة بين الرجال والنساء.

وتُحدث لهذه الغاية، هيئة للمناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز.

والملاحظ أنه لأول مرة في تاريخ الدساتير المغاربة عرف الدستور المغربي الجديد لسنة 2011 وظيفة أو رسالة القاضي –الفصل 117 -”يتولى القاضي حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي، وتطبيق القانون“،بصفة عادلة –الفصل 110 -بعد أن نص على أن حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون-الفصل 118-
ويعتبر الدفاع عن الحقوق والحريات من أهم الأدوار التي أصبحت تضطلع بها المحاكم، في هذا السياق تشكل تجربة القضاء المغربي تجربة مهمة في هذا المجال، ويمكن الوقوف على أبرز اجتهادات القضاء الإداري المجسدة لحماية حقوق المرأة وفقا للمرتكزات الدستورية والدولية استنادا لمبدأ عالمية حقوق الإنسان وعدم قابليتها للتجزئة ولا للتعامل الانتقائي،و مبدأ سمو الاتفاقيات الدولية على التشريعات الوطنية.

1-التمييز الايجابي

جاء في قضاء مستقر للمحكمة الإدارية بالرباط فيما عرف بقضية الطبيبات اللواتي رفضن الالتحاق بأماكن عملهن المعين فيه ضد وزارة الصحة بسبب أن القرار مشوب بخرق مبدأ المساواة و الانحراف في استعمال السلطة صادر بتاريخ 29/04/2010" و حيث لئن كانت العلاقة النظامية بين الموظف و إدارته تقتضي قبوله بالمنصب الذي يسند إليه في إطار حاجيات المرفق العمومي ، فإن الحكامة الجيدة لتدبير الموارد البشرية داخل الإدارة تستوجب إقامة التوازن المطلوب بين مصلحة المرفق العمومي والحاجيات الخاصة بالموظف سيما ما تعلق منها بالاستقرار الأسري بالارتباط بوضعيات الأطفال و حقوقهم .

و حيث لما كان الثابت من وثائق الملف و بإقرار من الإدارة أنها تراجعت عن توطين طبيبات بعدما ثبت لها أن وضعيتهن الاجتماعية و رعايتهن لأطفال رضع تقتضي تواجدهن بالقرب من بيت الزوجية ، و الحال أن وضعية الطاعنة لا تقل أهمية عن زميلاتها المذكورات باعتبارها أم لطفلين في سن التمدرس دون أن تعامل نفس المعاملة مما يجعل الإدارة قد خرقت مبدأ المساواة بين موظفيها" .

هذا الإتجاه أيدته الغرفة الإدارية بمحكمة النقض لما اعتبرت "أن تكافؤ الفرص ومساواة المواطنين أمام التكاليف يعتبران مبدئين أساسيين يحكمان النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية دون حاجة للنص عليهما قانونا ،وأن هذين المبئدين يقتضيان معاملة جميع الموظفين على قدم المساواة .

تعيين بعض الأطر الطبية بمختلف مستشفيات المملكة بصفة استثنائية ودون خضوعهم لعملية القرعة التي أجرتها وزارة الصحة لا يعتبر تطبيقا صحيحا لمبدأ تكافؤ الفرص مما يكون معه إلغاء قرار التعيين في محله .

وهكذا استطاع القضاء الإداري من خلال مبدأ المساواة إلغاء قرار وزارة الصحة بتعين مجموعة من النساء في مقرات عمل بعيدة عن مقر الزوجية ولا تنسجم مع وضعيتهن كأمهات .

2-مراعاة لوضعية المرأة في قرار النقل الوظيفي تصدى القضاء الإداري للرقابة على القرارات الإدارية التي يشوبها عدم الملائمة في إطار نظرية الغلو في التقدير.

وهكذا جاء في حكم للمحكمة الإدارية بالرباط صادر بتاريخ 14/3/1999“إذا كانت للإدارة المطلوبة في الطعن سلطة تقديرية في اتخاذ العقوبة التي تراها مناسبة في حق مستخدميها فإنه بالنظر إلى وضعية الطاعنة كامرأة متزوجة فإن عقوبة النقل المتخذة في حقها تعتبر بالنسبة إليها غير مناسبة لأنها قد تؤدي إلى تشتيت شمل أسرة بكاملها وذلك بالنظر إلى المسافة الرابطة بين مدينة سلا ومدينة ابن جرير التي تم نقل الطاعنة إليها“ .

كما جاء في قرار لمحكمة النقض صادر بتاريخ 28 فبراير 2002 "لكن حيث إن الإدارة لم تدل ببيانات وإيضاحات دقيقة حول النقص الذي تدعيه في الأطر الإدارية في طنجة التي تم نقل الطاعنة إليها مقارنة مع عدد الأطر بمدينة تطوان ولماذا وقع الاختيار عليها بالذات..مما يكون معه الحكم المستأنف الذي قضى بإلغاء المقرر المطعون فيه مرتكزا على أساس".

كما جاء في قرار لمحكمة النقض صادر بتاريخ 30 يوليوز 1998 "لكن حيث إن الثابت من وثائق الملف أن الطاعنة تقطن بأكادير ومتزوجة وأم لطفلين صغيرين و أن زوجها بحكم عمله مضطر للتنقل بانتظام ،كما أن الإعدادية التي تم نقلها إليها توجد خارج المنطقة الحضرية لمدينة أكادير الشيء الذي استنتجت المحكمة عن صواب وجوب الاستجابة لطلب إيقاف تنفيذ مقرر النقل الذي يلحق ضررا محققا للطاعنة" .

-نقل الزوج دون الزوجة ممارسة تمييزية

إن قيام الإدارة بنقل زوج الطاعنة بمفرده بالمخالفة لقواعد الحركة الانتقالية ولرغبتهما المزدوجة في الانتقال،وعدم الاستجابة لطلب الزوجة ،يشكل إخلالا منها بقواعد تنظيمية تراعي المقاربة الحقوقية الدستورية الحديثة للنوع الاجتماعي وطنيا في اتجاه تفعيل مقاربة النهج الجنساني في السياسات والإدارات العمومية (التقريران الدوريان المجمعان للمغرب الثالث والرابع المقدم للجنة الدولية المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة ) ودوليا (اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة)من خلال إقرار الحماية القانونية لحقوق المرأة على قدم المساواة مع الرجل وضمان الحماية الفعالة للمرأة عن طريق المحاكم الوطنية ذات الاختصاص والمؤسسات العامة الأخرى من أي عمل تمييزي. - اتصال هذه القواعد بالنظام العام والمتصلة بمصلحة الأسرة وما يقتضيه واجب المساكنة الشرعية ،وما توفره من ثقة واطمئنان له أثر إيجابي على فعالية وجودة العمل الوظيفي المرتكز على ضمان الحق الدستوري في التعليمّ،يجعل الطعن مؤسس والقرار المطعون فيه مشوب بالتجاوز في استعمال السلطة وحليفه الإلغاء

3-المساواة في تولي الوظائف العمومية و في الاستفادة من خدمات المرفق العام

اعتبرت المحكمة الإدارية بمراكش بمقتضى حكمها الصادر بتاريخ 10/05/2000 “أن حرمان ومنع الطاعنة من حقها في الاستفادة من خدمات مرفق عمومي لأسباب لا علاقة لها بها وخارجة عن إرادتها يعتبر خرقا لمبدأ حق مساواة الجميع في الاستفادة من هذه الخدمات“.

4-المساواة بين الرجل و المرأة في تولي الوظائف القضائية

اعتبرت محكمة النقض بموجب قرارها الصادر بتاريخ 21 فبراير 2001 " أن الفصل 12 من الدستور لا يميز بين الرجل و المرأة في تولي منصب القضاء و كذا الظهير الشريف المكون للنظام الأساسي للقضاة لا تميز مقتضياته بين الجنسين للانخراط في سلك القضاء .بمقتضى الفصل السادس من الظهير المتعلق بالتنظيم القضائي للمملكة يمكن لكل غرفة من غرف محاكم الاستئناف و هي مكونة من قاضيات أن تحكم في كل القضايا المعروضة عليها أيا كان نوعها و إن تعلق الأمر بقضايا الأحوال الشخصية أي قضايا الأسرة.

5-مبدأ المساواة بين الرجل و المرأة في الانتفاع من الأراضي الجماعية

جاء في قرار لمحكمة النقض صادر بتاريخ 7 يونيو 2005 " إذا كان الفصل 12 من ظهير 26 أبريل 1919 بشأن تنظيم الوصاية على الجماعات السلالية وضبط تدبير الإدارة للأملاك الجماعية المعدل بظهير 6 فبراير 1963 ينص على عدم قابلية قرارات مجلس الوصاية للطعن فإن هذا المنع لا يمكن أن ينسحب إلى الطعن بالإلغاء بسبب تجاوز السلطة الذي يمكن القضاء من تسليط رقابته على مشروعية القرارات الإدارية

وقد سارت محكمة الاستئناف الإدارية على هدي اتجاه محكمة النقض في قرارها الصادر بتاريخ 27/12/2006 معتبرة أنه " إذا كان الفصل 12 من ظهير 26/4/1919 بشأن تنظيم الوصاية على الجماعات السلالية وضبط تدبير الإدارة للأملاك الجماعية قد نص على عدم قابلية مقررات مجلس الوصاية للطعن ، فإن هذا المنع لا يمكن أن ينسحب أثره إلى دعوى الطعن بالإلغاء الذي يمكن القضاء الإداري من بسط رقابته على مشروعية القرارات الإدارية وفحص مدى مطابقتها للقانون .

وبعد أن أكد القضاء الإداري مبدأ قابلية قرارات مجلس الوصاية للطعن تصدى لإشكالية جوهرية تتمثل في عدم استفادة الإناث من واجبهن من حقوق الانتفاع من الأراضي الجماعية إسوة بأشقائهم الرجال من الناحية العملية تمسكا بعرف قديم لا أساس له من القانون و الشريعة الإسلامية .

وهكذا جاء في حكم للمحكمة الإدارية بفاس صادر13 بتاريخ /01/1997 أن "حرمان الإناث من استغلال نصيب في أراضي الجموع رغم انتسابهم للجماعة السلالية تصرف غير مرتكز على سبب صحيح من الناحية القانونية والشرعية ومتسما بالتالي بالتجاوز في استعمال السلطة وماله الإلغاء“

إن قرار مجلس الوصاية بتخويل الإناث من استغلال نصيب في أراضي الجموع لانتسابهم للجماعة السلالية بصفتهن ورثة مثلهم مثل الذكور طبقا لقاعدة المساواة مراعاة لمقاربة النوع الاجتماعي تصرف مرتكز على سبب صحيح من الناحية الدستورية(الفصول 6 و 19 و 32من الدستور ) والشرعية" لقول الرسول صلى الله عليه وسلم "النساء شقائق الرجال في الأحكام" ،ولما تفرضه الاتفاقيات الدولية (المواد 1و2و 7 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، المواد 2و3و 26 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ، المادتين 2و 3 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، المواد 1و2 "و" (اتخاذ جميع التدابير المناسبة، لتغيير أو إبطال القائم من القوانين والأنظمة والأعراف والممارسات التي تشكل تمييزا ضد المرأة)و 3 و 15 من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة"سيداو" ) ،ويكون الطلب حوله غير مؤسس وحليفه الرفض.

وقد أيدت محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط هذا الاتجاه بمقتضى قرارها الصادر بتاريخ 20 يونيو 2007 معتبرة أنه "ليس لأراضي الجموع قانون موحد، بل إن هذا النوع من الأراضي يخضع جانب منه للشريعة الإسلامية، والجانب الآخر للقانون الوضعي وهو ظهير 17/04/1919 ويبقى العرف والعادات القبلية أهم العناصر التي يرتكز عليها نظام هذه الأراضي.

بالرجوع إلى القرار الوزاري الصادر في 14/08/1945 تنفيذا لظهير 27/04/1919 المتعلق بتنظيم الوصاية على أراضي الجموع، يتبين أن الفصل 10 منه ينص على أنه عند وفاة الشخص، يخول حق المنفعة إلى أحد ورثته أو إلى بعض ورثته الذين هم أعضاء الجماعة التي يعهد إليها باختيار الشخص الذي يحول إليه الحق المذكور.. وبالتالي فإن هذا المقتضى التنظيمي لم يميز بين الورثة الذكور أو الإناث بل جاء عاما.. فضلا عن أن أحكام الشريعة الإسلامية لا تميز في الإرث بين الذكر والأنثى" .

6-المناصفة الانتخابية

أصدرت المحكمة الإدارية بالرباط اجتهادا تاريخيا ومبدئيا يكرس المناصفة الانتخابية

ويبطل العملية الانتخابية التي لم تراع التمثيلية النسائية،لأن مجموعة من اللوائح الانتخابية المطعون فيها لم تنتخب فيها لمنصب نواب الرئيس أي مترشحة مطلقا أو لم يتم ترشيح فيها الحد الأدنى المتمثل في الثلث بالمخالفة للفقرة السادسة من المادة 17 من القانون التنظيمي 113-14 المتعلق بالجماعات الترابية الناصة على أنه " يتعين العمل على ان تتضمن لائحة ترشيحات نواب الرئيس عددا من المترشحات لا يقل عن ثلث نواب الرئيس " .

وهكذا أثيرت بصدد انتخاب مكاتب مجالس الجهات ومكاتب الجماعات إشكالية التمثيلية النسائية بين الوجوب والاختيار وما يترتب عنه من إبطال أو مشروعية بحسب الحالة للعملية الانتخابية. فانتصر عمل المحكمة الإدارية للرباط-بخصوص الحكم رقم : 4295بتاريخ : 01/10/2015ملف رقم : 362/7107/15،موضوع الطعن المتعلق بالغاء انتخاب المكتب الجماعي للرباط ،وكذا الحكم رقم 4193 بـتـاريخ 29/09/2015 ملف عدد : 350/7107/ 2015 موضوع الطعن المتعلق بالغاء انتخاب المكتب الجماعي لجماعة أولاد علي منصور قيادة بني حسان تطوان - لصحيح الدستور والقانون والاتفاقيات الدولية من خلال الارتقاء بمبدأ المناصفة إلى مبدأ إلزامي واجب الاحترام والنفاذ بقراءة اجتهادية تراعي روح التشريع وأسباب النزول وتستحضر الاتفاقيات الدولية وتبتغي تجاوز معيقات تحسين تمثيلية النساء سواء أكانت اجتماعية أو سياسية بفرض وجوب تحقيق المناصفة الانتخابية للدفع بالتمثيلية النسائية لمراكز القرار في المجالس الجماعية وتأهيلها للمساهمة في التنمية .

أسس الاجتهاد القضائي للمحكمة الإدارية بالرباط مرتكزاته الرصينة في تأسيس وجوب احترام مبدأ المناصفة على الأسس التالية :

1-تنصيص المشرع بصيغة الوجوب المتمثلة في عبارة "يتعين" على ضرورة مراعاة التمثيلية النسائية في تشكيلة المكتب المسير للجماعة بنسبة الثلث على الأقل، وهو مقتضى يبقى واجب التفعيل.
2- التدابير القانونية التي تفرضها المادة الثالثة من الاتفاقية الدولية المصادق عليها من طرف المغرب المتعلقة بمناهضة جميع أشكال التمييز ضد المرأة
3-التنزيل التشريعي المتدرج للمبدأ الدستوري المنصوص عليه في الفصل 19 من الدستور الذي يلزمها بالسعي نحو تحقيق المناصفة بين النساء والرجال.
4-أهداف وغايات المناصفة : ضمان مشاركة أوسع للمرأة في الحياة العامة عن طريق سن مجموعة من الإجراءات التي تستند إلى مبدأ التمييز الإيجابي لصالح المرأة بفرض حضورها في المجالس المنتخبة استنادا إلى مبدأ "الكوطا"، وذلك من أجل النهوض في مرحلة أولى بوضعها داخل المجتمع بما يساهم في تحقيق الشروط المجتمعية والسياسية التي تجعل المرأة قادرة على الوصول في مرحلة ثانية إلى مواقع المشاركة في الحياة السياسية بدون الحاجة إلى إجراءات التمييز الإيجابي المشار إليها، بمعنى أن هاته الأخيرة تبقى مجرد إجراءات مؤقتة ينقضي العمل بها عندما تتحقق المساواة الفعلية بين الرجل والمرأة في شتى المجالات بحكم الواقع وليس بالاستناد إلى مثل هاته التدابير.
5-تنزيل مبدأ التمثيلية النسائية على مستوى لوائح ترشيح نواب رئيس المجلس الجماعي يبقى مقيدا بعدم تحقق ما يجعل ضمان هذه التمثيلية متعذرا، وهو ما يعني أن الإلزام الوارد بالمقتضى القانوني المذكور لا ينصب على ضرورة مراعاة التمثيلية النسائية في لوائح الترشيح بشكل مطلق في جميع الأحوال، بل يتعلق فقط بضرورة مراعاة هاته التمثيلية كلما كان ذلك ممكنا.
6-تفسير مفهوم تعذر تطبيق المناصفة بالتعذر الموضوعي لا الشخصي،فرفض النساء المنتمين للائحة لا ينهض عذرا مقبولا لعدم مراعاة التمثيلية النسائية لأن صيغة المادة المذكورة حسب المحكمة قد فتحت المجال لعدم تطبيق مقتضياتها على إطلاقها في حال تعذر ذلك، بكونها حالة استثنائية لا يُتوسع في تطبيقها، الأمر الذي لا يستقيم معه تقدير هذا الظرف الاستثنائي من خلال معيار شخصي مرتبط مثلا برفض عضوات المجلس الجماعي الترشح ضمن لوائح نواب الرئيس استنادا إلى رغبتهن المجردة في عدم الترشح بدون تبريرها بمعطى موضوعي مقبول، لأن ضمان مشاركة المرأة في مكتب الجماعة ليس حقا شخصيا للمرأة المنتخبة فحسب، وإنما هو حق لكل المجتمع الذي يفترض أن يكون هذا المقتضى القانوني قد جاء معبرا عن تطور المشترك الثقافي بين أفراده وبلوغه المدى الذي ساد معه الاقتناع بضرورة الدفع بالمرأة نحو مراكز القرار، بما يساهم في تحقيق مبدأ المساواة بينها وبين الرجل باعتبار تنزيل هذا المبدأ من مداخل التنمية والتطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ،لأنه كما ذهبت إليه المحكمة عن حق أن ضمان مشاركة المرأة في مكتب الجماعة أنه ليس حقا شخصيا للمرأة المنتخبة فحسب، وإنما هو حق لكل المجتمع.

7-تنصيص المشرع على اللائحة النسائية في الانتخابات الجماعية يعني استحضار مبدأ انسجام النصوص القانونية وتكاملها نحو تحقيق المناصفة،لأن القبول بالمشاركة في اللائحة هو قبول للمشاركة في نتائجها، فاعتبرت المحكمة أن القانون التنظيمي رقم 59.11 المتعلق بانتخاب أعضاء المجالس الترابية جاء قاطعا في إلزامه بتخصيص عدد من المقاعد النسائية بما يضمن حضور المرأة بشكل مسبق في المجالس الجماعية، لذلك لا يبقى للنساء اللواتي اخترن الترشح لعضوية هاته المجالس المجال بعد ذلك للرفض المستند إلى مجرد الرغبة الشخصية في عدم الترشح في لوائح نواب الرئيس، لأن مثل هذا الرفض يعاكس أهداف المشرع ويفرغ جميع المقتضيات القانونية ذات الصلة من مضمونها، ولأن فوز المترشحات في الانتخابات المتعلقة بأعضاء مجلس الجماعة بعد قبولهن المشاركة فيها يستتبع ضرورة التزامهن بما يترتب عن هذه العضوية من واجبات يقتضيها المنصب الانتخابي الذي سعين إلى الترشح له، و يقتضي انضباطهن لما يفرضه القانون من ضرورة مشاركة النساء بنسبة الثلث كحد أدنى في لوائح الترشيح لنواب الرئيس تحقيقا لأهداف المشرع ولحق المجتمع في ضمان الحضور الفعال للمرأة في تسيير المجلس الجماعي. غير أن تحقق حالة التعذر لسبب موضوعي خارج عن الرغبة المجردة للمنتخبات يجعل لوائح الترشيحات المقدمة بدون التوفر على نسبة الثلث من النساء صحيحة، كما في الحالة التي يكون فيها الحزب أو التحالف الحزبي الذي قدم اللائحة غير متوفر على عدد كاف من المنتخبات في المجلس الجماعي لهن نفس الانتماء لهذا الحزب أو لأحزاب التحالف.
ودللت المحكمة غياب السبب الموضوعي المبرر للنزول كليا أو جزئيا عن مبدأ المناصفة في الطعن المتعلق بانتخاب مكتب المجلس الجماعي بالرباط بكون الثابت من خلال ما راج بجلسة البحث المجرى في النازلة أن عدد نواب الرئيس بالمجلس الجماعي لمدينة الرباط هو عشرة أعضاء وأن لائحة النواب التي تقدم بها رئيس المجلس وفازت بالرتبة الأولى تضمنت ثمانية مرشحين ذكور ومرشحتين من النساء فقط، مما يجعلها مخالفة للقانون ما دام أن العدد المطلوب لبلوغ عتبة الثلث على الأقل في النازلة هو أربع مرشحات كحد أدنى، وهو ما كان بالإمكان تحقيقه ما دام أن من بين أعضاء المجلس الجماعي للرباط توجد 13 عشر عضوا من العنصر النسوي تنتمين للتحالف الحزبي المُمَثّل في لائحة نواب الرئيس الفائزة حسب الثابت من جلسة البحث، منهن ثمان نساء عن حزب العدالة والتنمية واثنتين عن حزب التجمع الوطني للأحرار وواحدة عن حزب الاتحاد الدستوري وواحدة عن حزب الحركة الشعبية وأخرى غير منتمية حزبيا، مما يتضح معه أنه كان من المتيسر تقديم عدد من المرشحات بما يحقق نسبة الثلث أو أكثر طالما أنه لم يثبت تعذر ترشيحهن استنادا إلى مبرر موضوعي مقبول.

فيحين استندت المحكمة في تبريرها المقنع على غياب السبب الموضوعي المبرر لتجاوز مبدأ المناصفة في الطعن المتعلق بانتخاب مكتب المجلس الجماعي لجماعة أولاد علي منصور قيادة بني حسان دائرة تطوان في كون أن عدد نواب الرئيس بجماعة أولاد علي منصور هو أربعة أعضاء وأن لائحة النواب التي تقدم بها رئيس المجلس وفازت بالرتبة الأولى لا تتضمن أي مرشحة بالرغم من أن تطبيق نسبة الثلث على الأقل المفروضة بنص المادة 17 أعلاه يقتضي أن تتضمن هاته اللائحة الفائزة مرشحتين كحد أدنى، مما يجعلها مخالفة للقانون خاصة أن من بين أعضاء المجلس الجماعي يوجد أربع عضوات من النساء وكان بالإمكان تضمين اللائحة مرشحتين أو أكثر في ظل عدم ثبوت تعذر ترشيحهن استنادا إلى مبرر موضوعي مقبول".

وهكذا تبين لنا من مختلف الاجتهادات القضائية التي تعرضنا لها القيمة القانونية التي تكتسيها و التي تتوافق مع النصوص الدستورية أو ذات القيمة الدستورية التي تؤكد على مبدأ المساواة بين الرجل و المرأة ولو من منطلق التمييز الإيجابي في إطار مقاربة النوع الاجتماعي.