في هذا "البورتري"، المثير، يسرد الإعلامي الشهير خالد الجامعي، نبذة عن حياة المعارض السوداني الراحل حسن الترابي، كما يسلط الضوء على أهم مواقفه السياسية والإديولوجية التي جعلت منه شخصية مثيرة للجدل.

بورتريه ـ  "هناك من يقول بأن هناك ناكر ومنكر وعذاب داخل القبر وهذا غير صحيح لان الإنسان حين يموت تصعد روحه إلى السماء وأما الجسد فيتأكل وينتهي ولا يبعث مرة أخرى وإنما يقوم الله تعالى بخلق جسد جديد من الطين الذي خلق منه الإنسان بالروح نفسه"، هي واحدة من فتاوي حسن الترابي، المثيرة والغريبة، والتي خلفت ردود فعل متباينة في صفوف من عاشروه من مفكرين ورجال دين وأدباء.

نشأته

نشأ حسن الترابي في عائلة متدينة، ودرس الحقوق في جامعة الخرطوم وحصل على ماجستير من جامعة أكسفورد ودكتوراه الدولة من جامعة السوربين وكان يتقن أربع لغات بفصاحة وهي العربية والانجليزية والفرنسية والألمانية، عُرفت عنه البشاشة وخفة الدم مما جعله قبلة للصحافيين الأجانب، ودخل مجال السياسة مبكرا مما جعله يعتلي كراسي الوزارة و يعرف غياهب السجون.

كان في شبابه حاملا للفكر الظلامي المتطرف مدافعا على تطبيق الشريعة وحدودها -التي أكل الدهر عليها وشرب- مناضلا في صفوف تنظيم الإخوان المسلمين حتى أصبح أحد قادته البارزين بالسودان، قبل أن ينفصل عن هذا التنظيم الإسلامي فيما بعد. وتوفي يوم 5 مارس 2016.

تمرده على الفكر المحافظ

عُرف على حسن الترابي أنه كان صديقا حميما لزعيم تنظيم القاعدة أسامة لادن حيث استقبله ورعاه في السودان عندما كان مضطهدا، ويعد من بين أشهر العلماء في العالم الإسلامي ومن أبرز المجتهدين في مجال الفكر والفقه الإسلامي.

تطور فكره وانفتح عقله وخرج من سرب العلماء التقليدين المحافظين، مطلقا قولته الشهيرة : "في العهود الأخيرة حيث أصبحت كلمة الشريعة تعني الأحكام القضائية لا الخلقية . وأصبحت مدارس الشريعة تقتصر على أحكام الظاهر القطعية المناسبة للنفاذ القضائي والسلطة السياسية."

أصبح الترابي بعد هذه الصحوة الفكرية ينادي بإصلاح عميق في الفكر الإسلامي والفقه الإسلامي، الشيء الذي سبب له متاعب كثيرة كادت أن تودي بحياته، كتعرضه لطعنه بالسلاح الأبيض في أوطاوا بكندا.

الترابي، كان شخصا مثيرا للجدل حيث اتهم من طرف التنظيمات الإسلامية وقياداتها المتطرفة، بإصدار فتاوى تخالف قطعيات الدين واتهم بالردة والزندقة، في العديد من المناسبات.

فتاويه المثيرة للجدل

خلقت فتاوى حسن الترابي -كما سبقت الإشارة إلى ذلك- جدلا واسعا وصل إلى حد تكفيره وإهدار دمه وتصنيفه في خانة "المغضوب عليه" آنذاك، خاصة خلال إصداره لفتاوى تلامس الحياة الإجتماعية وتناقض ما جاءت به الأعراف والتقاليد والشريعة.

ومن بين أشهر هذه الفتاوى المثيرة، تلك التي أحل فيها زواج المرأة المسلمة باليهودي أو المسيحي، حيث قال إن تحريم هذا الزواج هو مجرد أوهام وتظليل الهدف منها جر المرأة إلى الوراء مستندا في ذلك إلى قصة "زينب ابنة الرسول وزواجها بغير مؤمن وأن الرسول بعد زواج ابنته لم يكتب لهما عقدا جديدا في الإسلام "

الترابي، قال أيضا:" إن الحجاب يعني الستار في الحجرة ولاشيء آخر أما فيما يخص الخمار فهو ماي غطي الرأس وكان موجودا في الجاهلية مثله مثل الطارهة والشال، مؤكدا أن هناك خمارا للرجل أي عمامته و هو ما نسميه في المغرب "الرزة والشاش" وهو نسيج رقيق من القطن يستعمل للف العمامة وكغطاء للرأس والوجه وهو منتشر في مناطقنا الصحراوية.

فتاوى أخرى، اعتبرت غريبة، صرح بها الترابي، وتبناها، تتمثل في قوله: إن للمرأة الحق في أن تقود الجماعات السياسية والأحزاب السياسية"، وكذا "إن مشاركة المرأة في إدارة الدولة تجعل الحكامة أحكم وأدق"، فضلا عن إجازته "إمامة المرأة في الصلاة بالمسلمين ذكورا وإناثا إذا كانت أعلم وأتقى، كما أجاز لها بأن تكون مؤذنة".

هذا السياسي، المثير للجدل، أقر بأن المرأة لم تخلق من ظلع أدم لان الله خلقنا من نفس واحدة، كما جزم بأن الإسلام أقر المساواة بين المرأة والرجل وفضلها بالولادة والرضاعة، وعلاوة على ذلك أقر الترابي بأن شهادة المرأة تساوي شهادة الرجل وتوازيها، بل تكون أحيانا أفضل منه وأعلم وأقوى.

وفي ما يخص عذاب القبر أكد الترابي، أن هناك من يقول بأن "هناك ناكر ومنكر وعذاب داخل القبر"، مشيرا إلى أن "هذا غير صحيح لان الإنسان حين يموت تصعد روحه إلى السماء وأما الجسد فيتآكل وينتهي ولا يبعث مرة أخرى وإنما يقوم الله تعالى بخلق جسد جديد من الطين الذي خلق منه الإنسان بالروح نفسها".

وعرج الترابي للحديث عن ليلة القدر، حيث أكد أنه لاتوجد ليلة القدر بالمعنى الذي يتصوره أو يصوره بعض الناس وإنما هي مناسبة تشبه العيد مثل غزوة بدر التي كانت مناسبة فاصلة بين الإيمان والكفر.

واشتهر حسن الترابي، بمعارضته الشديدة لختان الإناث، في العالم العربي عموما وفي السودان على وجه الخصوص، حيث دعا إلى منعه، واعتبره مجزرة تذهب ضحيتها مايفوق 150 مليون طفلة وامرأة كما تذهب ضحيته 4 ملايين طفلة أعمارهن تتراوح بين 4 سنوات و12 سنة.

على نهج جمال الدين الأفغاني

يتلاقى الترابي في فتاويه مع فتاوي كل من جمال البنا وأحمد صبحي منصور وكلاهما تخرجا من  الأزهر فالأول هو أخ حسن البنا مؤسس جماعة "الإخوان المسلمين"، إلا أنه كان على نقيض فكره، حيث أقر هو الآخر بحق المرأة في الإمامة وبأن الحجاب ليس فرضا وبأن للمرأة المسلمة الحق في الزواج باليهودي والمسيحي وأن المرتد من الإسلام إلى اليهودية أو المسيحية لا يلزم عليه حق القتل كما أكد أن التدخين في رمضان وتبادل القبل بين الجنسين لا يفطران، وأجاز أيضا الزواج بدون ولي ولا شهود شريطة التراضي.

جمال البنا، له 150 مؤلفا، أما أحمد صبحي منصور فقد كان مدرسا في الأزهر تم فصل في الثمانينات بسبب أفكاره المتنورة فهاجر إلى الولايات المتحدة ودرس في جامعة هارفارد.

ويعد أحمد صبحي منصور من المعارضين الأشداء للجماعات التكفيرية، حيث أقر بأن النبي لم يكن أميا وأن الصلاة يجب أن تقوم بذكر الله وحده، كما كذب كل ما يخالف القرآن من كتب السيرة والأحاديث وأجاز كذلك زواج المسلمة من أهل الكتاب، على غرار البنا والترابي.

وتعتبر هذه الثلة من المجتهدين والمجددين في الفكر الاسلامي والفقه الإسلامي إحدى رواسب نهج جمال الدين الأفغاني، محمد عبده، طه حسين، وعلي عبد الرازق مؤلف كتاب "الإسلام وأصل الحكم"، والذي كان يدعو فيه إلى فصل الدين عن السياسة بالقول "لقد ترك الله الحرية في كتابه للمسلمين في إقامة هيكلة الدولة على أن تلتزم بتحقيق المقاصد الكلية للشريعة".