في مثل هذا اليوم  من سنة 2011 دعا الملك محمد السادس إلى تعديل دستوري شامل يرتكز على الإرتقاء بالقضاء إلى سلطة مستقلة مع توطيد مبدأ فصل السلط وتوزانها، داعيا إلى  تقوية مكانة الوزير الأول  كرئيس لسلطة تنفيذية فعلية يتولى المسؤولية الكاملة على الحكومة والإدارات العمومية وقيادة وتنفيد البرناج الحكومي، داعيا أيضا إلى تعزيز منظومة حقوق الإنسان في كل أبعادها و ترسيخ دولة الحق والمؤسسات وتوسيع مجال الحريات الفردية والجماعية وإلى تعزيز مشاركة النساء في تدبير الشأن الجهوي خاصة والسياسة عامة مع العمل على الوصول إلى جهات متوازنة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا..

وبدل  تعزيز منظومة حقوق الإنسان، صُدم المغاربة لهول ما تناقلته وسائل الإعلام حين ظهرت وجوه الأساتذة المتدربين وقبله الأساتذة المجازين تغطيها الدماء، فيما بسطاء "ولاد سبيطة" قرب القنيطرة يقادون إلى السجون المغربية، إرضاء لشركة "الضحى" بعد استحاوذها على أراضي أجدادهم، باسم الملك محمد السادس، بعد أن أوهموهم أن الأخير هو من يريد هذه الأرض، وبدل أن  تشارك المرأة في التدبير الجهوي، كما دعا إلى ذلك الملك، اعتلى  الذكور مناصب الرئاسة في كل الجهات فيما حافظت الحكومة ومعظم المؤسسات العمومية على تركيبتها الذكورية رغم تنصيص الفصل 19 على المناصفة!

وبدل ترسيخ دولة الحق والقانون، توبع صحافيون مستقلون في إطار شكايات كيدية، كان وراءها رجال نافذون في الدولة المغربية، قبل إدانتهم بأحكام خيالية،  وبدل توسيع مجال الحريات الفردية والجماعية، ظلت الدولة تتفرج على متطرفين ينشرون الكراهية بين المواطنين ويكفرون الكتاب والسياسيين على مجرد آراء، فاتحة لبعض هؤلاء المتطرفين قاعاتها العمومية لنشر "خرافاتهم وهرطقاتهم" المؤسسة للتطرف،  في وقت منعت فيه عشرات الجمعيات الحقوقية من تجديد مكاتبها ومنع آخرين من تأسيس جمعياتهم، وتنظيم آخرين لأنشطتهم داخل الفضاءات العامة، بل والأفظع الدخول في "حرب" طاحنة مع الجمعيات وصلت حدود التشكيك في وطنية أعضائها، مع الإستمرار في منع فنانين من استغلال المرافق العمومية أبرزهم الفنان أحمد السنوسي و الفنان رشيد غلام!

وبدل أن يرى المغاربة القضاء سلطة مستقلة توازي قوتها قوة باقي السلطتين، صُدم المغاربة وهم يسمعون بأذانهم ويشاهدون بأم أعينهم رئيس السلطة التنفيذية "يعتدي" على قاضي يبث في ملف "قاضي طنجة"، فيما زميله وزير العدل يمارس تأثيره على القضاة بطرقه الخاصة، قبل أن يفاجأ المغاربة  بالملك يصادق على اقتراحات تقضي بعزل قضاة شرفاء ونزهاء، وإعدامهم وظيفيا وماديا، في وقت جرت فيه الموافقة على تمتيع قضاة "فاسدين" بحقوقهم في التقاعد بل وبتنقيلهم بين المحاكم بدل متابعتهم جنائيا! بل والأخطر والأفظع جرت الموافقة على عزل قاضي اعترفت الدولة بنفسها في شخص ممثلها في قطاع العدل، بخلله العقلي والنفسي، قبل الموافقة على عزل قاضي أبدى موقفا علميا وقانونيا تحت مسوغ أنه  أبدى موقفا سياسيا في وقت جرى فيه التستر على قاضي معروف تاريخيا بولائه لوزارة الداخلية قبل ولائه لحزب العدالة والتنمية، بعد أن أبدى موقفا سياسيا واضحا لا غبار عليه، والطريف أن هذا الولاء السياسي عبر عنه أمام الصحافة وأمام أعين الوزير وعلى مسامعه!

وبدل رؤية رئيس الحكومة  كرئيس حقيقي لسلطة تنفيذية فعلية يتولى المسؤولية الكاملة على الحكومة والإدارات العمومية وقيادة وتنفيد البرنامج الحكومي، ظهر رئيس الحكومة كما لو أنه دمية تحركها أطراف من خارج الحكومة، يصفها تارة بالتماسيح وتارة اخرى بالعفاربت، عاجزا أمام مجرد موظفة في القناة الثانية، تفعل بمشاعره الحزبية والدينية والحكومية ماتشاء، متشكيا من منع أنشطته الحزبية في طنجة وآسفي،  وعندما أعيته الحيلة وضاقت به السبل، لم يتردد في الجهر بضعفه صراحة ودون أن يرف له جفن "أنا مجرد رئيس حكومة، الملك هو من يحكم في المغرب لا يمكنني أن اكذب على المغاربة"! بعد أن باع الوهم للعالم وللمغاربة، غداة تشكيل حكومته، بأنه رئيس حكومة فعلي وبأن تجربته الحكومية فريدة في المنطقة المغاربية والعربية!

وهكذا صارت الأمور فحين رأت الدولة الشوارع العربية تغلي بالإنتفاضات سارعت إلى الإحتماء بالسياسة، عبر إطلاق العنان لأوراش الدستور والإنتخابات والنقاشات العمومية حول الجهوية وإصلاح القضاء، وفتح مفاوضات مع الحركات الإحتجاجية، وعندما انطفأت جدوة الأمل في الشارع وساد اليأس وتراجعت الحركة إلى الخلف سارعت الدولة إلى تغيير لغة السياسة بلغة الأمن فكانت الحوادث التي تعرفونها جميعا.

وتبقى  أسئلة شائكة دون جواب عنها لحد الساعة، وهي ما مدى مسؤولية كل الفاعلين المؤترين في الفعل السياسي في ما آلت إليه الأوضاع اليوم؟  وهل كان بنكيران شريك فيما جرى، أم تعرض بدوره لعملية نصب؟  لماذا انقلبت الدولة على خطاب تاسع مارس حقوقيا وسياسيا؟  لماذا غيرت الدولة لغة السياسة بلغة الأمن بعد سكون الأوضاع الإحتجاجية؟ لماذا تصر الدولة على إعادة صياغة مشروع التحكم في كل مفاصل الدولة، من خلال بعث وإحياء النزعة التحكمية، عبر قتل الفعل السياسي والحقوقي وتصفية ما تبقى من صحافة حرة وتطهير مؤسسات الدولة من كل حس نقدي؟ ثم كيف ستنقد الدولة نظامها السياسي إذا هبت رياح "شرقية" أو "غربية" جديدة؟ وأما السؤال المؤلم والمحير فهو : من أجهض "أحلام" خطاب تاسع مارس، وما مدى مسؤولية كل طرف في هذا الإجهاض من الفاعل المهيمن إلى الفاعل التابع؟