من أجهض “أحلام” خطاب تاسع مارس؟

33
طباعة
في مثل هذا اليوم  من سنة 2011 دعا الملك محمد السادس إلى تعديل دستوري شامل يرتكز على الإرتقاء بالقضاء إلى سلطة مستقلة مع توطيد مبدأ فصل السلط وتوزانها، داعيا إلى  تقوية مكانة الوزير الأول  كرئيس لسلطة تنفيذية فعلية يتولى المسؤولية الكاملة على الحكومة والإدارات العمومية وقيادة وتنفيد البرناج الحكومي، داعيا أيضا إلى تعزيز منظومة حقوق الإنسان في كل أبعادها و ترسيخ دولة الحق والمؤسسات وتوسيع مجال الحريات الفردية والجماعية وإلى تعزيز مشاركة النساء في تدبير الشأن الجهوي خاصة والسياسة عامة مع العمل على الوصول إلى جهات متوازنة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا..

وبدل  تعزيز منظومة حقوق الإنسان، صُدم المغاربة لهول ما تناقلته وسائل الإعلام حين ظهرت وجوه الأساتذة المتدربين وقبله الأساتذة المجازين تغطيها الدماء، فيما بسطاء “ولاد سبيطة” قرب القنيطرة يقادون إلى السجون المغربية، إرضاء لشركة “الضحى” بعد استحاوذها على أراضي أجدادهم، باسم الملك محمد السادس، بعد أن أوهموهم أن الأخير هو من يريد هذه الأرض، وبدل أن  تشارك المرأة في التدبير الجهوي، كما دعا إلى ذلك الملك، اعتلى  الذكور مناصب الرئاسة في كل الجهات فيما حافظت الحكومة ومعظم المؤسسات العمومية على تركيبتها الذكورية رغم تنصيص الفصل 19 على المناصفة!

وبدل ترسيخ دولة الحق والقانون، توبع صحافيون مستقلون في إطار شكايات كيدية، كان وراءها رجال نافذون في الدولة المغربية، قبل إدانتهم بأحكام خيالية،  وبدل توسيع مجال الحريات الفردية والجماعية، ظلت الدولة تتفرج على متطرفين ينشرون الكراهية بين المواطنين ويكفرون الكتاب والسياسيين على مجرد آراء، فاتحة لبعض هؤلاء المتطرفين قاعاتها العمومية لنشر “خرافاتهم وهرطقاتهم” المؤسسة للتطرف،  في وقت منعت فيه عشرات الجمعيات الحقوقية من تجديد مكاتبها ومنع آخرين من تأسيس جمعياتهم، وتنظيم آخرين لأنشطتهم داخل الفضاءات العامة، بل والأفظع الدخول في “حرب” طاحنة مع الجمعيات وصلت حدود التشكيك في وطنية أعضائها، مع الإستمرار في منع فنانين من استغلال المرافق العمومية أبرزهم الفنان أحمد السنوسي و الفنان رشيد غلام!

وبدل أن يرى المغاربة القضاء سلطة مستقلة توازي قوتها قوة باقي السلطتين، صُدم المغاربة وهم يسمعون بأذانهم ويشاهدون بأم أعينهم رئيس السلطة التنفيذية “يعتدي” على قاضي يبث في ملف “قاضي طنجة”، فيما زميله وزير العدل يمارس تأثيره على القضاة بطرقه الخاصة، قبل أن يفاجأ المغاربة  بالملك يصادق على اقتراحات تقضي بعزل قضاة شرفاء ونزهاء، وإعدامهم وظيفيا وماديا، في وقت جرت فيه الموافقة على تمتيع قضاة “فاسدين” بحقوقهم في التقاعد بل وبتنقيلهم بين المحاكم بدل متابعتهم جنائيا! بل والأخطر والأفظع جرت الموافقة على عزل قاضي اعترفت الدولة بنفسها في شخص ممثلها في قطاع العدل، بخلله العقلي والنفسي، قبل الموافقة على عزل قاضي أبدى موقفا علميا وقانونيا تحت مسوغ أنه  أبدى موقفا سياسيا في وقت جرى فيه التستر على قاضي معروف تاريخيا بولائه لوزارة الداخلية قبل ولائه لحزب العدالة والتنمية، بعد أن أبدى موقفا سياسيا واضحا لا غبار عليه، والطريف أن هذا الولاء السياسي عبر عنه أمام الصحافة وأمام أعين الوزير وعلى مسامعه!

وبدل رؤية رئيس الحكومة  كرئيس حقيقي لسلطة تنفيذية فعلية يتولى المسؤولية الكاملة على الحكومة والإدارات العمومية وقيادة وتنفيد البرنامج الحكومي، ظهر رئيس الحكومة كما لو أنه دمية تحركها أطراف من خارج الحكومة، يصفها تارة بالتماسيح وتارة اخرى بالعفاربت، عاجزا أمام مجرد موظفة في القناة الثانية، تفعل بمشاعره الحزبية والدينية والحكومية ماتشاء، متشكيا من منع أنشطته الحزبية في طنجة وآسفي،  وعندما أعيته الحيلة وضاقت به السبل، لم يتردد في الجهر بضعفه صراحة ودون أن يرف له جفن “أنا مجرد رئيس حكومة، الملك هو من يحكم في المغرب لا يمكنني أن اكذب على المغاربة”! بعد أن باع الوهم للعالم وللمغاربة، غداة تشكيل حكومته، بأنه رئيس حكومة فعلي وبأن تجربته الحكومية فريدة في المنطقة المغاربية والعربية!

وهكذا صارت الأمور فحين رأت الدولة الشوارع العربية تغلي بالإنتفاضات سارعت إلى الإحتماء بالسياسة، عبر إطلاق العنان لأوراش الدستور والإنتخابات والنقاشات العمومية حول الجهوية وإصلاح القضاء، وفتح مفاوضات مع الحركات الإحتجاجية، وعندما انطفأت جدوة الأمل في الشارع وساد اليأس وتراجعت الحركة إلى الخلف سارعت الدولة إلى تغيير لغة السياسة بلغة الأمن فكانت الحوادث التي تعرفونها جميعا.

وتبقى  أسئلة شائكة دون جواب عنها لحد الساعة، وهي ما مدى مسؤولية كل الفاعلين المؤترين في الفعل السياسي في ما آلت إليه الأوضاع اليوم؟  وهل كان بنكيران شريك فيما جرى، أم تعرض بدوره لعملية نصب؟  لماذا انقلبت الدولة على خطاب تاسع مارس حقوقيا وسياسيا؟  لماذا غيرت الدولة لغة السياسة بلغة الأمن بعد سكون الأوضاع الإحتجاجية؟ لماذا تصر الدولة على إعادة صياغة مشروع التحكم في كل مفاصل الدولة، من خلال بعث وإحياء النزعة التحكمية، عبر قتل الفعل السياسي والحقوقي وتصفية ما تبقى من صحافة حرة وتطهير مؤسسات الدولة من كل حس نقدي؟ ثم كيف ستنقد الدولة نظامها السياسي إذا هبت رياح “شرقية” أو “غربية” جديدة؟ وأما السؤال المؤلم والمحير فهو : من أجهض “أحلام” خطاب تاسع مارس، وما مدى مسؤولية كل طرف في هذا الإجهاض من الفاعل المهيمن إلى الفاعل التابع؟

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

8 تعليقات

  1. jamal يقول

    je crois pas que le roi qui a ordonné de renouveler la constitution n’est pas au courant de tt cequi se passe,s’il a vraiment la volonté du changement il l’aurait imposer c lui le chef de l’état la constitution ou l’indépendance de la justice ne va pas dans l’intêret du régime c pour celà qu’il les a gardés tjrs perturbés et c tjrs lui qui intervient pour secourir quand ça lui plait.jamais un régime dictatoriel ne cédera sans le lui imposer et le malheur qu’à part qqs intelectuels tous les partis apprécient cet te façon dont est géré l’état personne ne s’y oppose parce que ces grands Hommes sont rares et que chacun cherche les opportunités pour voler d’avantage

  2. simohamed يقول

    انت تطرح السؤال وكأن ليس له جواب. الذي أجهظ المسيرة هو المخزن بكل تجلياته. لكن الجديد في الأمر هو أن بن كيران تعفرت أكثر ممن انتقدهم على المواطن البسيط وأصبح في أقل من 5 سنوات تمساحا لا يشق له غبار. اتمنا ان يوفق بعد خروجه من الحكومة ليصبح مستشارا لأجل أن لا تضيع في خبرته الدولة العميقة.

  3. ملاحظ يقول

    يجب متابعة رئيس الحكومة بتهمة خيانة الأمانة ومخالفة وانتهاك الدستور،والتلاعب بمشاعر المواطنين

  4. بويحيا عبد الرحمان يقول

    الجواب عن السؤال:
    1- لا يمكن لمفسدين أن يصلحوا المغرب من الفساد
    2- الحاكمون لهم جميع الصلاحيات فوق القانون و خارج الدستور أن يفعلوا ما يشاؤون تحت حماية مفسدين أكبر منهم ، أي دوائر متعددة من المفسدين تحيط و تتقوى ببعضها البعض يوميا ، و تستعمل أحدث الأساليب المتنوعة لاستمرار الفساد و الريع في كل الإدارات و المؤسسات، القوانين التي توضع من طرف السلطة التشريعية (البرلمان و مجلس المستشارين) شوفو البرلمانيين و غادي يبان ليكم التشريع أين يصب أفي مصلحة الحاكمين أم المحكومين أفي صالح البسطاء أم في صالح المافيات …

    الانتخابات والتقطيع الانتخابي و الزرادي ..
    المؤسسات تتحكم جهات في عدد أعضائها تعين منها الأغلبية و تتحكم في الباقي 1 من هنا و 2 من هناك …

  5. marocain يقول

    الجواب الكافي :
    حراك الشعب المغربي بكل أطيافه أربكت دار المخزن الذي كان بصدد
    التنازل عن عدة أمور لإرضاء الشعب المغربي لكن النّخبة التي ركبت
    على هذا الحراك والتي قدمت الوعود من أجل القضاء على الفساد و
    المفسدين مقابل الوصول الى السلطة هي المسؤولة عن إجهاض المكاسب
    التي حققها الشارع في ٢٠فبراير.

  6. محمد لمين يقول

    السؤال الذي طرحته في العنوان جوابه بسيط. الملك ومع الربيع العربي وخوفا من عدوى هذا الاخير…اعطى وعودا باجراء اصلاحات… ولما اتضحت الرؤيا …وتراجع المد الجماهيري انقلب عليه. اذا جوابا على سؤالك. الملك هو من اجهض مايسمى بالاصلاحات.. هده الخلاصة…لاتتطلب استحضار نظريات John rawles. بل يمكن لاي عجوز في قرية نائية. ان تخبرنا بها. الاشكال هو في جبن وانتهازية النخب. ان كانت حقيقة تستحق هذا التوصيف .حيث عوض ان تسمي الاشياء بمسمياتها. تراها تجري وراء الكومبارس. فاحيانا تتهم الياس العمري.. او بنكيران او الرميد..او الهمة …لقد اشتقنا حقيقة لكتابات الرجال…علي المرابط وابوبكر الجامعي…ومن اخر؟ لاا عرف. اما علي انوزلا فاعتقد انه ترجل في منتصف الطريق. اخي المهداوي ربما انت من تبقى. بعد ان نجح المخزن..في تشريد الصحافة المستقلة.

  7. كاره الظلاميين يقول

    الذين حلموا لا يفقهون شيئا في سياسة النظام بشكل خاص والسياسة المغربية بشكل عام

  8. محمد ناجي يقول

    حبل الكذب قصير
    جوابا على السؤال/العنوان : “من أجهض أحلام خطاب تاسع مارس ؟”
    أقول : الذي أجهضها ـ في نظري ـ هو ضعف رئيس الحكومة الذي لم يجد في نفسه الكفاءة اللازمة والثقة القوية في النفس ليستعمل كل صلاحياته التي خولها له الدستور؛ حيث اعتقد أنه بتنازله عن تلك الصلاحيات وجعل نفسه مجرد سامع مطيع سيرسخ مكانته داخل الدولة ، وسيجعله ذلك يستفيد من ضمانات قوية للبقاء حيث هو لفترتين أخريين أو ربما أكثر ..
    وفي نفس الوقت ظل يُــصَــرِّف الوعود والأوهام للشعب ، ويدغدغ مشاعرهم بالآيات التي يحرفها عن سياقاتها، ويختلق الأعداء والخصوم الوهميين، ويظهر بمظهر الإنسان الرقيق المشاعر والأحاسيس ، المتمسك بالأخلاق الإسلامية ، المغلوب على أمره أمام أخطبوطات الفساد، المصلح العفيف المتسامح الذي يعمل من اجل الإصلاح في ظل الاستقرار ، العافي عن الآثمين واللصوص ممن نهبوا أموال الشعب قبله (عفا الله عما سلف) ..
    بمعنى انه اعتقد ـ بعبقريته الفذة ـ أنه قادر على اللعب على جميع الحبال : مداراة أعلى هرم السلطة في الدولة، ودغدغة مشاعر القاعدة، والتودد للتماسيح والعفاريت وطمأنتهم على أوضاعهم، ومسروقاتهم، وامتيازاتهم، وريعهم
    وما دامت هذه كلها سلوكات تقوم على الكذب أو النفاق ، أو هما معا؛؛
    وما دام حبل الكذب قصير ـ كما يقال ـ ؛؛
    فإن النتيجة كانت أن هذه السياسة ، أو الاستراتيجية التي أراد أن يستعملها ليخادع بها الجميع؛ لم تتمكن حتى من إيصاله إلى آخر المحطة الأولى بأمن وسلام؛ حيث سيقضي ما تبقى من فترة رئاسته في إقامة إجبارية داخل سيارة مصفحة ،،
    فهل يمكن بعد هذا أن يستمر في طموحه وأحلامه ؟
    لقد أجهض بنكيران أحلامَ المغاربة ،، فأجهض المغاربة أحلامه ؛ والبادئ أظلم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.