في مثل هذا اليوم من سنة 2011، وجه الملك محمد السادس خطابا وُصف بـ"التاريخي" من طرف البعص، فيما وصف الزميل رشيدي نيني على عموده في يومية "المساء" الملك بـ"محمد الثائر"، بينما قال الزميل بوعشرين على يوميته "أخبار اليوم" "الملك أسقط النظام" وغيرها من الأوصاف والتقديرات التي همت حدثا يُجمع معظم المغاربة على أنه كان حدثا تاريخيا بحكم ما تضمنه الخطاب من مرتكزات وخارطة طريق جريئة، خاصة وأنه جاء بعد أيام قليلة فقط عقب الخروج الأول للحراك الشبابي المغربي في 20 فبراير.

وفي هذا السياق، اعتبر المحلل السياسي والأستاذ الجامعي الموساوي العجلاوي، أن المحصلة العامة بعد خمس سنوات على خطاب الملك لـ" 9مارس"، " أن هناك فرق كبير بين الخطاب من جهة والوثيقة الدستورية من جهة أخرى، وأن الأسوء من هذا وذاك هو عدم أجرأة هذه الوثيقة الدستورية على أرض الواقع".

وأوضح العجلاوي في حديثه لـ"بديل"، " أن خطاب الملك في التاسع من مارس 2011، يحيل على مرحلة أساسية في تاريخ المغرب السياسي الراهن، وهي اللحظة التي رمى فيها الملك الكرة للشعب، وقال له أطلب ما شئت من إصلاحات"، مضيفا " أنه في مرحلة تأججت فيها الاحتجاجات، وعوض أن يقع اصطدام مع الشعب، لعب خطاب الملك من خلال رمزيته وحضور المؤسسة الملكية دورا كبير في تجنيب المغرب أزمة عميقة".

وأشار العجلاوي، "إلى أنه بعد هذا الخطاب، ولأول مرة في تاريخ المغرب، فُتِح النقاش حول الدستور دون وجود وثيقة دستورية لفترة معينة، وبعد ذلك تم الاشتغال على وثيقة انطلاقا من النقاش واللقاءات وحتى بعد إصدارها استمر النقاش".

وأردف متحدث "بديل"، أنه مع الأسف دستور2011 لم يكن في مستوى المرحلة التي أراد الملك أن يفتحها على مستوى تاريخ المغرب الراهن، بحيث أن كل مذكرات الأحزاب السياسية بدون استثناء كانت ضعيفة على مستوى الاقتراحات".

وعندما سأله الموقع عمّن حال دون أجرأة مضامين الخطاب الملكي والوثيقة الدستورية على أرض الواقع؟ رد العجلاوي: "يصعب أن تقول من حال دون ذاك، لكن الأساسي هو أن هناك تعثر بين وثيقة الدستور وأجرأتها"، متسائلا: " هل هذا التعثر لضعف الطبقة السياسية المغربية؟ هل لضعف المحفزات نحو أجرأة الدستور بشكل جيد؟ هل لأسباب أخرى الله اعلم؟" مشيرا "إلى أنه من أسباب عدم أجرأة الدستور، هو وجود من يقول بأن هناك قوى للتحكم لا تريد للمغرب أن ينتقل إلى هذا المستوى، وهناك من يقول أن الحكومة الحالية عاجزة عن إستيعاب وثيقة الدستور وعاجزة عن أشياء أخرى".

وقال العجلاوي "لكن يظهر أن الخطاب السياسي المغربي عوض أن يكون في مستوى اللحظة انحدر إلى مفردات من كليلة ودمنة وأزليات سيف دويازين. وغيرها، مما يدل على سقوط الخطاب السياسي المغربي للنخب في منحدر عميق".

من جهته، قال عبد العزيز أفتاتي، النائب البرلماني عن حزب "العدالة والتنمية":"لقد تحققت العديد من الأمور التي دعا إليها الملك، في خطاب 9 مارس من سنة 2011، لكن لا يمكن أن نتحدث عن تحقيق كل هذه الأشباء في ظرف خمس سنوات"، موضحا أنه "الآن باتت الطريق سالكة لتحقيق التقدم والعدالة الإجتماعية والإنتقال الديموقراطي لما بعد حراك 20 فبراير".

وأكد أفتاتي أنه تم تحقيق العديد من المكتسبات في ما يخص مناهضة الفساد، مشيرا إلى أن الإنتخابات الأخيرة أكدت رغبة المغاربة القوية في التغيير.

وعن أسباب عدم أجرأة بعض مقتضيات هذا الخطاب على أرض الواقع، أوضح أفتاتي أن مسألة التطبيق هي مسؤولية السلطات الثلاث، وليست مسؤولية جهة بعينها"، مضيفا أن هناك عوامل أخرى حالت دون تنزيل ما جاء به الخطاب الملكي كالإكراهات المادية والوقت وكذا وجود إرادة مضادة كاعتماد "البؤس في المجال السياسي والإعلامي والإقتصادي.."، يقول أفتاتي.

وحول نفس الموضوع، قال عبر الرزاق بوغنبور، رئيس "العصبة المغربية لحقوق الإنسان": "أعتقد أن الخطاب الملكي للتاسع من مارس كان نقلة نوعية في تاريخ المغرب المعاصر وكان تفاعلا مباشرا مع مطالب حركة 20فبراير، ومعها الحركة الحقوقية ، أنتج دستورا جديدا في كل حال يختلف عن سابقيه حقوقيا، لكن مع بداية التنزيل لوحظ بطء شديد فيه وتراجع واضح في النصوص التطبيقية، ولا ندري السبب هل يعود إلى الحكومة فعلا أم لجهات أخرى ؟"

وأردف بوغنبور خلال حديثه لـ"بديل"، أنه "مع توالي السنوات لوحظ الهجوم على تنظيمات المجتمع المدني، خاصة التنظيمات الحقوقية المستقلة التي تساهم في فضح انتهاكات السلطة في مجال حقوق الإنسان، مثل “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان”، و”العصبة المغربية لحقوق الإنسان” وتنظيمات حقوقية أخرى دولية ووطنية، كما تم قمع الاحتجاجات والمظاهرات بدعوى أنه لم يتم الترخيص لأصحابها، في حين أن المغرب عرف عام 2011 مئات المظاهرات في أكثر من مدينة مغربية، كانت تخرج بصفة تلقائية وسلمية وبدون أي ترخيص من السلطة".

وأضاف المتحدث ذاته أنه خلال هذه الفترة تم "منع تأسيس الأحزاب والمنظمات التي لا تثق السلطة في توجهات أصحابها، كحزبي “الأمة” و”البديل الحضاري”، ذوي التوجه الإسلامي المعتدل، كما تم رفض الترخيص مؤخرا لمنظمة “الحرية الآن” التي تعنى بالدفاع عن حرية الرأي والتعبير، وجمعية “الحقوق الرقمية”، التي تدافع عن حرية استعمال الإنترنيت".

ومن بين "التراجعات التي سردها بوغنبور أيضا:" القضاء على كل أشكال الصحافة المستقلة من خلال المحاكمات والغرامات والاعتقال، وإجبار الصحفيين المستقلين على “الاستقالة” الطوعية أو “النفي” الطوعي خارج المغرب، وكذا القضاء على فضاء حرية الرأي والتعبير الحر، من خلال “ضبط” وسائل الإعلام الخاصة و”تطويع” خطوط تحريرها بواسطة “الرقابة الناعمة” عبر التحكم في مصادر وموارد الإعلانات (الإشهار).

وأشار الناشط الحقوقي إلى وجود "التحكم في القضاء، من خلال التدخل وتوجيه التعليمات، فهناك اليوم عدة مؤشرات وشهادات وبيانات صادرة حتى عن “نادي قضاة المغرب”، تتحدث صراحة عن كون القضاء في المغرب غير مستقل، وآخر ما تم فعله هو عزل مجموعة من القضاة الشرفاء والنزهاء لابداء رأيهم في مشاريع إصلاح منظومة العدالة بالمغرب وآخرهم الأستاذ محمد الهيني"، يقول بوغنبور.

وأردف رئيس العصبة المغربية لحقوق الإنسان، أنه تم تسجيل " تمييع المشهد الإعلامي من خلال خلق صحف ومواقع إلكترونية متخصصة في “سب” و”قذف” و”شتم” كل صاحب رأي مخالف لرأي السلطة، والسعي إلى إلهاء الناس بالتفاهات من قبيل مواضيع الجرائم والجنس والحياة الخاصة للأشخاص، وكذا مزيد من التحكم في وسائل الإعلام العمومية، من خلال الاحتكار الكلي لهذه الوسائل من قنوات تلفزية وإذاعات ووكالة أنباء وتوظيفها لخدمة الخطاب الرسمي للدولة، فضلا عن  الإمعان في تمييع الحياة السياسة، بواسطة تدجين الأحزاب السياسية، وتطويع قيادتها، وبث الفرقة داخل صفوفها، والتدخل في قراراتها، وخلق أحزاب سياسية هجينة تخدم أجندة السلطة وتستخدم موارد الدولة وتساهم في المزيد من الارتباك والخلط، لإفقاد الناس الثقة في العمل السياسي".

وأكد المتحدث على "استمرار تدجين النقابات، وتشتيتها، ودفعها إلى الابتعاد عن السياسة والانكفاء على الدفاع عن مصالح فئوية محدودة، والاهتمام بالمصالح الشخصية لقياداتها التي غالبا ما تنتهي إلى صراعات شخصية تؤدي إلى مزيد من التفتت داخل جسم نقابي مترهل"، إضافة إلى "عودة هاجس “الإرهاب الإسلامي”، حيث بتنا نشهد نوعا من التضخيم والمبالغة أحيانا في تصوير هذا الخطر، من خلال عدد العمليات التي تخص تفكيك خلايا إرهابية، وعدد الموقوفين ومخططاتهم، وذلك بهدف بث الرعب في النفوس لتبرير سياسة القبضة الأمنية المتشددة بدعوى “محاربة الإرهاب”، يردف المتحدث.

ومربط الفرس في هذا كله، يقول منسق الإئتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان:"هو استمرار المزاوجة ما بين السلطة والمال على أعلى مستويات هرم السلطة في المغرب، من خلال ضخ المزيد من الاستثمارات المباشرة في القطاعات المربحة، وتهميش القطاعات الاجتماعية بل والإعلان صراحة على أنها قطاعات غير مربحة ويجب على الدولة التخلص منها كالتعليم والصحة ، ناهيك عن غياب المساءلة والإفلات من العقاب وبدل محاكمة الفاسدين يتم متابعة فاضحي الفساد".

وأوضح بوغنبور أنه "من الصعب، تحديد أسباب عدم أجرأة خطاب 9 مارس على أرض الواقع، لأننا في الواقع أمام حكومة لا تحكم رغم تبنيها لكل " الخطابات الإصلاحية " التي ضربت في العمق الطبقتين الوسطى والفقيرة وحافظت على امتيازات الباطرونا والطبقة النافذة، لان واقع الحال رغم بروز رئيس الحكومة في الواجهة بصراخه وضجيجه ، فالواضح أن معظم القرارات الصعبة يتبناها بعد إنزالها إليه، ولو كان يدرك حجم خطورتها على المغاربة لما تبناها على الإطلاق".

وفي هذا الصدد قال بوغنبور :"إن ما تقوم به السلطة اليوم في المغرب من خلال إعادة التحكم في المشهد السياسي وتدجين النقابات وضبط المجال الإعلامي ومراقبة أنشطة المجتمع المدني وتضييق هامش حرية الرأي والتعبير، هو بمثابة رفع لـ “صمامات الأمان” هذه التي تؤجل الانفجار".