وجع الماضي و جراح السنون

35
طباعة
و أنا في منتصف الخمسينات من عمري، لا زلت إلى حدود اليوم و في كل المحطات السياسية و النضالية أقرأ و أعيد قراءة كتاب ” حركة القوميين العرب”، للمناضل و المثقف العضوي و الوحدوي باسل الكبيسي، العراقي- الفلسطيني، أحد كوادر الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الذي استشهد مغدورا في الاغتراب يوم 6 نيسان/ أبريل 1973 في إحدى شوارع باريس. تعلمت منه الثبات على المبادئ و القيم و الصبر على الشدائد و تحمل المسؤولية مهما كان الثمن، و مبادئ العزة الوطنية و الإيمان بالتحرر و البناء الاشتراكي.
كان الشهيد باسل الكبيسي، من بين من حملت نهجهم عل كتفي حالما بالمبادئ التي تدعو إلى تغيير الواقع القائم و الحلم بمجتمع أفضل تسوده الحرية و المساواة و العدالة الاجتماعية.
و إذا كانت الدروس الأولى في النضال لم تكن مرتبطة بالمعتركات الايديولوجية و السياسية و لا بالثقافة الانتخابوية، فإن أغوار هذه التجربة استمرت لأزيد من 3 عقود، و كانت الجرائم الصهيونية ضد شعب فلسطين تحرك فينا عبق الإحساس بالسلم و السلام الذي لا يقوم على الإرهاب و التجويع و المحاصرة. كنا نؤمن بالأفكار المجردة و نجهل قواعد اللعبة السياسية، على عكس المناضلين الذين اختاروا الانحياز الإيديولوجي للمعسكرات التي كانت تطل علينا من مواقع مختلفة بالشعارات و البيانات و الرسائل و المجلدات، لمقاومة الأنظمة الاستبدادية و الماضوية و الرجعية.
إن استحضارنا اليوم للشهيد باسل الكبيسي و لأستاذه في النضال المرحوم حكيم الثورة الفلسطينية جورج حبش (مؤسس حركة القوميين العرب و الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين) على سبيل المثال لا الحصر، هو استحضار لجيل كامل من رجالات حركات المقاومة و التحرر في العراق و فلسطين و في سوريا و لبنان و مصر و الجزائر و تونس و المغرب منذ نكبة فلسطين عام 1948. جيل كان يحلم بوحدة الشعوب و بتحريرها من ربقة الاستعمار، جيل ناضل من أجل الكرامة و الحرية و العزة و العدالة الاجتماعية.
إنها مناسبة لطرح أسئلة متعددة حول ما الذي تغير منذ ذلك الحين؟
طبعا، ما حدث منذ ذلك الحين يفترض جهدا كاملا لفهم الماضي و ربطه بالحاضر، و يتطلب مزيدا من التنوير و استعدادا كافيا للحاق بإيقاع المستقبل.
و إذا كانت كل التفسيرات و القراءات تحتاج إلى مقاربات متعددة التخصصات لفهم واقع المتغيرات التي شهدتها هذه المناطق التي يجمعنا معها أحلاما مشتركة، فإن أحداث كبرى و ثورات عظمى شهدتها (هذه المناطق) عربيا و دوليا، أثرت في مسيراتها السياسة و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و التكنولوجية. حيث كان لا بد أن تكون مثار بحث و نقاش بين فاعلين أساسيين و مدارس فكرية مختلفة. لكن ما يهمنا في هذه المناسبة هو الإقرار بالتحولات العميقة و بالمخاضات العسيرة التي غيرت معالم الرموز التاريخية المعروفة، و خاصة منذ ستينيات القرن الماضي إلى نهايته.
إن الأحداث السياسية الكبرى التي عاشتها مجتمعاتنا العربية، حملت في الوقت نفسه قلقا كبيرا و رؤيا جديدة لما نستطيع أن نسميه: “التحدي”. فجيل الستينات تفتح و عيه على ثورات و تجارب العالم، ربما أكثر من اللازم. و في فترة وجيزة خلق مساحة كبيرة من الوعي و النضج و بخار و رماد، و حلم انتهى به المطاف للعيش في دهاليز المعتقلات السرية و العلنية منها، لتبدأ معركة الصمود و المقاومة و التصدي مع جيل جديد لم يكن يملك إلا أقلاما و دفاتر شعر و أناشيد الثوار ضد الجمر و الرصاص.
كانت نكسة حزيران هزيمة جيل كامل، و سقوط مرحلة كاملة من الزهو و الصعود و البناء، وهو ما انعكس على نخبنا المناضلة التي صبت جام غضبها على جميع القوى الفاعلة في المجتمع، و انتهت للعيش المستدام في دوامة النقاشات الإيديولوجية و السياسية البعيدة عن الشعب، و إحصاء “المنشقون و المنسحبون و المجمدون و المطرودون و الحائرون و الخائنون و أنصاف الخائنين و كاتبو العفو و المشنعون عليهم و تيار العزة النفسية الشامخة…” (عبد القادر الشاوي، “كان و أخواتها”).
ورغم محاولة انتعاش بعض الحركات السياسية اليسارية التي بنت نظرتها للماضي بغضب و سخط و نقد لاذع للنظام و كل القوى السياسية القريبة أو البعيدة منه، إلا أن هزيمة حرب أكتوبر و اتفاقية “كامب ديفيد” ستطيح بكل ما تبقى من حلم القومية العربية التي كانت في أوج ازدهارها، و ستتحول ( هذه الحركات) إلى حارس على البوابة اليسارية و التي لا بد لأي مناضل أن يمر من خلالها و عن طريقها، و من يخالفها فهو لقيط و عدمي و مشبوه و قد ينعت حتى ب”السيخ” و “بيشمركة” و غيرها من التسميات. لكن و رغم ذلك، نهلت و غرفت القوى الصاعدة من كل التجارب و من كتابات و إبداعات و دراسات الأجيال السابقة، و حملت معاناتهم و جراحهم المندملة إلى قمة النضال الحقوقي و الديمقراطي، من دون أي عقدة نقص أو حقد أو تشويه في حق الجيل الأول من المؤسسين و القادة التاريخيين لهذه الحركات.
و على الرغم من فشل القوى اليسارية في مواجهة غطرسة القمع و الخناق، و عدم قدرتها على تجاوز ضعف إمكانياتها الذاتية و ما يتطلبه العمل في الشرعية من طاقات بشرية و من كفاءات نسائية و شبابية و أطر و نخب، ظلت جزء لا يتجزأ من مسارات و نضالات قوى الحداثة و الديمقراطية التي يجمعها شعب واحد: هو الشعب المغربي.
ورغم النكبات المتتالية، خاصة بعد موت الراحل جمال عبد الناصر سنة 1970 و التي كان لها الأثر الكبير على المثقفين العرب، استمر الحلم في المغرب يكبر، و استمر جيل السبعينات و الثمانينات يتغنى بتضحيات و أمجاد جيل القومية و الوحدة العربية و من خرج من رحمها و أحضانها و فكرها، و ينشد أغاني الثورة و يرفع الشعارات القومية و المدنية و الحقوقية، غير مباليا بهزيمة أبناء الجيل الذين رأوا حلمهم ينهار أمام أعينهم.
و رغم أن جيل الثمانينات و التسعينات لم يولد من رحم الهزيمة و لم يلدها، إلا أنه شعر أن الهزيمة هزيمته، و أبدع أشكالا جديدة لمقاومتها خاصة في الساحة الجامعية و جمعيات المجتمع المدني، و كان هذا في كل أنحاء المغرب، و كلنا يتذكر عنفوان شباب في مقتبل العمر سقطوا شهداء في معارك الكرامة و الممناعة من أجل الحرية و الديمقراطية : أيت الجيد محمد بن عيسى (الذي تخلد اليوم عائلته الكبيرة و الصغيرة الذكرى 23 لاستشهاده)، شباضة، زبيدة و المعطي و عادل، من دون أن ننسى كل شهداء الشعب المغربي.. إنها مرحلة النضال المستقل عن الأحزاب السياسية و التنظيمات اليسارية، مرحلة “التحدي” لواقع القمع و السلطة و التسلط.
خلاصة عامة لا بد منها اليوم و غدا
رغم المأزق السياسي العام الذي استمر فيه المغرب لعقود من الزمن، لم تتوقف مسيرة النضال رغم آلامها و انكساراتها و انتصاراتها.
لقد خلق جيل الممانعة ثقافة سياسية جديدة، و صنع تجربة متميزة في كل الحقول و التجارب، داخل المغرب و خارجه. جيل آمن بالحداثة و الديمقراطية و الحرية قبل الأوان، آمن بالنضال الديمقراطي النقدي. اهتم بالعمق الاجتماعي و انفتح على الروح النقدية العميقة التي تؤسس للرؤية المستقبلية. جيل يساري بمعنى النقد الاجتماعي لتغيير المجتمع و تجاوز الواقع، جيل مناضل بالمعنى المتطلع للأفضل و الأحسن من أجل المستقبل.
هكذا كبر و نشأ هذا الجيل بعيدا عن لعب كبار السياسة، و بعيدا عن مواقفهم و لغتهم و انتخاباتهم و نجاحاتهم و إخفاقاتهم. و الجميع كان يعرف تطلعات هذا الجيل الممانع و يعرف أحلامه و قوة انخراطه في الحركات الاجتماعية و النقابية و الثقافية و الحقوقي و الإنسانية.
سجون المغرب كانت مليئة عن آخرها بأبناء هذا الجيل، مئات المعتقلين كانت تغص بهم سجون البلاد: فاس، القنيطرة، و جدة، مراكش، أسفي، الدار البيضاء، الصويرة، طنجة، الرباط و الجديدة، الخ. لم يكن أحدا ينصت إلى آهاتهم و جراحهم و ألام عائلاتهم و من كان يعطف عليهم.
الكل كان منشغلا ببوادر النظام العالمي الجديد و بسقوط الأنظمة الشيوعية المركزية: بولونيا، رومانيا، ألمانيا الشرقية، يوغوسلافيا، بلغاريا، البانيا، تشيكسلوفاكيا، و الجزء الآخر كان يصفق ل”للمسلسل الديمقراطي” و “للسلم ألاجتماعيي” و “للمغرب الجديد”..
لم يكن أمام هذا الجيل إلا خيار الممانعة و اّلإيمان بالمواجهة من دون دعم سياسي و لا تحالف استراتيجي. و بعد مرور 10 سنوات على انتفاضة 1981 و 1984، و جد هذا الجيل نفسه على قارعة الطريق، من دون شغل و لا تغطية صحية، و من دون سكن و لا كرامة. و رغم الحرص الذي أبداه شيوخ السياسة في محاولة لإعادة تنشيط اللعبة السياسية ببلادنا خلال السنوات العجاف خوفا من “السكتة القلبية”، إلا أن ذلك لم يمنع طرح أسئلة جادة و مبادرات مستقلة بشأن مستقبل أجيال بكاملها لم تنل حظها و حقها لا من خيرات البلد و لا من مؤسساتها، بل لم تجد لها مكان لا داخل ما تبقى من اليسار و لا داخل أعتاب الأحزاب التي نسميها بالتاريخية و الوطنية.
فإذا جاز لنا التسليم من حيث المبدأ بأن الحوار بالنظرة الشاملة له، انقطع بين الأجيال منذ أكثر من 30 سنة، و إذا كان الحوار عمل حضاري، يتجاوز مجرد التعاون في ميدان واحد، بين قوم المناضلين، ليشمل كل الميادين، يمكننا القول أن القوى التي كان من المفروض فيها قيادة الصلح و الحوار بين الأجيال، هي التي كرست التهميش و أوصدت أبوابها و نوافذها و اعتبرت الفضاءات السياسية العمومية حكرا عليها و ملكا لها.
و استنادا لهذه الرؤية، فقد أظهر النظام قوته في تجنيد الأعيان و المحافظين و تجار الدين و المرتزقة للدفع بعجلة خبراء الساسة المعروفين بالدهاء و النفاق و التسلط، لمقاومة “جيل العدميين” و “الفوضويين” المتمسكين بشعارات أكثر راديكالية منهم و من حجمهم، و لنحر أحلام الشباب و الاستهتار بمطالبهم و اعتبارهم قاصرين وجب حظر عملهم السياسي و النقابي و الرمي بهم في الشارع من دون تكوين و لا تأطير، و تشجيعهم على البطالة و “الحريك” عبر قوارب الموت و حاويات الشحن البري. إلا أن أحداث عديدة على كافة الأصعدة السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية شهدها المغرب و طوال سنوات التسعينات من القرن الماضي، قلبت الموازين و الحسابات الضيقة رأسا على عقب، و عجلت بفتح الحوار مع فاعلين حقوقيين و نشطاء من المجتمع المدني و نخبة من أولاد الشعب الذين لم تكن لهم حسابات سياسية يتفاوضون من أجلها كما جرت العادة في ستينات و سبعينات و ثمانينات و تسعينات القرن الماضي(و نقصد مفاوضات القصر مع الأحزاب السياسية).
و إذا كانت انتخابات 7 شتنبر 2007، قد شكلت زلزالا سياسيا و نقطة تحول كبرى في مسار المسلسل الانتخابي المغربي و الأحزاب السياسية التي تدعمه (هبوط تاريخي في نسبة المشاركة و صل إلى 37%)، فإنها كذلك كانت تعبيرا عن حالة اختناق سياسي و إدانة للفساد و بطئ الإصلاحات و تعثر الانتقال الديمقراطي و فشل التناوب التوافقي، كما أكدت في نفس الوقت اليقظة الجماهيرية لصالح النضال من أجل مشروع ديمقراطي حقيقي ينبثق من إصلاحات عميقة سياسية و دستورية تؤسس لانتقال ديمقراطي يعيد الثقة للمغاربة في المؤسسات السياسية و يشجعهم على تحمل المسؤولية و الانخراط في النضال الديمقراطي من أجل التغيير. و هو ما عبرت عنه مطالب الحركات الاجتماعية في المغرب العميق (أنفكو، و بن صميم، و سيدي افني و صفرو، الخ).
و لعل ما أفرزه الصراع طيلة العقدين الأخيرين من أزمة ثقة و من هجوم ممنهج على الفقراء و الطبقات المسحوقة و ذوي الدخل البسيط و المتوسط، شكل أرضية خصبة لجيل النضال الديمقراطي الذي وجد نفسه أمام مسافة زمنية مفصلية، تفصل بين زمن بداية الثورة الحقوقية الهادئة التي دشنها مسلسل الإنصاف و المصالحة و زمن نهاية القواعد الانتخابية التقليدية، و البحث عن أشكال و صيغ جديدة للمارسة السياسة. و لقد ساهم هذا الواقع في إعطاء فرصة جديدة للمؤسسة الملكية و الأحزاب السياسية للدخول رأسا في معالجة كل الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان و الاستجابة لكل الإنتظارات و التحديات، مثلما شرعن نضال جيل الثمانينات و التسعينات و بحثه عن آفاق جديدة تعزز مطالبه الاجتماعية و الحقوقية في ارتباطها مع البناء الديمقراطي المنشود

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

3 تعليقات

  1. le bledar يقول

    Pourquoi vous n’avez pas publié mon commentaire, cher Badil? Le Makhzen est trop fort? On commence par se taire et on finit par se compromettre, voir le cas de ce pauvre Mriza9. Il a finit sa vie dans les bras du palais avec quelques miettes comme seule récompense. Quelle Fin, quel destin effroyable

  2. le bledar يقول

    Aha l’auteur de cet article est membre du PAM, le parti makhzenien par excellence, et il nous parle de progrès, démocratie et que sais-je encore, il nous prend pour des imbéciles, prends les DH qu’on t’a donnés, mets toi au chaud dans la villa avec laquelle on t’a acheté et ferme ta gueule, tu n’as rien à nous dire, petit et makhzenien, lah ya3tina wajhak et tu parles de George habach, lah yan3al lima3ando wajh yahcham 3lih, brouiller les pistes c’est ta nouvelle mission, makhzenien,

  3. عبىالله يقول

    أنتم تشوهون بالنضال وباليسار التقدمي وانتم تناضلون من حزب الهمة والناجدي
    داخل البام..بئس خاتمة النضال.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.