كشف دفاع "قاضي طنجة"، المكون من الحبيب حاجي وامحمد قرطيط ومحمد السليماني ومحمد المسعودي عن تفاصيل مثيرة وصادمة  كانت وراء "توريط" موكله في الملف الذي أدين بسببه مساء الأربعاء 02 مارس الجاري، بثلاثة أشهر سجنا نافذا.

وأجمع حاجي والسليماني والمسعودي على أن المشتكي التونسي حين استقبله وزير العدل داخل مكتبه خاطبه بالقول: هذا راه قاضي ماشي شي واحد آخر إذا تبث كذبك عليه سأتابعك".

وأوضح الدفاع أن هدف المشتكي لم يكن صديقه نجيب البقاش الذي تربطه به علاقة عائلية، وإنما قضاة آخرين بينهم شخص يدعى "بنيس"، فسخر وزير العدل عناصر الفرقة الوطنية التي استقبلها بدورها داخل مكتبه، حيث ظلت تترصد المشتكى بهم أو المشتكى به لمدة 15 يوما، وحين تعبت هذه العناصر من الترصد دون نتيجة، وبعد ان وجد المشتكي نفسه مضغوطا بتهديد وزير العدل، لم يجد من مخرج لورطته سوى التضحية بصديقه البقاش، الذي لا يبث في أي ملف لفائدته في المحاكم ولا سبق له أن بث في ذلك، ولا علاقة بقضاة طنجة التي حل بها حديثا، فاتصل به هاتفيا داعيا إياه إلى النزول من شقته إلى الشارع؛ حيث كان يركن سيارته بانتظاره، وما أن صعد البقاش وسلم على صديقه لمدة 10 ثواني، حتى وجد نفسه مصفد اليدين، فيما أحد عناصر الشرطة يلوح بظرف مالي في الهواء، وهو يصرخ ها هو هاهو". بحسب الدفاع.

وحين مثل المشتكي التونسي فتحي الميموني أمام القضاء ظل تارة يقول إن الظرف المالي كان بين قدمي البقاش وتارة يقول إنه لم هناك بل تحت كرسي السيارة، يقول الدفاع.

المحامي السليماني كشف عن جزئية مثيرة حين ذكر أمام المحكمة أن زميلة له أخبرته بأن ميمون التونسي طلب منها لقاء أحد القضاة قبل يوم واحد من اعتقال البقاش، لكنها رفضت تسهيل اللقاء به او التواصل بينهما، قبل أن يكشف لها القاضي المطلوب لدى التونسي أنه ربما كان سيكون هو الضحية بدل البقاش.

بل والمثير أن الحبيب حاجي قدم لهيئة المحكمة وثيقة رسمية اعتبرها قوية وحاسمة في براءة موكله، وهي عبارة عن تصريح للمشتكي التونسي قدمه امام قاضي التحقيق في طنجة، يقول فيه  إنه "لم يسلم للبقاش أي ظرف به مبلغ مالي وإنما كان موضوعا بأرضية السيارة" مؤكدا حاجي أن هذا التصريح لا يرقى إليه أي تصريح أو قرينة أخرى في الميدان القانوني،  موضحا الحبيب أن المثول أمام قاضي التحقيق لا يضاهيه المثول امام الشرطة القضائية لتوفر  الحقوق أكثر وضمانات الإستماع، مشيرا إلى أن محاضر الشرطة في الجنايات تعبر مجرد بيانات لا حجية قانونية لها، مضيفا حاجي أن تصريح المشتكي أمام قاضي التحقيق يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن ما ورد في المكالمة الهاتفية مجرد تدليس وصنع حجج لا قيمة قانونية لها، خاصة وأنه عند العودة إلى المكالمة التي جرت بين البقاش والتونسي دقائق قليلة قبل اعتقاله والتي مرت في بعض ثواني، تجد أن مستويات الصوت غير متناغمة طيلة مدة المكالمة، حيث عبارات التحية تسمع بشكل جيد لكن عبارة "بنيس" لا تسمع إلا بصعوبة بالغة، وهي الواردة في آخر الماكلمة قبل انقطاع الخط الهاتفي.

وأوضح حاجي أن هذه العبارة لم يشر إليها لا محضر الشرطة القضائية ولا محشر قاضي التحقيق ولا خلال الجولة الإبتدائية بل إن سماعها داخل محكمة الإستئناف تطلب إعادة الإستماع للمكاملة مدة ثلاث مرات ومع ذلك سمعت العبارة بعوبة بالغة، ما جعل الدفاع يقتنع أن التونسي كان بصدد صنع حجج لتوريط صديقه وهو في وضع ارتباك.

حاجي وقف عند قضية اخرى اعتبرها حاسمة وهي شهادة الشاهد طارق المنصوري الذي قال خلال جميع مراحل البحث معه وامام المقرر في الملف التأديبي، حيث تلا حاجي أمام هيئة الحكم شهادة المنصوري وفيها يقول الأخير بأنه " لم يسبق لي أن سمعت فتحي الميموني يقول للبقاش تخلى وتنحى عن الوساطة، كما أنني لم اسمع البقاش يقول للميموني لا أريد أن أبقى وسيطا". حاجي فاجأ المحكمة بوثيقة صادمة عبارة عن تصريح للمشتكي يؤكد فيه أنه قدم 50 ألف درهم كرشوة لرئيس جماعة و100 درهم كرشوة لقائد مقاطعة وأن وسيطه في العلمية هو قاضي يدعى "اليوبي" وكل ذلك بغاية الحصول على شهادة لاستغلال أرض، ومع ذلك لم يدان لا القاضي ولا فتحي ولا رئيس الجماعة ولا القائد بسبب هاتين الرشوتين.

أكثر من هذا، أكد الدفاع أن التونسي عانق البقاش داخل المحكمة وأمام الحاضرين قال له "سمحلي بزاف لقيت راسي وسط دوامة" قبل أن يبرئه من كل التهم المنسوبة إليه، وهنا ثارت ثائرة الحكومة التي وجدت نفسها في ورطة كبيرة، بعد تصريحات وزير العدل ودخوله في هذا الملف طولا وعرضا، فكان تأثير بنكيران داخل البرلمان حين هاجم الإفراج عن البقاش وبشكل أكبر استقباله من طرف زملائه القضاة، قبل أن يقول "ضبطناه متلبسا" علما أن جميع محاضر الشرطة وقاضي التحقيق والشهادات وحتى المشتكي لا يتحدث عن حالة التلبس، قبل أن يحيل الرميد البقاش على المجلس الأعلى للقضاء، رافضا انتظار الحكم الجنائي، فجرى عزله، وهو العزل الذي اعتبره البقاش تأثيرا واضحا على محكمة الجنايات، فكانت إدانته ابتدائيا بسنتين موقوفتي التنفيذ، قبل ان تلغي استئنافية الرباط هذا الحكم، وتدينه بثلاثة أشهر سجنا نافذا.

الدفاع تطرق إلى أسئلة محيرة منها: إذا كان البقاش في الملف مجرد وسيط بين التونسي والقضاة الذين يبثون في ملفات الأخير لماذا لم يسمع القضاء لأي قاضي من أولائك القضاة؟ لماذا لم يجر أي بحث معهم حول علاقتهم بالتونسي والبقاش؟ وهل حاول الأخير التأثير عليهم في أي ملف؟ وهل ناقش معهم أي أمر في هذا الإتجاه؟ وكيف يفضل التونسي تقديم 20 مليون للبقاش داخل سيارته (التونسي) بدل أن يقدمها له داخل منزله، الذي كان دائم الدخول إليه، ورغم أهمية هذه الأسئلة فلم تحظ بعناية القضاء طيلة سريان هذه المتابعة.

المُثير أن الدفاع كشف عن أحكام تدين المشتكي بل وعن عمليات تزوير قام بها ضد المؤسسات المغربية، إضافة إلى أفعال خطيرة كان يقوم بها هذا المشتكي في مدينة تطوان وطنجة وتحركاته بين انجلترا وأفغانستان وغيرها، مشيرا الدفاع إلى أن هذا المشتكي كان يعمل "مخبرا" لدى جهات لم يكشف الدفاع عن هويتها هل هي خارجية ام داخلية.

ورغم سيرة هذا المشتكي وسوابقه العدلية فقد حظي بما لا يحظى به المغاربة لدى وزير العدل حيث استقبله داخل مكتبه وبناء على شكاية شفهية فقط، أعطى الوزير أوامره باعتقال المشتكي به، بعد يومين أو ثلاث من دخول الرميد إلى وزارة العدل في وقت كان فيه وزراء الحكومة يتمتعون بحماس زائد نحو الإصلاح، فهل استغلت جهات هذا الحماس لتوريط "العدالة والتنمية" في هذا الملف؟ أم أن الرميد كان ضحية رغبات في نفسه ليس إلا؟ أم لا هذا ولا ذاك وإنما جرت الامور في إطار القانون؟ يتساءل الدفاع.

المثير أن الدفاع قدم لهيئة الحكم أحكاما قضائية تدين التونسي ووثائق رسمية تؤكد تزويره وتقديمه لرشاوى بل وقدم الدفاع أيضا وثيقة تؤكد أن الشاهد ضد البقاش كان مدينا للتونسي بـ7000 درهم لحظة تقديم شهادته ما يجعله تحت رحمته، بل وقدم الدفاع معطيات تؤكد تورط التونسي في أربع جرائم وهي جريمة الإرشاء وجريمة مخالفة قانون الصرف وجريمة شهادة الزور وجريمة التسجيل بدون أمر قضائي، ومع ذلك تغاضت النيابة العامة عن كل هذه الجرائم، بما فيها جريمة تزوير وثائق لعقد قران دون المرور عبر مسطة زواج الأجانب ومسطرة التعدد.