يُفيد خبر تناقلته بعض وسائل الإعلام المغربية أن  مركز بنسعيد آيت يدر سينظم ندوة دولية بمدينة مراكش حول الصحراء، يحضرها جميع أطراف النزاع، بمن فيهم جبهة "البوليساريو"!

وطبعا لا يسع قارئ هذا الخبر إلا أن يُحيي السيد بنسعيد على هذه المبادرة الوطنية، الخاصة بقضية تشغل بال مُعظم المغاربة، لكن ألا يحق لنا أن نطرح بعض الأسئلة منها: هل يملك السيد بنسعيد وثائق عن ملف الصحراء نظير ما تملكه الدولة العميقة عن هذا الملف؟

هل قضية الصحراء اليوم بملحاحية قضايا أخرى، كـ"استقلال السلطة القضائية" و"عزل قضاة الرأي" و"ملف الأساتذة المتدربين" و"اغتصاب الدستور" و"ملف المعطلين"،  و"ضحايا السكن الإقتصادي" و"ضحايا القروض الصغرى"، و"نهب المال العام"، نظير ما جرى في الجامعة الملكية لكرة القدم حين صرف لقجع 85 مليار سنتيم، في ظرف شهور قليلة؟ لماذا لم نسمع للسيد بنسعيد صوتا في عزل قضاة الرأي، ونهب الملايير، واستغلال نفوذ الوزراء لنهب المال العام في ملف التأمين الفلاحي، واغتصاب الدستور على أكثر من صعيد، وملف المعطلين والأساتذة المتدربين؟ ألم يكن حري بمركز السيد بنسعيد تنظيم ندوات وطنية حول ملف البطالة في المغرب، أو حول استغلال الوزراء لمواقعهم ونفوذهم لنهب المال العام، أو بخصوص استقلال السلطة القضائية؟ أو ندوة حول ملف الأساتذة المتدربين، أو حول جرائم السكن الإقتصادي، أو  ندولةحول ضحايا القروض الصغرى؟

ملف الصحراء ملف مهم جدا، بل  هو واحد من أقدس الملفات لدى المغاربة، لكن هل بالندوات سنحل هذا الملف، خاصة وأننا لا نملك أي وثيقة عن هذه القضية، سوى معطيات سطحية تتناقلها الصحف بين الفينة والأخرى؟

يشبه ملف الصحراء ملف فلسطين، فحين تكون هناك أوطان عربية قوية ديمقراطيا وصناعيا وعسكريا، لن تبقى اسرائيل، لمدة خمس دقائق، فوق الأراضي الفلسطينية، لكن حين تكون هناك دول عربية منخورة بالفساد والاستبداد وتعيش على "التسول" والمساعدات الخارجية، لاقيمة لكل اجتماعات الجامعة العربية وبياناتها المُخْزية والندوات المنظمة حول القضية، كما لاقيمة كبيرة لكل الوقفات الإحتجاجية، المنظمة من أجل هذه القضية بين الفينة والأخرى، هنا او هناك داخل الاقطار العربية، بل تغدو هذه الوقفات مجرد تهريب للأزمات الداخلية وتعبير عن غياب رؤية نضالية لمواجهة هذه الأزمات.

ثم هل تستطيع ندوة تحقيق ما عجزت عنه كل الأطراف تحت رعاية الأمم المتحدة بكل وسطائها من بيكر الى روس؟ وماهي القيمة السياسية لندوة مركز بنسعيد ايت يدر أمام عقود من المفاوضات المباشرة وغير المباشرة بين المغرب والبوليساريو؟ ثم أليس في دعوة  وزير خارجية جبهة البوليساريو، محمد سالم ولد السالك، لمركز بنسعيد توضيح موقفه من القضية  إعلان عن  "موت" الندوة قبل انعقادها؟

حل ملف الصحراء بيد الأمم المتحدة، بعد تدويله، وبيد المغرب والجزائر، فحين يُسوَّى الخلاف  و"يذوب الجليد" بينهما في إطار سياسة لا غالب ولا مغلوب، وعندما تحرك "الرباط"  آلتها  الديبلوماسية  لاخراج الملف من اللجنة الرابعة لتصفية الاستعمار وهو الجهد الذي يتطلب توقيع 50 دولة فقط من أصل 160 دولة مشكلة للجمعية العامة للأمم المتحدة، وحين نكرم القضاة الشرفاء ونعزل القضاة الفاسدين ونصادر ثرواتهم، وحين نرسي دعائم تنمية حقيقية في كل ربوع المملكة ونقطع مع الريع ونعزز المشاركة السياسية ونضمن للمواطنين حقوقهم الإقتصادية والإجتماعية والثقافية، وعندما نتابع لصوص المال العام في الصحراء وغير الصحراء، وحين نحترم حقوق الإنسان، خاصة حق القضاة في إبداء آرائهم وحق الصحافيين المستقلين في ممارسة مهنهم، بدون ضغوط ولا متابعات سياسية، لا نحتاج آنذاك لتنظيم ندوات حول الصحراء، فبشكل طبيعي ستذوب كل المشاريع الساعية لتقرير المصير، بل وسيذوب  حتى مشروع الحكم الذاتي الذي يطرحه المغرب.

لكن حين نضرب حق الشعب في العدالة بـ"ترقية القضاة الفاسدين"، بإخراجهم من دائرة الحرج أمام معارفهم، داخل مكان تبوث تورطهم في الفساد، وننقلهم إلى مدن اخرى لا يعرف الناس حقيقة فسادهم، وعندما نُشطب على قاضيا فقط لأنه دافع عن دستورية مشاريع قوانين، ونرفض التطبيق السليم للقانون في ملف محضر 20 يوليوز، ونسيل دماء الأساتذة، فقط لأنهم خرجوا يحتجون، سلميا، على مرسومين جائرين، ونتغاضى عن لصوص كبار للمال العام في الصحراء، بمصادرة ثرواتهم الخيالية التي بامكانها تشغيل ملايين المعطلين، بدل مطاردة "حفنة" من المعطلين في شوارع المدن المغربية، ونتعنت في تشغيلهم، في وقت نمنح فيه 5000 درهم شهريا لكل واحد من وزراء الحكومة، من اجل شراء "أواني فضية"، مع تمتيعهم بأجور 10 أشهر عند انتهاء الخدمة، إضافة إلى التعويضات الخيالية عن التنقل، فإنه لا تبقى بعد كل هذا أي قيمة لأي ندوة أو خطاب مهما تضمن من وعود وردية، بل إننا بذلك نؤسس لضياع الصحراء من بين أيدينا.