روى المستشار عبد الله الكرجي، عضو هيئة دفاع القاضي المعزول محمد الهيني، تفاصيل لقائه بالأخير بعد صدور قرار العزل في حقه.

وهنأ الكرجي في المقال أسفله، المستشار محمد الهيني بفوزه بقلوب المغاربة من مختلف الأطياف، بعد حملة التضامن الكبيرة معه، مستشهدا بمقولة الزعيم الجنوب إفريقي نيلسون منديلا :"الجبناء يموتون مرات عديدة قبل موتهم، والشجاع لا يذوق الموت إلا مرة واحدة"

وهذا نص المقال كاملا:

زرت القاضي الدكتور محمد الهيني ساعة بعد تلقيه خبر عزله؛ أذهلني الرجل؛ فلم أجده متجهم الوجه كئيبا أو منزويا؛ حتى خلت أن خبر عزله غير صحيح؛ استقبلني بعناق، مبتسم الوجه وهو يقول: "والله لقد انتصرنا، لم نركع ولم نبع مبادئنا؛ فالإعدام إعدام الفكر والقضاء قدر، وتبقى المواقف خالدة" آنئذ أدركت أن الرجل أدرك الحقيقة حيث جهلناها، وأن ما سبق وقلت له من أننا خلقنا لزمن غير زماننا صحيح؛ وأننا خلقنا لنقول في وجه الشيطان: "أنت شيطان"، أو كما أوثر عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم: "أفضل الجهاد كلمة حق في وجه سلطان جائر".

هنيئا لك أيها الرجل؛ فقد فزت بقلوب كل الحقوقيين ولم يسبق لقاض أن لقي تضامن الشارع فكنت صاحب السبق في ذلك كله؛ هنيئا لك فقد ربحت ضميرك لأنه أروع وسادة للراحة؛ فمعه تنام ومعه تدفن يوم لا ينفع لا قضاء ولا استوزار إلا من أتى الله بقلب سليم

هنيئا لقد انتصرت حيث خسرنا؛ لقد قدمت مستقبلك المهني قربانا من أجل حق المواطن في سلطة قضائية مستقلة وعادلة؛ ولتنعم بالحرية حيث نعيش تحت رقابة سيف تقليدانية التحفظ؛ بل حيث عجزنا علن اللحاق بك إن تضامنا أو اقتناعا أو احتجاجا، هنيئا لك فالحياة ليست كلها قضاء؛ فهي فضاء حرية واستقلال؛ فالشجاعة الحقيقية ليست شجاعة الموت بطريقة مشرفة، بل شجاعة الحياة برجولة كما قال توماس كارليل. كم انت حزين يا قضاء وطني وأنت تفقد من دافع عن استقلاليتك ولما أيقن باستحالة المبتغى استقل؛ كم أنت حزين يا وطني لقد ألفت فقدان الأدمغة وهجرة المفكرين، بل ألفنا محاصرة ومحاربة كل ناجح مبدع مجتهد حتى يفشل ويندحر

لكن الهيني لم يعزل من قلوب القضاة وكافة الحقوقيين، فهو قابع بأقصى مكان في ذاكرة العدالة فإن أبعد عن القضاء كوظيفة إلا أنه سيبقى قاضيا عادلا مهووسا بقضايا مجتمعه منخرطا حد الهوس الفكري في مشاريعه لا ينفك عن الجهر بمواقفه؛ إنها العدالة في أسماها.

أخي المستشار ؛ كما سلف وقلت لك (بمقالتي المعنونة بالهينيفوبيا) أنت فكر متجدد لن تموت بدواخلنا وممانعتك الفكرية التأصيلية الإصلاحية صارت تعتمل وراسخة بل وجزء من هينيات المرحلة، فالتضحية شرط الفضيلة وثمن الاستقلال، وقد آثرها زعيم التضحية والتسامح نيلسون مانديلا قائلا: "الجبناء يموتون مرات عديدة قبل موتهم، والشجاع لا يذوق الموت إلا مرة واحدة" أكيد أخي المستشار (كما دئبت على مناداتك وسأظل) أن شجاعتك الفكرية ستجعلك خالدا طالما لم يعدموا فيك الفكر.