عندما يتسول رئيس الحكومة من الملك منصب وزير العدل لفائدة مريده مصطفى الرميد، أمام الصحافة الوطنية والدولية، على كل نبيه أن يخلص إلى ثلاث أمور أساسية؛

الأمر الأول، أن هذا التسول مؤشر على نهاية "تجار الدين" في الحياة السياسة المغربية، إذ يستحيل على من يثق في نفسه وشعبيته وقوته أن ينزل إلى هذا المنحدر العميق من الانحطاط السياسي والحكومي.

الأمر الثاني، أن هذا التسول يؤكد بما لا يدع اليوم مجالا للشك أننا إزاء رئيس حكومة لا يعير أي قيمة للدستور المغربي، إذ كيف يسمح لنفسه، من هو بروتوكوليا مُرتبا في المركز الثاني، بعد الملك، في هرم الدولة، إبداء طلب لا أساس دستوري له، حيث يفيد الفصل السابع والأربعين من الدستور المغربي أنه لـ"رئيس الحكومـة أن يطلب من الملك إعفاء عضو أو اكثر من اعضاء الحكومة" وليس هناك أي نص يتيح لرئيس الحكومة أن يطلب من الملك إضافة ولاية أخرى لعضو من أعضاء الحكومة؟

الامر الثالث، أن هذا التسول يكشف على أن المعارضة في المغرب ومعها قضاة الرأي وكل من ينتقدون بنكيران ارتكبوا خطأ فظيعا حين واجهوا بنكيران ومعه أفراد "عشيرته الدينية" على أساس أنهم مسؤولون "عاقلون سياسيا" و لم يفطنوا يوما إلى أنهم في مواجهة أشخاص غير طبيعيين، من الناحية العلمية والدستورية والديمقراطية.
في أواسط عقد تسعينيات القرن الماضي، كان هناك أستاذ بثانوية "الخنيشات" بسيدي قاسم، حاد النظرات، عبوس الوجه طيلة الوقت، على عينيه نظارة سوداء، لا تزول سواء كان في الفصل الدراسي او في الإدارة او يتجول في ساحة الثانوية.

كانت قسمات وجهه ونظراته الحادة تخلق رهبة كبيرة في الناظر إليه. ومن شدة هذه النظرات القاسية، لم يكن بمقدور تلميذ أن يرفع في حضرته صوته أعلى من صوت نملة، مخافة العقوبة، لكن تلميذا فطن إلى أن الأستاذ ليس بخير، فراح يدخل معه إلى كل حصة دراسية حجرة كبيرة، يخبط بها، بين الفينة والأخرى، وبقوة شديدة، لمدة ثلاث أو أربع مرات، تحت الطاولة التي يجلس عليها، كلما كان الأستاذ جالسا في مكتبه، يحدق في سطح القسم أو ينظر من زجاج النافذة إلى خارج حجرة الدرس، وحين
كان الأستاذ يسمع هذا الخبط يتسمر في مكانه، قبل أن يصرخ بصوت جُهوري يخلق رجة كبيرة داخل القسم، ترعب كل سامعها، باسثتناء التلميذ الذي فطن لحاله: "شنو هادشي.. آش هادشي" وهو يدير برأسه في كل الإتجاهات بسرعة عجيبة، دون أن يُقدِم على أي إجراء أو تحقيق في مصدر هذا الخبط، ليخلص الجميع في الأخير إلى أن الأستاذ وصرامته وحدة نظراته، مجرد واجهة مخادعة، لشخصية مهزوزة، تعاني من مرض نفسي وعقلي، تبث ذلك لاحقا بشواهد طبية، وهكذا صارت حصص هذا الأستاذ شبيهة بما يجري في ساحة جامع الفنا، هذا يضع يده في جيب الأستاذ وذاك التلميذ يغني لام كلثوم، وآخرون يلعبون "الروندا" داخل القسم، خاصة بعد أن باءت بالفشل جميع محاولات التلاميذ في تغيير الأستاذ.

لا اعرف لماذا تذكرت هذا الأستاذ وأنا أستمع لرئيس الحكومة وهو يطلب من الملك تجديد ولاية الرميد، لا قدر الله.

تصوروا وزير عدل بين يديه محضر "مزور" ومحضر "أصلي" صادرين بتاريخ واحد عن جلسة حكم، وبدل أن يفي بقسمه أمام الملك ويطبق القانون، راح يقول للمظلوم عن ظالميه "ادعيهم لله" ! هل تتصورون وزير العدل في اسرائيل أو أي دولة أخرى في العالم يمكن أن يقول فيها الوزير ما قاله للمظلوم؟

قاضي جاءه لفضح فساد في محكمة، وبدل أن يطبق القانون عزله، في آخر المطاف، بعد أن كان سببا في النيل من شرفه، بمحاولة عرضه على الخبرة الطبية ! هل يمكن لوزير العدل في اسرائيل أو في دولة في العالم أن يقدم على هذا الفعل اتجاه قاضي ذنبه حاول محاربة الفساد؟

في طنجة قاضيين "مرتشيين" يعرفهما الوزير بالإسم ! هل يمكن لوزير العدل في اسرائيل أو في أي دولة في العالم أن يعرف قضاة "مرتشين" بالإسم ويتركهما يبثان في ملفات المواطنين دون البحث معهما لحد الساعة؟
هل يمكن لوزير العدل في إسرائيل أو في أي دولة في العالم يحيل قاضيا عجز عن تبرير مصادر ثروته على التقاعد؟ هل تتصوروا وزير العدل في إسرائيل أو أي دولة في العالم، يستطيع أن يصرح بأنه ينقل القضاة الفاسدين بين المحاكم بدل أن يفتح بحوثا قضائية معهم؟

هل يمكن لوزير العدل في إسرائيل أو في أي دولة في العالم أن يحيل كل هذا الكم الكبير من القضاة الفاسدين العاجزين عن تبرير ثرواتهم على التقاعد دون أن يصادرها، ويحيلهم جنائيا على النيابة العامة، والأطرف والأخطر دون أن يظهر مدير مركزي واحد فاسد لحد الساعة؟

هل سمعتم بوزير عدل واحد في العالم أعفى أربعة مدراء مركزيين من مهامهم، وكلهم، بحسب بيانات وزارة العدل، جاء إعفاؤهم بصيغة: "بطلب منه"، فمن هو هذا المدير الأحمق الذي يطلب إعفاءه من منصب بهذا الحجم، اللهم إلا إذا كانت هناك ظروف صحية قاهرة أو عرض أغرى من منصبه؟ وأي عرض أغرى من منصب مدير مركزي بوزارة العدل غير منصب الملك؟

هل يمكن لوزير العدل في إسرائيل أو في أي دولة في العالم أن يراسل النيابة العامة في جميع ربوع بلاده ويلتمس منها عدم قبول الشكايات المتعلقة بجرائم القذف عبر الصحافة، داعيا المواطنين، في مراسلته، إلى التوجه مباشرة إلى المحاكم وتقديم شكايات مباشرة، قبل أداء واجبات الرسوم القضائية ومستحقات الشكاية، لكن حين يقرر رئيس النيابة العامة مقاضاة صحفي يستغل نفوذه بشكل تعسفي، للتهرب من اداء واجبات خزينة الدولة، وكأنه "فوق مواطن" فيأمر بإجراء بحث، يشرف عليه بنفسه ويقرر في مصيره، جامعا بين يديه ثلاث صفات وهي صفة المشتكي وصفة المحقق و صفة المقرر في البحث والمتابعة، ضاربا عرض الحائط تصريح ملكي يقول فيه الملك محمد السادس "المغاربة عندي سواسية" !
هل يمكن لوزير يهودي او نصراني أو مسلم، وأنا أحب أن أركز هنا على الصفة الدينية، لتصل الرسالة أكثر لمن يتبجح بتدينه، والدين منه بريء، أن يفتح لقاضي معروض على البحث ملفا طبيا، ويحيله على المجلس التأديبي، دون أن ينتظر حتى يفصل الطبيب في حالته العقلية والنفسية، هل يوجد في التاريخ جريمة إدارية أكثر من هذه الجريمة في حق البشرية؟

ثم هل يمكن لوزير صهيوني في اسرائيل أن يرفض استقبال مواطن اشتغل في جهاز العدالة بصفة نائب الوكيل العام لمدة تزيد عن 20 سنة، وظل يتردد على وزارته لمدة سنتين، قادما من مدينة مراكش، طالبا، فقط لا غير لقاء، بالوزير داخل مكتبه دون أن يحظى بهذا الحق البسيط جذا، بل وفي الأخير اعطيت الأوامر لمنعه من دخول الوزارة نهائيا، علما أن الوزير الراحل المرحوم الطيب الناصري كان قد أحال قضيته على كتابة المجلس الأعلى للقضاء للبحث فيها مع الإشارة إلى أن القاضي بطبيعته يستمع إلى كل الأطراف، فكيف يسمع الله بجلال قدره للبشر ولا تسمع انت، يا أضعف وزير في تاريخ البشرية خُلقا وتكوينا وثقافة؟

ثم كيف يصف بنكيران أعضاء العدالة بـ"اولياء الله" وبينهم مرتشون وفاسدون؟ أليس في حكمه هذا مصادرة لأي رأي ينتقدهم، وتكفير لهذا الرأي المنتقد؟ هل معارضوهم كفار؟

قبل شهور قال بنكيران: "حين قبل صاحب الجلالة تخصيص أجور شهرية للنساء الأرامل، لم أشعر إلا وأنا أقبل يدي جلالته"، يوحي هذا القول كما لو أن الملك سيخصص هذه الدراهم الشهرية للنساء الأرامل من ماله الخاص. علما أن أول متضرر من هذا القول هو الملك نفسه لأنه يُظهره كما لو أنه دائم القسوة على شعبه، وبأنه من الناذر الاستجابة لمطالب شعبية، بل إن كلام بنكيران يتضمن ما هو أخطر من ذلك على الدستور؛ حيث يقدم الملك "كفاعل خير" وليس مسؤولا، من واجبه تقديم أكثر من ذلك للنساء الأرامل.

ثم كيف يُعقل لرئيس الحكومة ان يقول: " الملك لا يحبنا ولا يكرهنا" فهل استشار الرب قبل ان يحكم؟ ومن اوعز له بقياس الحب او الكره او التعادل بينهما؟

بكلمة "إن لم تستحوا فقولوا ماشئتم".