في سابقة فريدة من نوعها تحولت جلسة محاكمة مشتكى بهما إلى جلسة محاكمة المشتكي محمد بنعيسى، رئيس المجلس البلدي لمدينة أصيلة، الذي يُوصف من قبل هيئات حقوقية بـ"امبراطور فساد".

وانطلقت الجلسة بتوتر كبير بين القاضي وبنسعدون، فحين وجد الأخير نفسه محاطا بأربعة رجال شرطة وهو داخل قفص الاتهام رفقة شريكه في التهمة، سأل بنسعدون القاضي: "السيد الرئيس هل أتابع في حالة سراح أم في حالة اعتقال"؟ فرد القاضي: "في حالة سراح"، فقال الزبير: ولماذا يقف ورائي كل هؤلاء البوليس هل أنا مجرم خطير؟ لماذا حين أمثل أمام محكمة طنجة في قضية أخرى مفتعلة ضدي، يسمح لي بالجلوس بين المواطنين؟ لماذا أصيلة تحديدا تعرف هذه الخروقات؟ ثم زاد بنسعدون: "السيد الرئيس داخل هذه القاعة أدِنت قبل سنوات بحكم جائر مدته ست سنوات مع غرامة 100 مليار سنتيم، وكنت طيلة مثولي أمام المحكمة أصمت وكْلِيتها في ظهري لكن اليوم لن أسكت"، مضيفا في حديثه للقاضي :" والله واخا تعطيوني 20 عام، ماغادي نسكت على حقي"، ثم أردف مخاطبا رئيس الجلسة "واش عندك الحكم جاهز ؟"

وطالب بنسعدون بحضور بنعيسى لمواجهته بجرائمه بحسبه، لكن المحكمة رفضت الطلب، وتساءل بنسعدون ودفاعه عن سر عدم مساواة بنعيسى مع المواطنين أمام القضاء؟، قبل أن يتدخل المحامي الحبيب حاجي لتزكية ما قاله بنسعدون، فحاول القاضي إسكاته، "فانفجر" حاجي غضبا مخاطبا الأخير بالقول:"ما تغوتش عليا، راه أنا محامي، وهاد المهنة مؤطرة بقوانين الأمم المتحدة، ومن حقي نهضر شنو بغيتي تكون كاع؟"، فسكت القاضي ولجم لسانه.

وأشار دفاع بنسعدون الحبيب حاجي، إلى أن وكيل الملك باستماعه شخصيا لبنعيسى إنما أهان بسلوكه الشرطة القضائية التي استمعت للمشتكى بهما. وقال حاجي: أليس في سلوك وكيل الملك جريمة التمييز والملك يقول المغاربة عندي سواسية، مضيفا "واش بنعيسى فوق الملك؟ وهو الذي قرر التسامح وعدم معاقبة من سبه"، قبل أن يردد لمرات عديدة "اللهم إن هذا منكر..اللهم إن هذا منكر..اللهم إن هذا منكر.. السيد رئيس مجلس جماعي منذ 1983 هادي سابقة في التاريخ وكأن العالم لم يجد غيره.."

وأشار الزبير بنسعدون إلى وجود أكثر من خمسين في المائة من السجناء داخل السجون المغربية المعتقلين على خلفية جرائم تتعلق بمخالفات حول التعمير متسائلا عن سر عدم متابعة بنعيسى على بنائه ملعبا دون وجود رخصة قانونية بل وبنائه فوق أراضي خواص ما كبد الجماعة خسارة مالية كبيرة بمقتضى أحكام قضائية.

الخطير والصادم أن النيابة العامة التي تتحرك بمقتضى القانون فقط بالوشاية، وجدت نفسها أمام سيل جارف من التهم الخطيرة بعضها يمس المال العام وبعضها يمس هيبة الملك محمد السادس، بتنفيذ سياسة معارضة تماما لخطبه، دون أن تحرك النيابة العامة أي ساكن.

وأشهر دفاع المُشتكى بهما الزبير بنسعدون ويونس لطاهي وثائق خطيرة أمام النيابة العامة تتهم بنعيسى بخيانة الأمانة والشعب المغربي، مشيرا الحبيب حاجي أحد أعضاء هيئة الدفاع، إلى أن بنعيسى أوحى لصهره بتأسيس شركة بغاية شراء عقار من مواطن يُدعى محمد الريسوني بعد أن كان هذا الأخير قد قرر بيع هذا العقار للجماعة بثمن 30 درهما للمتر الواحد قبل أن يجد البائع أن عقاره قد اشتراه صهر بنعيسى الذي أعاد بيعه لمجلس الجماعة بثمن 130 درهما، مشيرا بنسعدون في تدخله إلى أن عقارا مجاورا لهذا العقار بيع بثمن 10 دراهم للمتر.

وقال حاجي إن هذه الشركة خلقت من أجل هذه الصفقة واختفت ولم تنجز أي صفقة أخرى، وتساءل حاجي عن سر حفظ حسن داكي الوكيل العام باستئنافية الرباط، لشكايته.

من جهته تساءل المحامي عبد الفتاح حيد، عن سر عدم لجوء بنعيسى، إلى مسطرة نزع الملكية لفائدة المنفعة العامة، كما تقضي الأعراف في مثل هذه الحالات، راسما صورة كارثية عن أوضاع المدينة، بكشفه عن انعدام مدرسة خاصة ومركز ثقافي ومستشفى عمومي يستجيب للحاجيات الصحية للسكان مع وجود ثلاثة دواوير صفيحية. فيما قال المحامي العباسي إن بنعيسى يعمل على تأزيم المعارضة.

حاجي اعتبر متابعة النيابة العامة لموكليه "عار على جبينها لن ينمحي"، متهما إياها باستعمال سلطة الملاءمة بطريقة غير قانونية، وخاطب حاجي هيئة الحكم: "والله ثم والله لو قدر لهذا الشعب أن يحكم البلاد حقيقة ولو بعد مائة سنة ستفتح جميع الملفات وسيحاكم بنعيسى وكل مسؤول قضائي تواطأ معه"، ثم زاد قائلا: إلى كنتو باغيين تقريوا ولادكم برا هذاك نقاش، إلى بغيتوا تقرويهم هنايا طبقوا العدالة".

المثير والصادم، أكثر في جلسة اليوم، أن النيابة العامة لم تقدم أية مرافعة سوى جملة التمست فيها إدانة المشتكى بهما رغم أن النيابة العامة هي التي قامت بالمتابعة ورغم سماعها لجرائم تقشعر لها الأبدان متهم بارتكابها الشخص الذي حركت المتابعة لفائدته وهو محمد بنعيسى.

وقال حاجي إن العناصر الثلاثة المكونة لجريمة الوشاية الكاذبة غير متوفرة وهي التبليغ التلقائي والقصد العام والقصد الخاص، موضحا حاجي أن القصد العام والقصد الخاص وهما الركن المعنوي في الجريمة غير متوفرين، لأن توفرهما يتحقق حين يكون الواشي يعلم بعدم وجود الوقائع التي يُشير إليها أما حين يتقدم مُبلغ عن جريمة وهو يملك وثائق وأدلة تؤكد حدوث هذه الجريمة، فلا معنى للحديث عن وشاية كاذبة.

وقدم حاجي جملة من أحكام قضائية بعضها صادر عن محاكم مغربية كاستئنافية أكادير وبعضها الآخر صادر عن محكمة النقض وبعضها الآخر صادر عن القضاء الجزائري فيما بعضها الآخر صادر عن القضاء الفرنسي، كلها تزكي أقواله وتبرئ موكليه.

يشار إلى أن القاضي وجد نفسه في مواجهة مع المواطنين الحاضرين بالمحكمة في العديد من الأحيان، خاصة عندما كان يسمع عبارات تصدر منهم من قبيل "شفار ... خرج علينا.. ضيعنا.."، حيث ظل بين الفينة والأخرى يضرب على الطاولة، قبل أن يحدد يوم 7 مارس القادم كموعد للنطق بالحكم.

يُذكر أن المستشارين هما من كانا قد تقدما بشكاية إلى غرفة الجرائم المالية باستئنافية الرباط يشتكيان فيها بنعيسى بتبديد المال العام بعد شرائه لعقار بات يعرف بالملعب البلدي.