لو خيروني بين وقف جميع متابعاتي أمام القضاء وإلغاء كل الأحكام الجائرة الصادرة في حقي مع تمكيني من عشرة عقد إشهار سنوية موقعة مع أكبر الشركات المغربية، وبين لقائي بالملك وسؤاله: "كيف تأتى لكم يا عاهل البلاد أن توافقوا على عزل قاضي بسبب رأيه القانوني والعلمي في مشاريع تنظيمية حول السلطة القضائية"؟ لفضلت الخيار الثاني، رحمة بعقلي، الذي يكاد أن يُجَن بسبب هذا القرار الظالم، الغريب والعجيب، والمُصادم لفصول الدستور وخطب الملك نفسه، وتاريخ المغرب والمسار الذي اتخذته البلاد، بصرف النظر عن بعض الحوادث المؤلمة.

تأملوا لتتألموا، ولكم ولنا الله في هذه البلاد السعيدة، البرلمانيون الذين ننتخبهم ونخصص لهم ملاييننا، لتمثيل وجداننا والدفاع عن حقوقنا، يتركون الريع والفساد وسُرَّاق مقالع الرمال ومُهربي الأموال ومُبَيِّضيها، وتجار المخدرات والبحث في مصير العائدات المالية من تصدير هذه الآفة الفتاكة، ويتفرغون في الأخير لتحرير شكاية ضد قاضي أبدى رأيا علميا وقانونيا في مشاريع قوانين، والأبكى والأفجع أن بين محرري الشكاية رئيس فريق برلماني لحزب وزير العدل، الذي وُجهت إليه الشكاية، قبل تقرير المتابعة فيها، في حق المستشار الدكتور الهيني، ليجري عزله لاحقا، وفقا لمسطرة خُرقت فيها أبسط حقوقه في الدفاع، ويا للطرافة والغرابة، حتى الظهير الذي عُين به المستشار الدكتور الهيني لم يوازيه ظهير نظيره يشير إلى عزله، حيث اكتفى المعدمون بإصدار إشعار لمكان عمله، يشير إلى قرار عزله !

تأملوا لتتألموا، ولكم ولنا الله في هذه البلاد السعيدة، المقرر في ملف الهيني كان  وكيلا للملك في ابتدائية الدار البيضاء، ورفض إحضار متهم في أكثر من محاكمة، وحين اشتكى المتضرر منه، أمام المحكمة الإدارية في الرباط، حكم القاضي محمد الهيني، لفائدة المتضرر ضد وكيل الملك حسن مطار، وعندما واجهه الأخير بتجريحه فيه، على خلفية هذه القضية، رد مطار في تقريره، بأن المسؤول هي وزارة العدل، علما أن أي وزير عدل محترم في العالم، حين يتسبب مسؤول قضائي في خسائر مادية لوزارته، طبيعي أن يتصل الوزير، في إطار المسؤولية الإدارية، بهذا المسؤول ويؤنبه على خطئه، ما قد يحرم الأخير من ترقية، وبالنتيجة سيحقد المسؤول القضائي على القاضي الذي كان سببا في حرمانه من الترقية وفي لومه من طرف رئيسه، الذي هو وزير العدل، فهل يستطيع هذا المسؤول القضائي أن يقاوم رغبة الإنتقام ممن كان سببا في توبيخه وربها في سبه من طرف رئيسه وحرمانه من ترقية، إذا أتيح له أن يكون مقررا في خصمه القاضي المعني؟ ماذا كان سيضير الدولة لو عينت مقررا آخر في الملف ذرءً لأي لبس، وتكريسا لمبدأ المحاكمة العادلة؟ لماذا كل هذا الإصرار من الدولة على مقرر بعينه، وكأن البلاد ليس فيها سوى حسان مطار؟ لماذا كل هذا الإسراع بعزل الهيني؟

تأملوا لتتألموا، ولكم ولنا الله في هذه البلاد السعيدة، ملك البلاد يقول "المغاربة عندي سواسية"، والشريف العفيف المستشار الدكتور محمد الهيني يتابع بتُهمة "الإخلال بواجب التحفظ وإبداء موقف يكتسي صبغة سياسية"، قبل عزله، في وقت تابع فيه العالم شريط فيديو لقاضي  يتضمن خروجا واضحا ومفضوحا عن واجب التحفظ بإبدائه علانية موقفا سياسيا مواليا للحكومة ضد المعارضة، ومع ذلك لم تطله متابعة ولا عزل. فأين هي "السواسية" هنا، بين قاضي يُبدي موقفا سياسيا ويستمر في عمله، وبين قاضي يبدي موقفا علميا وقانونيا ويعزل من عمله؟ علما أن القاضي المتستر عليه "يملك عشرات الهكتارات" و العديد من الملايير، بحسب العديد من المصادر القضائية، لماذا لا يُصرح بممتلكاته كما فعل الهيني، الغارق في الديون البنكية، لماذا لا تبحث النيابة العامة في مصادر هذه الثروة، وطبعا، كل متهم بريء حتى تثبت إدانته؟

تأملوا لتتألموا، ولكم ولنا الله في هذه البلاد السعيدة، نصرف الملايير لاسترجاع أقاليمنا الصحراوية،  ثم نعدم قاضيا بسبب رأي علمي وقانوني في مشاريع تنظيمية حول السلطة القضائية، وفي الأخير نحاول إقناع الرافضين للوحدة بجدوى الإنتماء للمغرب!

تأملوا لتتألموا، ولكم ولنا الله، في هذه المفارقة العجيبة والغريبة في هذه البلاد السعيدة، ملك البلاد يسأل :أين الثروة؟ وطبعا لا يمكن الوصول إلى مكان الثروة إلا عن طريق البحث والتحقيق الذي  يكون تحت إشراف جهاز النيابة العامة، وفي الأخير يُعزل أحد أشرف القضاة المنتمين لهذا الجهاز، ونُبقي على قضاة أحدهم متهم من طرف حقوقيين بشراء مصحة لزوجته بمليار ونصف في الدار البيضاء، وآخر بامتلاكه أربعين هكتار محفظة وثلاثة ملايير و800 مليون سنتيم، وآخر في محكمة النقض "يملك ما ملك قارون" بحسب تعبير مصادر قضائية، فيما آخرون مشار إليهم بالإسم في التورط في تلقي رشاوى في طنجة، دون ان ننسى قضاة يسربون الأحكام قبل عقد الجلسات وتقديم المرافعات!

عزل الهيني ضربة موجعة لشرعية الملكية في المغرب، وعلى الرميد ومن فوق الرميد ومن يحميه أن يعلموا جميعا بأن سر استمرار هذه البلاد السعيدة إنما تأتى بتوافق مكونات البلد ونضج نخبه السياسية، و بما راكمته الملكية من شرعية، بصرف النظر عن تهاونها في النهوض بكثير من مسؤولياتها تجاه حقوق المواطنين وحماية فصول الدستور.

قال علي بنو أبي طالب "حين سكت أهل الحق عن الباطل اعتقد أهل الباطل أنهم على حق"، وقال الفيلسوف انشتاين: لا ينهار العالم بالأعمال الشريرة وإنما ينهار بسبب أولائك الذين يتفرجون على الأعمال الشريرة ولا يتدخلوا لمنع وقوعها.