بورتريه ــ "تخليت عن جميع أحلامي اليوم لفائدة حلم واحد، وهو الوصول إلى استقلال حقيقي وفعلي للسطلة القضائية و الإشتغال ولو لساعة واحدة بعد مغادرة الرميد لوزارة العدل، مادام يصر على تصفيتي وإعدامي مهنيا"، يقول القاضي المعزول محمد الهيني، نائب الوكيل العام للملك باستئنافية القنيطرة، لموقع "بديل".

وُلِد محمد الهيني، سنة 1975م، بـ"حي البورنيات" بمنطقة "بندباب" في مدينة فاس. ينحدر والده الفقيه من دوار "إيفوزار" في "غفساي"، وهي منطقة جبلية، تابعة لإقليم تاونات. في سنة 1980، باغثت المنية والده، فبقي الطفل محمد يتيما وعمره خمس سنوات، يتوسط أخويه الذكرين.

في سن مُبكرة التحق الطفل محمد بـ"مؤسسة الحاج الهادي التَّجَمُّعْتِي"، وهي مؤسسة خيرية تعليمية، تُعنى بالتلاميذ اليتامى، توفر لهم كل سبل العيش من مأكل وملبس ومسكن وأدوات مدرسية، بعد أن عجزت الوالدة عن توفير واجبات تمدرسه، نتيجة تركها على الكفاف من طرف الأب الهيني، الذي شغل مهنة سائق شاحنة بضائع للنقل الدولي.

سرق  التلميذ محمد الهيني  أنظار معلميه منذ اللحظات الأولى لجلوسه في الفصل الدراسي، بعد أن تفوق عن زُملائه بنجابته واجتهاده الكبير وحرصه الشديد على التعلم، كما تميز بطيبوبته الكبيرة بين أقرانه. " لسانو حْلُو من صْغْرو، ومَعُمْرك تشوفو بُوحدو في المدرسة، كان محمد الهيني محبوبا جدا بيننا، ويحرص دوما على الجلوس في الطاولة الاولى، هادشي علاش كان دايمن تيجي هو الأول في النتيجة"، يقول زميل للهيني في نفس المؤسسة الإجتماعية، شاءت الأقدار أن تجمعهما تحت سقف قطاع واحد.

في سنة 1991، التحق التلميذ محمد الهيني بثانوية "ابن الهيثم" بـ"حي بنسودة" في فاس، حيث قضى فيها ثلاث سنوات، ظل فيها يتصدر نتائج الإمتحانات، قبل أن يلتحق سنة 1994، بجامعة المولى عبد الله بفاس، حيث تسجل في شعبة الحقوق.

ينجح في ثلاث مباريات

شكلت الجامعة فرصة للطالب محمد لاكتشاف الحياة بشكل أرحب وأوسع، بعد أن ظل يتردد على الساحة الجامعية، يستمع فيها لحلقات نقاش الطلبة الإسلاميين واليساريين، دون أن يُعلن عن انتمائه يوما لفصيل طلابي، وإن كان لا يستطيع مقاومة شعوره المتعاطف مع الطلبة الإسلاميين.

أنهى الطالب مُحمد الهيني، دراسته الجامعية، متفوقا على جميع زملائه، ما أهله للنجاح في ثلاث مباريات، الأولى كمفتش في وزارة المالية، والثانية كمحامي، والثالثة كقاض."كان حلمي أن أصير قاضيا"، يقول محمد، بعد أن وقع اختياره على هذه المهنة.

في سنة 2001 تخرج المذكور قاضيا من المعهد العالي للقضاء، قبل أن يجري تعيينه قاضيا في الرئاسة، بابتدائية ميسور سنة 2002، التي شغل بها أيضا منصب نائب رئيس المحكمة.

سنة 2003 دخل محمد الهيني، القفص الذهبي، بعد أن اختار شريكة حياته وزميلته في المعهد العالي للقضاء، القاضية أمينة نعيمي، التي تعمل مستشارة ورئيسة الغرفة الإجتماعية بالمحكمة الإستئنافية بالرباط، فأثمر زواجهما ميلاد ثلاثة أبناء.

ويا للصدفة العجيبة، القاضي الهيني يسكن في مقر الإقامة الإجبارية للاتحاديين عبد الرحيم بوعبيد ومحمد اليازغي ومحمد الحبابي وعبد الهادي خيرات، بميسور، حيث قضى هناك سبع سنوات، رفقة زملائه القضاة، قبل أن يستدعيه مدير الشؤون المدنية في وزارة العدل، بعد أن أصدر القاضي الهيني كتابين في مجال العدالة.

استقبل المدير القاضي الهيني، فأعرب له عن إعجابه الكبير بسعة ثقافته القضائية، لكن الهيني أوضح له بأن زوجته تشتغل قاضية في صفرو، غير أن المدير هون من هذا الأمر، واعدا إياه بنقلها إلى الرباط، فوقع الوزير محمد بوزوبع آخر قرار في حياته قبل أن تباغثه المنية، بتعيين الهيني مستشارا مكلفا بالدراسات والتشريع في مديرية الشؤون المدنية.

قضى الهيني أربع سنوات في منصبه المذكور، ومِنه انتقل إلى المحكمة الإدارية في الرباط. وغداة تفجر الشارع المغربي سنة 2011، تفاعلا مع تفجر الشارع العربي، بعد إحراق البوعزيزي لجسمه وهروب بنعلي إلى السعودية، سيلتحق محمد الهيني بالشارع كواحد من مؤسسي الحراك القضائي في المغرب.

انتصارا لمحضر 20 يوليوز

لكن اسم الهيني سيطفو على السطح بشكل أقوى وأكبر بعد أن حكم لفائدة أطر محضر 20 يوليوز، استنادا إلى قاعدة استمرارية المرفق الإداري، لكون المحضر موقع عليه من طرف حكومة عباس الفاسي، وهو الحكم الذي وجد فيه الوزير مصطفى الرميد تحديا لحكومتهم، من خلال ما عبر عنه، أياما قليلة جدا بعد صدور الحكم بالقول :"التوظيف المباشر هو عين الفساد" لكن الهيني يقول "هذا الحكم سيبقى مفخرة لي ولأبنائي وأحفادي ولأحفاد أحفادي".

لم تمر سوى أسابيع قليلة، حتى وجد الهيني، نفسه أمام الرميد، يحاكمه على تدوينة على صفحته يقول فيها "لا نريد لا أسدا ولا نمرا" اعتبرها الوزير خروجا عن واجب التحفظ والوقار، وإساءة بليغة لمدير مركزي، جرى تعيينه من طرف الرميد.

كانت "غريبة الغرائب"، و"طريفة الطرائف" أن المدير المعني والهيني التقيا جميعا بحضور قضاة ووقعوا على محضر صلح، ومع ذلك أصر الرميد على محاكمة الهيني، دون أن يقوى الوزير على البث في شكاية كان الهيني قد وضعها على مكتب الرميد، يقول فيها الهيني "إن لهذا المدير المركزي ثروة لا تعد ولا تحصى، وجب البحث في مصادرها".

حُكم على الهيني بالتوقيف عن العمل لمدة ثلاثة أشهر مع توقيف راتبه خلال هذه المدة وكذا بنقله إلى استئنافية القنيطرة، كنائب للوكيل العام، وبالتالي أصبح مرؤوسا للرميد بصفته رئيسا للنيابة العامة.

كان الهيني أول قاضي مغربي يحكم ضد وكيل ملك الحسان مطار المقرر في ملفه، لفائدة مواطنين، كما كان القاضي الوحيد الذي حكم ضد وزارة العدل لفائدة ضحاياها في العديد من القضايا.

زلزال وسط القضاة

لم يستسغ الهيني الحكم الصادر ضده فأعلن استقالته من سلك القضاء، فكانت رجة غير مسبوقة في تاريخ القضاء المغربي، وهنا تشكلت صورة الهيني لدى الرأي العام كقاضٍ مستقل قولا وفعلا، قبل أن يعدل عن قراره نتيجة ضغوط مارسها عليه زملاؤه في "نادي قضاة المغرب".

اعتقد معاقبوه أن هذه العقوبة ستجعل الهيني يتخلى عن مبادئه كقاضٍ مستقل يسعى للمساهمة في رؤية سلطة قضائية مستقلة كما ينص على ذلك الدستور المغربي، وبالنتيجة سيصبح كباقي كثير من القضاة القابلين لإنتهاك مقتضيات الدستور، لكن هيهات ثم هيهات مع من كَبُر منتصب القامة طيلة حياته، بشهادة مقربين منه.

شهامة قضائية تمتد في الزمن

ظل الهيني نشيطا في صفحته الإجتماعية وحاضرا في كل المعارك القضائية والحقوقية، في وقت ظلت فيه أعين الوزير ترصد جميع تحركاته وسكناته، حتى وهو طريح الفراش داخل مصحة تمارة، بعد ان أرسل موظفين للتجسس عليه والتأكد من صحة مرضه من عدمه، بعد متابعته على خلفية شكاية مقدمة من طرف برلمانيين، يتهمون فيها الهيني بإبداء موقف سياسي لفائدة المعارضة.

استُدْعي الهيني إلى مقر الوزارة للبحث معه، لكن المفتش العام رفض تمكينه من الإطلاع على الشكاية بل وحتى الإطلاع على هوية المشتكين به، في سابقة قضائية قد لا تحدث حتى في أحلك الأنظمة الديكتاتورية، لكون تشريعات حمو رابي قبل أربعة آلاف سنة قبل الميلاد تجيز للمتهمين الإطلاع على الشكاية وهوية المشتكين، قبل أن يقرر الرميد متابعته أمام المجلس الاعلى للقضاء، بتهمة الخروج عن واجب التحفظ وإبداء موقف يكتسي صبغة سياسية"، رغم أن هذه التهمة لا زالت قيد الدرس والنقاش في مشاريع الرميد، التي لم يصادق عليها بعد في البرلمان.

"حُكرة" تفجر خطوة غير مسبوقة

هيّج قرار الرميد، الهيني، بشكل غير مسبوق، فكان يوم الخميس فاتح دجنبر المنصرم، يوما سيبقى موشوما في الذاكرة المغربية، فيا للخطوة التاريخية وغير المسبوقة في تاريخ القضاء المغربي والعالمي، القاضي الهيني يضرب عن الطعام، احتجاجا على هضم حقوقه في الدفاع والإنقلاب على الدستور المغربي، الذي حث الملك بموجبه رئيس الحكومة بعدم تنفيذ أي قرار صادر عن أحد مستشاريه إذا كان يتعارض مع مقتضيات الدستور، في وقت تتعارض فيه الكثير من مشاريع قوانين الرميد مع مقتضيات هذا الدستور !

تعاطف منقطع النظير

أحدثت متابعة الهيني زلزالا غير مسبوق وسط المجتمع المغربي، فأصدرت أزيد من 20 هيئة حقوقية مغربية بيانات تنديدية بهذه المحاكمة، مع حملة تضامنية "فيسبوكية" منقطعة النظير.

تأججت الحملة أكثر ببيانات دولية صادرة عن "معهد لاهاي الدولي للدفاع عن حقوق الإنسان" و"المنظمة الأوربية للدفاع عن حقوق الإنسان"، بل وحصول الهيني على صفة خبير دولي، دفعت "بيجيدي" إلى الإتصال بقيادة المعهد لطلب إسقاط هذه الصفة عنه.

بعد أن تباينت الآراء حول هوية المشتكين، بل واعتقاد كثير من المتتبعين لهذه القضية بعدم وجود أي شكاية، سيكتشف موقع "بديل" أن المشتكين هم رؤساء الفرق البرلمانية التابعة للحكومة، دون موافقة رئيس مجلس النواب، رغم أن الدستور المغربي لا ينص في أي فصل من فصوله، الخاصة بمهام البرلمان على مقاضاة البرلمانيين للقضاة؛ لتكميم أفواههم.

وبفضل صموده رغم كل الضغوطات التي مُورست عليه، لم يستسلم الهيني، ما جعل هيئة تحرير موقع "بديل" تختاره كـ"رجل سنة 2015" خاصة وأنه ظل وفيا لمبادئه كقاضٍ مستقل يناضل ضد الصورة التي ترسبت في المخيال المغربي عن القضاة بكونهم جميعا قضاة فاسدين، منافحا بقوة عن إحترام مشاريع القوانين لمقتضيات الدستور، فهل سينجو الهيني من توجه داخل الدولة يصر على "قتل" قضاة الرأي الاحرار وإعدام وسائل الإعلام المستقلة، ومحاصرة الحقوقيين وترهيبهم، أم أن التوجه التقدمي داخل الدولة سينتصر للهيني ومنه لدولة الحق والقانون، كما جرى عند انتصاره لحراك الشارع سنة 2011، عبر خطاب 9 مارس وبعده استقبال ضحايا البيدوفيل الإسباني والإعتذار منهم؟ لكن كيف لمن حفظه الله وعمره خمس سنوات، حتى صار قاضيا، أن لا يحفظه الله مرة الله مرة اخرى وعمره اليوم 40 سنة؟ يتساءل عزيز ملوكي، رئيس " جمعية الأهداف النبيلة ".

ملحوظة 

هذا البورتريه كُتب ليلة رأس السنة الجارية؛ حيث اختار الموقع الهيني رجلا للسنة، و نعيد نشره اليوم لكل غاية مفيدة، بعد أن عزل الهيني وأصبح أيقونة القضاء المغربي، جلبت قضيته تعاطفا منقطع النظير، وصل حدود تنظيم وقفة غدا امام البرلمان عند الساعة الخامسة وقفة امام استئنافية طنجة ووقفة امام استئنافية القنيطرة عند الساعة الثانية بعد الزوال من يوم الخميس 18 فبراير الجاري، و إضراب محامين عن الطعام من اجله وجمع تبرعات مالية له، بعد أن أظهر تصريحه بممتلكاته أنه غارق في الديون البنكية، وكل ذلك بعد انتصار التوجه المظلم في الدولة عليه بعزله من سلك القضاء.