صَدَرَ فِي حَق زَمِيلِنَا الأستاذ محمّد الهيني قرارا بالغزل حَرَمَنا، نَحْنُ زُمَلاؤُهُ القُضَاة، من قَاضٍ متميزٍ تَكْوِيناً وَفِقْهاً وَإِصْراراً عَلَى تَحْقِيقِ الرِسَالَةِ السَّامِيةِ لِلْقَضَاء.

قاضٍ تَشَرَّبَ قَدْراً كَبِيراً مِنَ الإحْسَاسِ بِالْمَسْؤُولِيةِ العَامَّةِ والوَطَنيَّةِ الصَّادِقَةِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْخِصَالِ الفَاضِلَةِ التِي تَجْعَلُ هَذَا النَّوْعَ مِنْ رِجَالِ القانُونِ والقَضَاءِ، يَتَجَاوَزُ حُدُودَ طُمُوحِهِ الشَّخْصِي إِلَى التفْكِيرِ والتنْظيرِ والتفْعيلِ للمبادِئِ العُلْيَا التِي يُؤْمِنُ بِهَا، مَعَ سعَة الاطِلاَعِ والجِدِّ فِي البَحْثِ، وَالتَبَحُّرِ فِي القَانُونِ، وَالمُثَابَرَةِ فِي الاسْتِزَادَةِ مِنَ العِلْمِ.
بِهَذِه الرُّوحِيَةِ عَرَفْتُ الأُستَاذَ الهِينِي قَاضِياً مُتَدرِباً فِي المَعْهَدِ القَضَائِي فِي الشُّهُورِ الأَخِيرَةِ مِنَ القَرْنِ المَاضِي، يُنَاقِشُ بِحَمَاسِهِ الْمَعْهُودِ ثُلَّةً مِنُ أَسَاتِذَتِنَا الذِينَ كَانُوا خَيْرَ خَلَفٍ لِجِيلٍ من القُضَاةِ العِظَامِ السَّابِقِينَ لنَا فِي هذه الهَيْئَةِ.
وَبِهَذِهِ الْخِصَالِ عُرِفَ الأسْتَاذُ مُنْذُ جَلَسَ لْلقَضَاءِ فِي المَحْكَمَةِ الابتدائية، ثم في المَحْكَمَةِ الإدارية وَبَيْنَهُمَا خِلاَلَ فترة إلحاقه بالإدارة المركزية لوزارة العدل، ثم مُمَثِّلاً للنِّيَابَةِ الْعَامَّةِ لَدَى مَحْكَمَةِ الاسْتِئْنَاف.
وَبِهَذِهِ الْمَزَايَا شَهِدَ لَهُ الأسَاتِذَةُ الْجَامِعِيُونُ، وَبَعْضُهُم مِنْ أَعْلامِ الْقَانُونِ بالبَلَدِ، خِلالَ الدِرَاسَاتِ العُلْيَا التِي أَبَانَ خِلالَهَا عنْ جِدٍّ واجْتِهَادٍ أَثْمَرا مُنَاقَشَةَ أُطْرُوحَةَ دُكْتُورَاه فِي القَانُونِ.
شَارَكَ الأستاذ بِزَادِهِ الحُقُوقِي فِي النِّقَاشَاتِ الْغَنِيَّةِ، المُسْتَفِيضَةِ وَالمُتَنَوِّعَةِ التِي مَيَّزَتْ فَتْرَةَ إِعْدَادِ مَشْرُوعَيْ القَانُونَيْنِ التنْظِيمِيَيْنِ المُتَعَلِّقَيْنِ بِالْمَجْلِسِ الأعْلَى لِلسُّلْطَةِ الْقَضَائِيَةِ وَالنِّظَامِ الأَسَاسِيِّ للْقُضَاةِ وَالْحِوَارِ بِشَأْنِهِمَا، نِقَاشَاتٍ نَوْعِيَة سَتَبْصُمُ هَذِهِ الْمَرْحَلَةَ التَّارِيخِيَةَ الفَاصِلَةَ، فِي أُفُقِ انْبِعَاثِ السُلْطَةِ القَضَائِيَةِ المُسْتَقِلَّةِ، كَمَا حَدَّدَتْهَا وَنَظَّمَتْهَا مُقْتَضَيَاتُ دُسْتُورِ الْمَمْلَكَة لـ 29 يوليوز 2011، وَمَا وَفَّرَهُ مِنْ ضَمَانَاتٍ قَدْ تَجْعَلُ الْمَجْلِسَ أَكْثَرَ حِيَاداً وَاسْتِقْلالِيَةً فِي إِدَارَةِ الشَّأْنِ الْقَضَائِيِّ.
بَيْدَ أَنّهُ، فِي رَأْيِي، لاَ يَبْدُو مِنَ المُفِيدِ الآنَ، العَوْدَةُ لِمَا مَضَى ولا مُحَاوَلَةُ تَقْيِيمِهِ، فَلا بُدَّ مِنْ وَقْتٍ لِلتَّفْكِيرِ وَالتَدَبُّرِ، وَالتَأَمُّلِ واسْتِخْلاصِ الْعِبَرِ واسْتِشْرَافِ الآفَاقِ، فَزَمِيلُنَا الْعَزِيزِ سَيُلْفِي نَفْسَهُ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ، لِلأَسَفِ، خَارِجَ سِلْكِ القَضَاءِ، لَكِنَّ اسْمَهُ سَيَظَلُّ نَاصِعاً رَاسِخاً فِي أَذْهَانِ كُلّ مُحِبّيهِ وَزُمَلائِهِ وَزَمَيلاَتِهِ، وَسَيَذْكُرُ الْجَمِيعُ الأُسْتَاذَ الدُّكْتُورَ محمّد الهيني بِكُلّ الاحْتِرَامِ وَالامْتِنَانِ.