في هذا المقال المثير والقيم، يرثي احمد الرحموني رئيس "المرصد التونسي لاستقلال القضاء"، واقع العدالة في المغرب، بعد عزل القاضي الشريف محمد الهيني، لمجرد إبدائه لرأيه في مشاريع القوانين الخاصة بالسلطة القضائية والنظام الاساسي للقضاة.

ويتأسف الرحموني، على الطريقة والسرعة التي تم بها التآمر، على الهيني من طرف وزير العدل والحريات مصطفى الرميد، وكذا رؤساء فرق الأغلبية البرلمانية، مشبها الطريقة التي تم بها الإجهاز على صوت الهيني، بنظيرتها التي عُزل على إثرها القاضي التونسي المختار اليحياوي، والذي تحول على إثرها إلى أحد أشرس المعارضين لنظام بنعلي.

كما استبعد الكاتب أن تكون هناك مؤسسات قضائية، في المغرب من شأنها حماية القاضي من تعسف باقي السلطات.

وفي ما يلي نص المقال كاملا:

يحصل في المغرب : القاضي محمد الهيني وكماشة السلطة


القاضي المغربي محمد الهيني، احد الفاعلين في حركة النضال القضائي وعضو نادي قضاة المغرب والذي تعرفت عليه في زيارة خاطفة الى الرباط العام الفارط - يتم في وقائع مؤسفة التامر عليه من قبل وزير العدل و الحريات بالاتفاق مع اربع كتل برلمانية ابرزها حزب الوزير وهو حزب العدالة والتنمية اضافة الى المجلس الاعلى للقضاء وبمصادقة من الملك لتنتهي الاجراءات السريعة الى عزل القاضي بتاريخ 11 فيفري 2016 بموجب قرارتاديبي يفتقد الى ابسط الضمانات .

الشكاية المقدمة من الكتل الاربع تضمنت اتهاما للقاضي بالاساءة لمجلس النواب خصوصا في المقالات التي نشرها بشان المناقشات الدائرة حول مشروع القانون المنظم للمجلس الاعلى للقضاءوغيره من من النصوص المتعلقة بالسلطة القضائية.وبسبب ذلك ولذلك فقط تمت متابعته بدعوى اتخاذه مواقف سياسية و اخلاله بواجب التحفظ .

وبناء على ممارسته لحق التعبير المكفول للقضاة بنص الدستور(وهو الذي اعتقد ان ذلك من حقه) وخشية ان يكون محمد الهيني مثالا لغيره تم الاصرار على اسكات صوته رغم الاحتجاجات الواسعة - داخليا و خارجيا - التي رافقت احالته على مجلس التاديب.

نادي قضاة المغرب، الذي يضم بالاساس عناصر شابة ومستقلة - اكد ان قرار العزل- الذي لم يصدر لفساد مالي او اخلاقي - كان يستهدف احد القضاة النشطين بسبب التعبير عن ارائه بشكل علني في قضايا الشان العام التي تهم العدالة وان عقوبة العزل ترمي الى اخراس كل اصوات القضاة المنادية بالتغيير و الاصلاح في اطار الثوابت و المؤسسات.

لكن هل توجد فعلا مؤسسات قضائية - في المغرب او في اية دولة عربية - يمكن ان تكون اساسا لبناء سلطة قضائية مستقلة قادرة على حماية القاضي ضد اي تعسف يصدرعن باقي السلطات ؟

لا اعتقد ذلك وربما ادرك القاضي محمد الهيني الى اي حد هي ضعيفة او غائبة تلك المؤسسات وهو يرى "كماشة السلطة " تطبق عليه لتخرس صوته .

اشعر بحزن عميق يذكرني بالايام الماضية على عهد الحكم البغيض في تونس يوم كنا قبل 14 جانفي 2011 نطارد من اجل افكارنا ونحاسب على نوايانا .لقد تذكرت المرحوم القاضي المختار اليحياوي يوم عزل لذات السبب وبنفس الطريقة وكيف تحول من ذلك القاضي "المستقل" الى موقع المعارض الشرس لاكبر النظم فضاعة في منطقة المغرب العربي .

ما زلت اقرا واعيد كلمات "الصديق" محمد الهيني وهو يغادر صفوف زملائه ويترك منصة القضاء ويقول في نبرة صادقة"من المؤسف والمخجل جدا أن يعزل قاض حر ومستقل بقرار سياسي وحزبي متكامل الأركان، شكاية ،ومتابعة ، ...في خرق سافر لأبسط شروط ومقومات المحاكمة العادلة ... إرضاء لنزوات الحقد الأعمى ممن يريد إرجاع المغرب لما قبل دستور 2011،ولم يتعلم من دروس الماضي ."

كان وفيا "لجوهره"ثابتا في اعتقاده وهو يقول "لقد أديت واجبي كقاض بكل ضمير وباستقلالية وبمهنية واحترافية عالية ،وذلك يشهد به العام والخاص ،وشرف لي أن أعزل دفاعا عن حرية الكلمة . سأبقى وفيا لقناعاتي ومبادئي ما حييت مستمرا في النضال في الكثير من المواقع رفقة كل الطاقات الحية الحقوقية المنافحة عن استقلال السلطة القضائية".لكن هل كان يتوجه لنا جميعا ويريد ان يقنعنا بان نشاة "السلطة القضائية "تبدو قريبة ؟

"هل ان ضريبة النضال والتغيير القضائي لفائدة الوطن والمواطن هي شمعة ستضيء درب كل المخلصين من القضاة والفاعلين الحقوقيين للقادم من الأيام والسنين ؟ ". بالتاكيد الكثير يعتقد ذلك "اطمإنوا - كما يقول صديقنا - "لن نموت جوعا أو عطشا وعاشت السلطة القضائية مستقلة ."