يصوت البرلمان الجزائري بغرفتيه غدا (الاحد) لاقرار مشروع دستور معدل، استغرق اعداده خمس سنوات، ضمنت السلطة الحصول على اكثر من 500 صوت لتمريره، بينما اعلنت فصائل المعارضة واحزابها معارضته لتحفظات عديدة على مواده، ولانها تعتبره برلمان السلطة.

التعديلات الدستورية تتضمن بعض المواد المهمة من بينها حصر فترة الرئاسة ومدتها خمس سنوات، بفترتين فقط، وجعل اللغة الامازيغية لغة رسمية ثانية في البلاد، وتشكيل هيئة مستقلة للاشراف على الانتخابات في البلاد، واعطاء الرئيس صلاحية تعيين رئيس الوزراء بعد التشاور مع الاغلبية البرلمانية، وعرضه القوانين الجديدة على البرلمان قبل التصديق عليها.

مواد كثيرة في التعديلات الجديدة اثارة حالة من الجدل، ابرزها تلك التي تمنع مزدوجي الجنسية من تولي مناصب عليا في الدولة، مما دفع السيد عبد المالك سلال الى اصدار توضحيات تؤكد ان هذا المنع سيقتصر على المناصب العليا الامنية والعسكرية الحساسة، ولكن هذا التوضيح الذي صدر الخميس الماضي لم يقنع الكثيرين في صفوف المعارضة، واوساط الجزائريين في الخارج.

الجزائر تقف هذه الايام امام مفترق صعب زاد من صعوبته تراجع العوائد النفطية والغازية، وارتفاع معدلات البطالة، ووجود ضغوط خارجية وداخلية لاحياء مظاهرات واضطرابات “الربيع العربي”، وما يزيد من غموض الوضع، هو تدهور صحة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة (اربع فترات رئاسية)، وعدم ظهوره علنا منذ عامين تقريبا، وتواصله مع وزرائه عبر الرسائل لصعوبة نطقه، مثلما قالت مجلة “الايكونوميست” البريطانية في عددها الصادر الجمعة.

المحيطون بالرئيس، الذي حقق حالة من الاستقرار في البلاد، يؤكدون انه رغم اصابته بأزمتين قلبيتين اثرتا على حركته، والزمتاه بالجلوس على كرسي متحرك، يتمتع بصحة عقيلة جيدة، ويسيطر على الوضع في البلاد، ولكن هناك من يشكك في هذه الاقوال، وتقدم عدة قيادات وشخصيات بطلب لمقابلته، ولكنها لم تتلق ردا حتى الآن.

الرئيس بوتفليقة اصدر قبل بضعة اسابيع قرارا بحل جهاز المخابرات القوي الذي يلعب دورا كبيرا في ادارة شؤون البلاد، وعزل رئيسه محمد “توفيق” مدين، صانع الملوك الشهير، والعدو الابرز للتيار الاسلامي، بشقيه المعتدل والمتشدد، واستبدال الجهاز بثلاثة مديريات ترتبط بالرئاسة مباشرة.

السؤال الذي يتردد على لسان الكثيرين داخل الجزائر وخارجها عن الحاكم الفعلي حاليا للجزائر، فتأتي الاجابة متعددة الاركان، فهناك من يؤكد انه الرئيس بوتفليقة، وهناك من يقول انها ترويكا تضم نخبة من الشخصيات السياسية والعسكرية والاقتصادية القوية، وتيار ثالث يقول ان هناك ثلاثة اشخاص حول الرئيس يمسكون بزمام السلطة، ابرزهم الجنرال احمد قايد صالح، وسعيد بوتفليقة شقيق الرئيس، ويأتي السيد السلال رئيس الوزراء في مرتبة ثالثة، وهناك شبه اجماع بأن الجنرال صالح هو ابرز شخصية لخلافة الرئيس، سواء في الواجهة، او من خلف الستار.

التعديلات الدستورية الجديدة ستمر دون مشاكل حقيقية، وما كان يمكن عرضها على البرلمان للتصويت دون وجود تأكيدات بذلك، لكن السؤال هو عما سيحدث بعدها في الفترة المقبلة في ظل التحريض على التظاهر، وتصاعد انشطة الجماعات الاسلامية المتشددة في دول الجوار، وتزايد احتمالات تدخل عسكري لحلف الناتو للقضاء على تنظيم “الدولة الاسلامية” في ليبيا، التي يقدر عدد مقاتليها بحوالي 5000 مقاتل على الاقل، وتتخذ من مدينة سرت مقرا لها.

الحكومة الجزائرية استخدمت عوائد النفط والغاز الضخمة في الاعوام الماضية لتكوين احتياطي مالي في حدود 200 مليار دولار، وتهدئة الشارع من خلال زيادة الدعم للسلع الاساسية، وزيادة رواتب موظفي الدول، واقامة مشاريع اسكانية للفقراء، وخلق وظائف، لكن هذه الاحتياطات المالية تآكلت، كليا او جزئيا، في العامين الماضيين بسبب انخفاض سعر برميل النفط الى 35 دولارا (النفط الجزائري من النوع الخفيف الجيد)، ووصل سعر المتر المكعب من الغاز الى اقل من اربعة دولارات.

الوضع في الجزائر يتسم حاليا بالغموض، وهناك تقارير تتحدث عن مخطط لنقل السيناريو السوري الى البلاد، بطريقة او بأخرى، من خلال جهات خارجية تجد دعما في الداخل، ولكن الشعب الجزائري الذي عاش عشر سنوات من سفك الدماء والاضطرابات، ربما استوعب دروس هذه التجربة، ولا يريد تكرارها حسب الكثير من الخبراء الجزائريين والاجانب.

الجزائر تعيش حاليا حراكا سياسيا صحيا، ولكنها تظل في حاجة الى رئيس قوي، يتمتع بصحة جيدة، يتولى مسؤولية الانتقال بالبلاد الى مستقبل اكثر استقرارا وامنا وازدهارا.