المقصود هنا بالإسلاميين ، الحركات والجماعات والأحزاب التي تمزج الإسلام بالسياسة أي تلك التنظيمات التي تدافع عن اجتهاداتها السياسية وتوجهاتها الإيديولوجية وأهدافها في الحكم والسلطة متوسلة المشروعية الدينية والنصوص من الكتاب والسنة. وبقدر ما تتوحد هذه الحركات في الشعارات العامة والتي يمكن اعتبار ( الإسلام هو الحل ) هو الجامع بينها ،بقدر ما تختلف في التفاصيل والبرامج وأساليب العمل ، بل أحيانا تتصارع ويُناصبُ بعضُها البعضَ العداء وقد يتحالفون ضد بعضهم البعض.ولعل تحالف حزب النور في مصر مع العسكر والكنيسة والأزهر ..إلخ ضد الإخوان المسلمين يعتبر مثالا واضحا في تباين وجهات نظر التيارات الإسلامية وتناقضاتها الصارخة ومدى تصادم أهدافها السياسية لدرجة العداء والاقتتال حين تقتضي المصالح "بلبوس الدين" ذلك .


الغريب ،بل والبشع أحيانا،أن يتم كل ذلك استنادا لنصوص شرعية وأحاديث نبوية واجتهادات كلها يرادُ بها وجه الله في أدبيات وكتابات هؤلاء "الإسلاميين" على نهج (سيدنا يزيد بن معاوية قتل سيدَنا الحسين بن علي) . فكل الأفعال والمواقف والتقلبات والأفعال، خاصة تلك التي يأتي بها الزعماء، لها ما يبررها ويعضدها . بل هي عين الصواب وعين الحكمة.
إن الزعيم أو الشيخ لا يمكنه إلا أن يكون مصيبا وثاقب الرأي ولا يأتي من المواقف إلا ما يستحق الثناء والتنويه والإشادة. طبعا لا يمكن دائما العثور في أدبياتهم ومرجعياتهم الفكرية على ما يسند هذا بشكل واضح ، لكن في مواقفهم السياسية ومناهجهم التربوية تُصبح مناصرة الحزب أو الجماعة ، وخاصة في شخص الزعيم ، سنة لا محيص عنها وواجبا مقدسا ( أنصر أخاك ظالما وفاشلا ومُخرفا وحتى مشعوذا).
إن من يتأمل تهليل الأتباع للزعيم حتى وهو يأتي سلوكيات تتصادم مع أدبياتهم ومرجعياتهم ، بل ويهللون أحيانا له حين يأتي أمورا عادية جدا وحتى تافهة ، يستطيع أن يخلص إلى مدى تمكن العمى الإيديولوجي وعقلية الموالاة على حساب النقد والتمحيص والمراجعة والتصويب. ولا تعجبن إذا أصبحت النكت السمجة والمواقف اللاعقلانية للزعيم مرجعية لها قدسيتها أيضا وتحكم العقول وتشد الأبصار.
هناك شبه إجماع على الخوف والتوجس من وصول "الإسلاميين" إلى الحكم في كثير من البلدان العربية ، وهو توجس يدفع المخالفين أحيانا إلى التكتل والتحالف للحيلولة دون وصول هذه التنظيمات لمقاليد السلطة ، وقد يتخلى المخالفون عن خلافاتهم الإيديولوجية فقط من أجل هذا الهدف.
هذا التخوف يكون مضاعفا لدى الجهات العلمانية والليبرالية والمتشبعين بثقافة حقوق الإنسان .فهل هو فقط نوع من العداء الإيديولوجي لهؤلاء "الإسلاميين " أم هو تخوف له ما يبرره ويستند إلى حجج وتجارب تجعله مفهوما ومبررا فعلا ؟
قد لا يكون من الإنصاف التعميمُ وإطلاق أحكام جاهزة على كل "الإسلاميين" ، لكن هناك قواسم مشتركة أو هي ما يشكل الطابع الغالب في تجارب كثير من وصلوا إلى الإمساك بمقاليد الحكم أو بشيء من أسباب السلطة. وإذا كانت البيئة ككل في العالم العربي مهيأة لكثير من الممارسات غير الديمقراطية، فإن ما يميز أسلوب كثير من هؤلاء "الإسلاميين" هو إضفاء القداسة والتفرد والاستثناء على كل ممارساتهم وقراراتهم. وإنما التركيز هنا على أساليبهم في الحكم وممارسة السياسة وليس على كل مشروعهم المجتمعي الذي ليس هو موضوع هذه المقالة. وفي عجالة يقتضيها المقام يمكن الإشارة إلى أهم السمات التي تطبع أداءهم السياسي ويؤاخذهم عليها خصومهم السياسيون ،على الأقل استنادا إلى بعض التجارب في العالم العربي.
- الحوار شعار لا ممارسة : إن من يطلع على أدبياتهم يرى الاحتفاء بالحوار والدعوة الصريحة له ، والدفاع عنه بكل الوسائل الممكنة. لكن كل هذا يبقى كلاما نظريا ومحاضرات فكرية يراد بها تلميع الصورة. إن الحوار يكون الضحية الأولى في ممارساتهم السياسية ، وكثيرون منه يعتبرون الحوار تفضلا منهم ،وليس واجبا أو ضرورة ، تجاه الأحزاب والتنظيمات الأخرى. هذا التعالي والتخلي عن الحوار مرده إلى تلك العقلية السائدة داخل كل تنظيم وهي كونه محتكرا للحقيقة بالضرورة. فله أو لزعيمه حق تأويل والنصوص ولا ينظرون إلى غيرهم إلا من أعلى ، ويرون طهرانيتهم تشفع لهم ، وتعفيهم من الحوار مع المخالفين أو الخصوم السياسيين.
- الآبائية واحتكار الحقيقة : إن هذه الآبائية والاعتقاد في صوابية كل ما يقوم به الزعيم تصبح حالة عامة وتتلبس المنتسبين لهذه التنظيمات . فتجد في تصريحاتهم ومواقفهم كثيرا من التشنج يكون العامل النفسي فيها عنصر تأجيج.فالعمل السياسي بطبعه ليس فيه يقينيات . وهم يرون قراراتهم يقينية ومستندة إلى النص الديني. مثال بسيط على ذلك ، أن أحدهم اتخذ قرارا بحرمان منخرطي مؤسسة الأعمال الاجتماعية من الحج فور استو زاره ، وحين احتج بعض المنخرطين كان جوابه اليقيني : ( الحج لمن استطاع إليه سبيلا) ، علما أن الاستشهاد بمقطع من حديث نبوي لا علاقة له بسياق القرار ولا بالقانون الذي يحكم المؤسسة ولا بقرار المنخرطين ..بل مثل هذا الموقف فيه نوع من ممارسة الآبائية على منخرطين ناضجين قادرين على أن يأخذوا قراراتهم بأنفسهم،وليسوا في حاجة إلى من يعلمهم أمور الدين أو تعاليم الإسلام.
- التبرير وعقلية الانصياع : كل المواقف وكل القرارات وكل الخطوات التي يتخذها الزعيم يبررها المنتسبون للتنظيم بكل الوسائل والسبل الممكنة . فباسم "المباديء الإسلامية" يمكن الدفاع عن أشد أشكال الرأسمالية توحشا ، وعن أكثر قوانين السوق الحرة تطرفا . وباسم النضال يمكن تنزيل قرارات تزيد الفقير فقرا والغني غنى. يغيب مبرر الواقع ليحضر خطاب الزعيم وديماغوجيته. هذا التعالي عن الواقع أو الانفصال عن المعيش اليومي والارتباط فقط بقرارات الزعيم أو ما يخدم أجندة الحزب قد يكون من سمات كل الأحزاب التي تسير الشأن العام خاصة في الأزمات الاقتصادية. لكن ما يجعل الأمر غير مستصاغ من قبل من يسمون أنفسهم إسلاميين هو تصادم مثل هذه القرارات مع ما يعلنونه من مبادئ وتوجهات ، ينضاف إلى ذلك انخراط جميع المنتسبين للتنظيم في الدفاع عنها بدعوى انسجام الموقف والحفاظ على الوحدة. فهل يعقل أن تكون كل النقابات في العالم تدافع عن مصالح العمال والمأجورين والموظفين ، وحين تصبح "إسلامية" تتخلى عن مهمتها تماشيا مع قرارات التيار الذي تتلون بلونه ولا يُسمع لها صوت ولا يسجل لها موقف ولا يبقى له طعم ؟
- استغلال الدين وتأميم الرموز واحتكار الفضيلة : تُجيد هذه التنظيمات العزف على الوتر الحساس المتمثل في الدين .وتربط علاقة نسب مع الرموز الدينية والوطنية ولا ترى الفضيلة كاملة إلا فيها وفي أتباعها. إن هذا قد يبدو تعميما بل وتجنيا على الحقيقة . لكن كثيرا من التجارب تشهد على مدى استغلالهم الفعلي للدين لكسب الأصوات ولتبرير السياسات وأحيان للتغطية حتى على فشلهم . فهم المخولون بتفسير نصوص الدين وتوزيع شهادات الفضيلة على غيرهم. وهم المتصلون بنسب وبحبل سري إلى الرموز ..وهم من يتعالون عن الأطماع والمصالح والامتيازات ... ولا يبغون إلا وجه الله .
أكيد أن التعميم في حد ذاته خطأ فظيع ، ولا يمكن التعميم في تناول مثل هذه القضايا ، لكن هذه سمات مشتركة بين كثير من التيارات التي تمارس السياسة مستندة إلى الدين . وإن تجربة الغرب في هذا الباب تعتبر نموذجا للدرس والاستفادة والاستيعاب. فلم يصل القوم هناك إلى العقد الاجتماعي وإلى سيادة القانون وإلى العلمانية وفصل الدين عن الدولة إلا بعد صراعات مريرة وتضحيات جسيمة. وإذ لا يمكن استنساخ تجارب الآخرين ، فإنه في نفس الوقت لا يمكن التغافل عن الأخطاء وعن استغلال شعارات مشتركة لتحقيق أهداف حزبية أو لتبرير سياسات فاشلة.