إذا صحت المعطيات التي توصلنا بها من دفاع طلبة فاس، حول ظروف الحكم على موكليهم بأزيد من مائة سنة، فإننا سنكون أمام حكم باطل وجائر، يستوجب تدخلا عاجلا من الملك، مادام هو الساهر على احترام الدستور، بمقتضى الفصل 42 منه، خاصة وأن المادة 23 من الدستور المغربي تنص على ضرورة "المحاكمة العادلة"، مع التذكير أن الملك بمقتضى الفصل 107 هو "الضامن لاستقلال السلطة القضائية".

تصوروا محكمة تعتمد على شهادة لتبرئة متهمين، تفيد أن الأخيرين لم يكونوا في مسرح الأحداث ساعة الجريمة، وهي نفس الشهادة التي تبرئ متهما آخر أدين بـ15 سنة، يدعى محمد غلوظ، تؤكد أن الأخير كان متواجدا مع المحكومين بالبراءة في نفس المكان الذي تم اعتقالهم فيه، ومع ذلك تم استبعاد هذه الشهادة لأسباب مجهولة، وأدين المعني بالعقوبة المذكورة !

يفيد الدفاع أن المحكمة اعتمدت بشكل رئيسي على شهادة شخص واستبعدت جميع الشهود الذين طالب بهم الدفاع، رغم أن الشاهد الذي اعتمدته المحكمة، بحسب دفاع المتهمين، تربطه رابطة تنظيمية وسياسية بالضحية، بخلاف الشهود الذين طالب بهم دفاع المتهمين، وهم عبارة عن حلاق، نادل مقهى وسائق سيارة أجرة وموظف واستاذة جامعية، الذين لا تربطهم أي رابطة لا سياسية ولا تنظيمية سواء بالمتهمين أو الضحية، ومع ذلك استبعدت المحكمة شهادتهم واعتمدت فقط على شهادة مقرب سياسيا من الضحية، ما يطرح تساؤلا عريضا: ما هو المعيار القانوني الذي يجعل المحكمة تقبل شهادة شاهد مقرب سياسيا من الضحية وتستبعد شهادة أشخاص لا علاقة لهم بأطراف القضية؟

كما يفيد الدفاع أنه طالب بإحضار شريط فيديو مصور من قبل مؤسسة بنكية، وبحسب دفاع المتهمين فإن المحكمة رفضت إحضار هذا الشريط، كما رفضت شهادة صادرة عن مؤسسة حكومية وهي "المجلس الوطني لحقوق الإنسان"، فلماذا تستبعد المحكمة شهادة قد تكون حاسمة في تكوين قناعتها القضائية بشكل عادل وسليم؟

يقول الدفاع إن المحكمة اعتمدت على شهادة الشاهد الرئيسي بعد أن اقتنعت بتماسكها وانسجامها، لكن هذا الشاهد قال للشرطة القضائية إنه لم يتعرف على المتهم محمد غلوظ، لكن حين مثل أمام قاضي التحقيق، تراجع عن شهادته الأولى وأكد تعرفه على غلوظ من خلال الصور التي عرضت أمامه، بل إنه حين مثل أمام المحكمة أضاف اسمي متهمين آخرين، فكيف يُبنى حكم قضائي على شهادة شاهد يقدم روايتين متناقضتين ألا يعتبر هذا الشاهد الرئيسي مطعون في نزاهته وفقا لتضارب أقواله؟
دفاع المتهمين يؤكدون جميعا لكاتب هذه السطور أن المحكمة ظلت تقاطعهم كلما وضعوا أصبعهم على جرح معين يقود للحقيقة و يؤكد براءة موكليهم، بمقابل تسامحها الكبير مع دفاع المطالب بالحق المدني، فهل يمكن تصور محاكمة عادلة في العالم دون تمكين الدفاع من الكلام، بل والأخطر أن المحكمة رفعت الجلسة دون إعطاء الكلمة للمتهمين بحسب دفاعهم؟

تصوروا شاهدا وهو سائق سيارة أجرة يؤكد أن متهما كان لحظة الجريمة في مدينة خريبكة، ومع ذلك لم تلتفت المحكمة لشهادته وأدانت المعني، بل إن أستاذة جامعية أكدت أن متهما آخر كان لحظة وقوع الجريمة في كلية الآداب، بل وهناك ما يثبت أنه سحب وثيقة إدارية لحظة المواجهات، ومع ذلك لم تلتفت المحكمة لهذه الشهادة، ومرة أخرى نتساءل ما هو المعيار القانوني الذي اعتمدته المحكمة عند استبعاد هذه الشهادات، والتركيز فقط على شهادة يقدم صاحبها روايتين متناقضتين؟

ثم لماذا لم تعتمد النيابة العامة على ما راج أمامها داخل المحكمة من إنكار للمتهمين للمنسوب إليهم، لماذا أصرت بشكل أقوى وكبير على الاعتداد فقط بمحاضر الشرطة القضائية، علما أنها ترأس هذا الجهاز؟

لا أشك في نزاهة القاضي واستقلاليته، لكن أتساءل فقط كيف يمكن لقاضي أن يحكم باستقلالية في ملف أمام حجم التصريحات التي أدلى بها رئيس الحكومة في القضية بعد أن اتهم صراحة وقوف جهات سياسية وراء الأحداث، وطبعا لا نملك أدلة على أن القاضي تأثر بهذه التصريحات، لكننا نملك حقيقة مرة وهي أن وزير العدل والحريات عاقب قاضيا، سبق له أن حكم لصالح المعطلين ضد الحكومة، بتوقيفه مدة ثلاثة أشهر عن العمل وحرمانه من أجره طيلة هذه المدة مع تنقيله من المحكمة الإدارية إلى جهاز النيابة العامة الذي يرأسه معالي الوزير، بل وتفيد المعطيات أن معاليه حرم القاضي هذه السنة من الترقية التي يستحقها بقوة القانون والواقع.

وعلينا ألا ننسى أن الطلبة المُدانين في القضية ومعهم المرحوم الحسناوي، هم من أنشط الطلبة بجامعة ظهر المهراز خاصة والمغرب عامة، فمنهم من كان يطمح لإعالة أسرة فقيرة ومنهم من كان يحلم بتقديم شيء لهذا الوطن، لكن بعد تلك الأحكام فالعديد من الأسر ستغدو مكلومة مدمرة ماديا ومعنويا بعد أن كانت تُعول على تلك السواعد لتوفير لقمة العيش.

العنف مدان ضد المؤمن والملحد ضد المسلم واليهودي، خاصة داخل فضاء وُجد للتعلم والتواصل والتثاقف وتبادل الخبرات والمعلومات، ومؤسف جدا أن بعض "المناضلين" يتسامحون مع العنف حين يمارس ضد المختلفين معهم في العقيدة أو التفكير، ولا ينتفضون إلا عند ممارسته على من يقاسمونهم ديانتهم وتفكيرهم، مؤسف لدرجة التذمر أن يعطي مسلم ظهره لحكم ظالم ضد متهم، فقط لأن هذا المتهم يساري لا ينتمي إلى نفس تفكيره.

بنكيران وأرسلان والحريف ومنيب ولشكر والريسوني وغلوظ وعبد الرحيم الحسناوي ومحمد آيت الجيد بنعيسى رحمهما الله كلهم مغاربة، وهم بشر قبل أن يكونوا أي شيء آخر، تجمعهم والمغاربة قاطبة رابطة الإنسانية والانتماء لهذا الوطن، وحق الحسناوي وآيت الجيد محمد بنعيسى والمعطي بومليل وكمال العماري والمهدي بنبركة وعمر بجلون وشباب الحسيمة الخمسة وغيرهم، في الحياة حق مقدس بمقتضى الفصل 20 من الدستور الذي "يعتبر الحق في الحياة هو أول الحقوق"، لكن عار ثم عار ثم عار أن نصرخ ضد العنف وضد المحاكمة غير العادلة حين يتعلق الأمر بمن ينتمون لعشيرتنا وجماعتنا الدينية والفكرية ونغرس رؤوسنا في الرمل حين يتعلق الأمر بمغاربة لا ينتمون لهذه العشيرة أو الجماعة.

حق الحسناوي في الحياة حق مقدس ويجب القصاص من كل المتورطين في قتله، الظاهرين والمستترين، ولكن الخوف كل الخوف أن تكون المحكمة من أجل هذا الحق قد هضمت حقوق المتهمين في محاكمة عادلة فقط ترضية لجهة سياسية ما.