تتأسس كل الدول الديمقراطية على مبادئ أساسية تجسدها في الواقع لتنسجم خطاباتها الرسمية مع واقع ممارسة أجهزتها للسلطة، وتشكل المسؤولية السياسية إحدى أهم هذه المبادئ التي تمنح للدولة صفة كونها "ديمقراطية".. ويعتبر كل مكلف بتدبير قطاع عام مسؤولا عن كل نتائج وتبعات تدبيره لذلك القطاع، سواء كانت تلك النتائج ايجابية أو سلبية..
وينص الدستور المغربي على "ربط المسؤولية بالمحاسبة"، مما يترتب عنه تحمل كل من يضطلع بمسؤولية عمومية انتخابية أو غيرها تبعات تصرفه، وهذا مؤشر ايجابي على الأقل نظريا للقول بأن الوثيقة الدستورية تستحضر مبدأ الحكامة الجيدة، و تلتزم بقيم النزاهة والعدالة، لكن ـ كما سبقت الإشارة ذلك ـ لا يكفي التصريح بهذا المبدأ بل ينبغي تجسيده على أرض الواقع، وهو ما نفتقده، للأسف في واقع الممارسة السياسية بالمغرب..
الواقع يثبت ذلك مرارا، فالعديد من الفواجع والفضائح التي هزت الرأي العام الوطني، نظرا لفظاعتها وأثرها على نفسية المغاربة، مرت مرور الكرام، ولم تفضي التحقيقات التي فتحت للبحث في أسبابها إلى تجسيد مبدأ "محاسبة المسؤولين عنها" والتاريخ غير البعيد يؤكد مآل قضية حادثة السير المفجعة التي شهدتها "طريق الموت" الرابطة بين مراكش و ورزازات، ونفس الشيء بالنسبة لمحرقة طانطان التي راح ضحية لها أطفال أبرياء ، تم تلتها فاجعة واد الشراط الأخيرة.. وغيرها كثير..
نفس السيناريو يتكرر مجددا بعد فضيحة قد تعصف بمستقبل آلاف التلاميذ المغاربة الذين يجتازون هذه السنة امتحانات الباكالوريا، التي فقدت قيمتها العلمية ومصداقيتها أمام المنتظم الدولي، بسبب التسريبات التي شهدتها مادة الرياضيات، فقد سارعت وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني إلى إصدار بلاغات متتالية أعلمت فيها الرأي العام بفتح تحقيق في صحة ما شاع حول التسريب، لتختتم تحقيقاتها بإعلان "إعادة إجراء اختبار الرياضيات" يوم الجمعة 12 يونيو صباحا بجميع مراكز الإمتحانات على الصعيد الوطني، وكأن المسؤولية الملقاة على عاتق الوزارة ومن يسيرون شؤونها تنحصر فقط في إعادة امتحان التلاميذ، دون محاسبة من يتحملون مسؤولية التلاعب بنفسية التلاميذ وذويهم في فترة عصيبة ندرك جميعا حجم ضغوطاتها النفسية.
تجسيد الديمقراطية والحكامة وغيرها من الشعارات، يستدعي في الدول التي تحترم نفسها، استقالة المسؤولين المركزيين على القطاع المعني بالأمر، ويستلزم اعتذارا رسميا للشعب والرأي العام، كما يقتضي المحاسبة على تبعات الفعل إن لم نسميه الجرم المرتكب..
اليوم و أمام فضيحة تسريبات الامتحانات الوطنية فنقف أمام احتمالات عديدة قد تبدو مستحيلة ، فيا ترى هل تملك وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني الجرأة الكافية للكشف عن الأسباب الحقيقية والجهات الحقيقية التي تقف وراء فضيحة تسريب امتحانات الباكالوريا دورة يونيو 2015؟؟
هل يملك الوزير "بلمختار" ورئيس المركز الوطني للتقويم والامتحانات والتوجيه "محمد الساسي" الجرأة لتقديم الاستقالة باعبارهما المسؤولين المركزيين المشرفين على عملية تدبير الامتحانات؟؟
هل تستطيع الحكومة أن تتمتع بالجرأة للإعلان رسميا عن "دفن" منظومة التعليم بالمغرب بعد فشل كل السياسات المتعاقبة في القطاع؟؟
أم أن كل هؤلاء سيبحثون ـ كما هو معهود ـ على كبش فداء يلبسونه وزر هذه الفضيحة كباقي الفضائح السابقة؟؟
ملحوظة:
كفة الاحتمال الأخير هي الأكثر ترجيحا لعدة أسباب:
1ـ لسنا في دولة ديمقراطية.
2ـ قوانيننا ليست عادلة.
3ـ مسؤولونا ليسوا نزهاء.
4ـ كل الفضائح تم طي ملفاتها دون محاسبة.
5ـ كل يرمي المسؤولية للآخر.
6ـ ينظرون لشعبنا كقطيع لا يحرك ساكنا.
7ـ يريدون سيادة الغش والفساد والزبونية.
8ـ مسكناتهم تعطي مفعولها بسهولة.
9ـ نحن شعب ينسى الفضيحة ويعفو ويصفح بسهولة.
10ـ لا سلطة بيد المؤسسات.