إسرائيل فرحة برؤية قتل العرب لبعضهم البعض، و داعش ليست الحلقة الأخيرة في مسلسل الحرب على الإرهاب
في مكتبه بمعهد ماستشوتس للتكنولوجيا ( بكامبريدج- ولاية ماستشوتس) تم هذا الحوار الذي أسهب فيه المفكر الأمريكي و المثقف الملتزم نعوم تشومسكي بكل توقد فكري في تحليل البؤس العالمي الذي يشهده عالم اليوم و استشراف السيناريوهات المستقبلية للسياسة الدولية، رابطا بين مأساة اللاجئين جراء الحروب و المهاجرين نتيجة الاحتباس الحراري. في هذا الحوار، يعري تشومسكي العلاقة بين اسرائيل و السعودية و مصر وقطر، و بين النفط و داعش و الأزمة السورية من جهة، و من جهة أخرى بين النفط و الصراع الطائفي بين المعسكر السني بقيادة العربية السعودية و المعسكر الشيعي بقيادة إيران و دور كل من روسيا و أمريكا و أوروبا في هذا النزاع و تأجيجه. وتتواصل دروب هذا الحوار متسائلة عما إذا كانت داعش هي الحلقة الأخيرة في مسلسل الحرب على الإرهاب أم أن هناك دواعش أخرى في الطريق، ثم كيف استفادت اسرائيل من فشل الانتفاضات العربية، و ماهي السياسية التي ستنتهجها أمريكا في المنطقة العربية في حال فوز رونالد ترامب أو هيلاري كلينتون، و هل من أمل في حلول السلام بالعالم العربي يوما ما. كل هذه التساؤلات و غيرها خطت ملامح هذا الحوار القلق معرفيا و إنسانيا مع المفكر نعوم تشومسكي ، أبو اللسانيات الحديثة.

1. كيف تحللون حالة البؤس العالمي التي نعيشها اليوم؟ هل هي مرحلة/ مخاض تنبئ بميلاد عالم جديد أم تنذر باندحار العالم؟

لتفسير حالة البؤس هذه ينبغي استدعاء عوامل عدة. لنبدأ بأوروبا و الولايات المتحدة و نسلط الضوء على انهيار الديموقراطية بالمجتمعات الغربية، و استعار الاضطرابات الناتجة عن صعود اليمين المتطرف في أوروبا، إضافة إلى ظاهرة Trump في الولايات المتحدة الأمريكية، ثم Brexit في ابريطانيا إلى آخره. إن هذه الظواهر كلها تعد إفرازا للبرامج النيوليبرالية المتبناة في ظل الأجيال السابقة، و التي كان لها تأثير سلبي جدا إذ تسببت في ركود المؤسسات و عدم احترامها، إن الأحزاب الوسطية و بنية المؤسسات في حالة انهيار، هذا ما يحدث في العالم الثري.

وفيما يخص باقي العالم، فإن أحد الأسباب الرئيسة لهذا البؤس هو الاحتباس الحراري. إن هذه النقطة لا تناقش كثيرا، ولكن نسبة المهاجرين جراء الاحتباس الحراري تفوق نسبة اللاجئين. أما اللاجئين الذين يغادرون بلدانهم المدمرة (إفريقيا و خاصة الشرق الأوسط)، فمرد ذلك الغزو البريطاني –الأمريكي للعراق، الذي أسس للنزاعات الطائفية التي باتت تجاذب المنطقة ككل إضافة إلى بزوغ "داعش" من جهة، و من جهة ثانية فشل "الربيع العربي" و تحوله إلى تجارب عنيفة في العديد من الأماكن خاصة في سوريا، ولكن أيضا في مصر و دول الخليج، إذ هناك نزاع متنام الآن بين السعودية وقطر من ناحية، وبين دول الخليج وإيران من ناحية أخرى. و تعود جذور جزء من هذا النزاع التاريخي في العالم العربي إلى القرن السابع الميلادي بعد خلافة النبي محمد و انقسام المسلمين إلى شيعة وسنة، و لكن الجزء الأكبر من هذا الخلاف له علاقة بالنفط. فكل الخلافات في الشرق الأوسط تتقاطع مع مسألة النفط.

و بالنظر إلى الأزمة السورية، فإن هناك خلافات متداخلة تؤسس للأزمة و تعمقها. يتعلق الأمر بنظريتين متباينتين حول كيفية وصول نفط الشرق الأوسط لأوروبا. الاتجاه الأول يروم إيصال نفط السعودية و قطر إلى أوروبا بمروره شمالا عبر سوريا ، و هو الاتجاه الذي تدعمه الولايات المتحدة، أما الاتجاه الثاني فيجمع بين إيران، سوريا و الأسد حتى يمر النفط من سوريا ثم البحر الأبيض المتوسط فأوروبا. ويمثل هذا الخلاف عمق الأزمة السورية بينما تتجسد الجوانب أخرى لهذا الخلاف في وحشية نظام الأسد و دعم روسيا له إضافة إلى فظاعات "داعش".أما مصر، فإنها حاليا ترزح تحت وطأة أسوأ ديكتاتورية عرفها تاريخها.
وفيما يخص الحالة الليبية، فإن الهجوم عليها لم يدمرها فحسب بل جعل منها معبرا لللاجئين صوب الشمال، إنه جزء مما بات يعرف بأزمة اللاجئين. وللأسف، مازالت إفريقيا تعاني من تبعات نير الاستعمار الأوروبي، لذا فأفارقة جنوب الصحراء يهاجرون جموعا من دولهم.

وإذا طفنا بنظرنا حول العالم، فأننا سنجد أزمات مماثلة، فعلى سبيل المثال ، هناك أزمة متنامية على الحدود الروسية الأوروبية و هي أزمة، يمكن أن ينتهي بها المطاف إلى اندلاع حرب نووية ، وفي حال نشوب حرب نووية بين القوى العظمى فإن أمر العالم يكون قد انتهى.

ضيف إلى ما سبق تنامي كوارث الخطر البيئي، فما يحدث الآن مع اللاجئين لا يساوي شيئا أمام ما سيحدث قريبا بسبب الكوارث البيئية. وكنتيجة لارتفاع منسوب مياه البحر، جراء الاحتباس الحراري، فإن الدول الواقعة على مستوى منخفض كالبانغلاديش ستغمرها مياه البحر مما سيؤدي بساكنتها إلى الهجرة( عشرات ملايين الناس ستهاجر). و ستصبح أماكن أخرى من العالم غير قابلة للعيش كدول الخليج، هذه الدول لن تصبح مأهولة بسبب الارتفاع الحراري. أما الحرارة في دلهي/ الهند فستصل إلى 120 درجة فهرنهايت صيفا، و هذا وضع يتعارض مع شروط الحياة. كما أن مخزون المياه في جنوب آسيا مهدد بالجفاف، الأمر الذي بإمكانه الزج بالهند و باكستان في حرب نووية. للأسف، إن كل هذه الأزمات في تصاعد حول العالم.

2. بناء على هذه السيناريوهات، هل السلام ممكن تحققه في العالم العربي؟ أو أن فكرة السلام في العالم العربي أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة- حتى و إن كانت بعيدة المنال-؟

إن النزاع في العالم العربي ليس نزاعا واحدا و لا أحاديا بل إنه متعدد و متشابك. إذ نجد الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني متصدرا لقائمة النزاعات، ثم الصراع بين إيران و السعودية و دول الخليج يمثل جزءا آخر من الصراع، أضف إلى ذلك صراع داعش مع الجميع.

إن هذه النزاعات ذات طبيعة متشابكة وبطريقة معقدة، فواحد من أعقد و أكبر المشاكل في المنطقة، يوجد قريبا من المغرب، يتعلق الأمر بالمجموعات الإرهابية المتأسلمة بغرب إفريقيا. إن غرب إفريقيا اليوم يمثل المركز العالمي القيادي الأخطر للإرهاب الإسلامي الراديكالي، و الأمر له علاقة بغزو ليبيا، و ذلك بالاستناد إلى إحصائيات الأمم المتحدة. فمن تبعات الغزو الليبي - ليس فقط تدمير ليببا- بل تسرب سيل من الأسلحة الثقيلة و الجهاديين أيضا إلى غرب إفريقيا. إن هذا ما يعضد تنظيم بوكوحرام و باقي المنظمة الإسلامية الإرهابية في المنطقة غير البعيدة عن المغرب.

3. إذن لا يوجد أمل قريب لتحقيق الأمن و السلام بالمنطقة؟

إن كل ما يمكن أن يتمناه المرء هو إمكانية إبقاء بعض النزاعات تحت السيطرة، ومحاولة التعاطي و التعامل مع نزاعات أخرى, كالنزاع الإسرائيلي - الفلسطيني و نزاع "الصحراء الغربية ". في اعتقادي، هذين النزاعين يمكن التعاطي معها، بينما توجد نزاعات أخرى يصعب أن يوجد لها جواب كالنزاع بمنطقة كاشمير.

4. كيف استفادت إسرائيل من الانتفاضات العربية؟ و هل هي محمية من الأزمات و اللاستقرار الذي ينخر المنطقة؟

إن إسرائيل سعيدة جدا بفشل الانتفاضات العربية و لديها علاقات جيدة مع الديكتاتورية المصرية الحالية. فمصر و اسرائيل اليوم يملكان نفس المصلحة في تدمير غزة. لقد أضحت غزة اليوم تعاني بشكل مأساوي، ليس فقط بسبب الحصار الدائم من طرف إسرائيل، ولكن أيضا بسبب الهجمات المصرية، والتي هي في حقيقتها أشرس من الهجوم الاسرائيلي. لقد أغلقت مصر المعابر مع غزة، وأوقفت الإعانات الطبية و الغذائية. إن إسرائيل ومصر يتعاونان لمحاصرة غزة وقطع كل الاتصالات بها.

أما إسرائيل و السعودية فقد كانت لهما دائما علاقات جيدة على خلاف ما يبدو ظاهريا، و الآن فعلاقتهما في تطور. وطبعا، فإن إسرائيل فرحة برؤية قتل العرب لبعضهم البعض.

و فيما يتعلق بمقولة "هل إسرائيل فيلا في غابة متوحشة" فلا محل لها من الإعراب، فاسرائيل اليوم تعاني من مشاكل داخلية طافقة، ومن بين هذه المشاكل النمو الديمغرافي السريع لفئة اليهود الأرثوذكس. و هي فئة لا تنخرط في الحياة المتمدنة، فالرجال لا يملكون عملا و لا ينخرطون في الجيش. إنهم يكتفون بدراسة التلمود في المدارس الدينية كالمدارس القرآنية في السعودية.

و يضاف إلى ما سبق سيطرة اليمين السياسي في ارتباطه بالاحتلال، وتكمن إحدى مظاهر هذا التوجه، في تدهور علاقة إسرائيل بمعظم الدول الغربية الديمقراطية. و إن كانت الولايات المتحدة مازالت حريصة على توطيد الصلات مع إسرائيل بشكل وثيق، و لكن الأمر لن يدوم طويلا- فيما أعتقد-، نتيجة ارتفاع عدد داعمي حقوق الفلسطينيين و معارضي الجرائم الإسرائيلية. فحتى في أوروبا، هناك تحركات لوقف أي تدخل رسمي في سياسة الاحتلال. إن هذه الحركات هي في تصاعد لذا فإسرائيل قلقة من هذا الأمر.

وإذا ما نظرنا إلى السياسة الخارجية الإسرائيلية في الوقت الراهن، فإننا سنجد أنهم شرعوا في إيلاء تركيزهم صوب الديكتاتوريات كسنغافورة والصين و روسيا، وأضحوا يبتعدون رويدا عن المجتمعات الغربية الليبرالية. إنهم واعون بأنهم سيواجهون مشاكل جمة بسبب قضايا حقوق الإنسان.

إذن، فإسرائيل لديها مشاكل داخلية وخارجية، و لكن الآن - وعلى مستوى الأمد القصير- فهم مستفيدون من العواصف التي تقصف بالعالم العربي و الأكيد أنهم مساهمون فيها بقدر معين.

5. فيما يتعلق بالحرب على الإرهاب، هل تعتقدون أن داعش ستكون الحلقة الأخيرة من هذا المسلسل ؟ أم أن هناك دواعش أخرى آتية؟

للأسف، داعش ليست الحلقة الأخيرة. في الواقع، يمكن تدمير داعش عسكريا ولكن الأفظع سيقع بعدها، وهو أمر متوقع من قبل الولايات المتحدة و بعض المختصين في الإرهاب. فمثلا هيلاري كلينتون، صرحت بأنه علينا استخدام Drones القوات الخاصة لقتل البغدادي -رأس داعش-، لكنها لو انتبهت لما يقوله بعض خبراء الإرهاب الأمريكيين ك Bruce Hoffman، الذي حذر من مغبة قتل البغدادي، لما أطلقت تصريحا مماثلا. يعتقد هوفمان، إذا ما قتل البغدادي – الذي هو في صراع مع القاعدة - فإن من سيعوضه سيكون شخصا سيسعى إلى إيجاد صفقة مع القاعدة، و ستكون النتيجة تشكل أسوء منظمة إرهابية. إذ كلما اجتثثنا المنظمات الإرهابية بواسطة العنف فإننا نحصل على شيء أسوء، و الأمر مشابه لعصابات المخدرات، كلما قتلت القيادة إلا و نبت الأفظع، لأنه هناك جذور لمثل هذه المجتمعات و المؤسسات. إذ كلما قتل زعيم، يتم تعويضه بشخص أصغر، و أكثر نضالية و راديكالية. إن هذا الأمر يتكرر مرارا، و هناك دراسة جيدة حول هذا الموضوع، قام بها المحلل العسكري Andrew Cockburn، تحت عنوان "Kill Chain "، وهو يشرح بتفصيل عواقب قتل زعامات المنظمات الإرهابية و جماعات المخدرات. يقول" إننا في كل مرة نحصل على الأسوأ " و هذا ما سيحدث مع داعش حين سنقوم بتدميرها فقط دون النظر إلى الجذور التي أنبتتها. إن شيئا فظيعا سيحدث حتما.