لطالما كنّا ننادي بكون العلمانية هي الحل، كما ننادي بأن إلباس السياسة جلباب الدين يؤدي حتما إما الى تشويه الدين أو الجناية على السياسة، وقد أبى حزب العدالة والتنمية الا أن يقدم الحجة والبرهان الكافيين مؤخرا من خلال تحالفاته الاخيرة من أجل اعلان ميلاد حكومة ائتلافية أنه حزب يجيد ممارسة السياسة بقوانينها وألاعيبها بعيدا عن صحيح الدين، ولسنا نلوم هذا الحزب على تلك التحالفات الغريبة لأنها تدخل ضمن قواعد اللعبة السياسية التي لا تستقر على أشخاص معينين أو مبادئ وقواعد ثابتة، بقدر ما نؤاخذ عليه اتخاذه من الدين وسيلة لغاية تعارض هذا الدين.

إن استمرار حزب العدالة والتنمية في الترويج لنفسه كحزب ذو مرجعية إسلامية هو تجارة بالدِّين واستغلال له قبل أن يكون تغليطا للرأي العام، والمصرّون على التصويت له والمؤيدون له على أساس أنه حزب الله وشرعه، إنما يجهلون حجم المسافة بين السياسة والدين. فكلاهما ضدان ونقيضان، فالدين أخلاق والسياسة نفاق وأقنعة وحربائية، الدين مبادئ ثابتة والسياسة مصالح متغيرة، والدين مطلق والسياسة نسبية، الدين مبادئ تعلو على المصالح والسياسة مصالح تُخضع المبادئ، الدين قواعد وشرائع ثابتة وأبدية والسياسة قوانين مرنة ومؤقتة تنُسخ كلما تجاوزها الزمن.

إن أقرب الأحزاب السياسة المغربية الى حزب العدالة والتنمية في مشروعه السياسي الذي هو "خدمة النظام وإرضاء الملك" هو حزب الاصالة والمعاصرة لكون الأول ابن النظام بالتبني اثبت في ولايته الاولى ولاءه المطلق للنظام، ولكون الثاني ابنا شرعيا لهذا النظام، والنظام يستفيد من وئام الحزبين بنفس استفادته من خلافهما، فوئامهىا فيه تحالف من اجل خدمته، وخلافهما فيه صراع من أجل خدمته كذلك ، والحقيقة أن لجوء بنكيران الى احزاب أخرى غير هذا الحزب، لا يعكس وجود أية فجوة بين مشروع الحزبين، بقدر ما يعكس الخلاف المستحكم بين قيادتهما الذي استحال الى صراع تحول لدى أنصارهما من العامة الى صراع بين الخير والشر، بين الدين والالحاد، بين الكفر والإيمان، بين العفة والعهر... والنظام يستفيد كذلك من هذا الخلاف المتجذر في قاعدة الحزبين الناتج عن الاختلاف المزعوم بين مرجعيتهما باعتباره وسيلة من وسائل الإلهاء المجانية لحجب النظر عن تجاوزاته.

إن لجوء بنكيران لتشكيل حكومته الى احزاب ذات توجهات متنافرة مع توجهات حزبه -الصورية- لهي حجة على الحنكة السياسية لهذا الرجل الذي يجيد ممارسة السياسة التي تسعى لبناء المصالح على أنقاض المبادئ حتى ولو تعلق الأمر بالسعي وراء تكوين حكومة أشبه ب"مسحوق كاوبيل فالحريرة" مادامت هذه الحكومة ستحقق مصالح الحزب أو على الأقل أن تحافظ على مكتسباته الراهنة، فإلى متى سيتم الإعلان عن الطلاق التام وفك الارتباط بين حزب العدالة والتنمية كحزب سياسي وحركة التوحيد والإصلاح كتيار دعوي؟ الى متى سيتم استغلال بساطة أغلب الناس بدعوى أن بعضهم يحتكر صكوك الغفران ويملك خلاصهم في الحياة الأخرى؟