أقدم المغرب على منع استعمال شبكات التواصل الاجتماعي للاتصالات الهاتفية «المجانية» مثل الفايبر وواتساب وسكايب. قرار يثير الكثير من السخط والتنديد في المغرب، ويضاف إلى قرارات أخرى تجعل هذا البلد «يتقدم خطوة إلى الأمام ويتراجع خطوتين إلى الوراء».
وسائل التواصل الاجتماعي خاصة الهاتفية أصبحت من مميزات الإنسانية في بداية القرن الواحد والعشرين. تنقل معظم الشعوب إلى عالم واقعي رقمي أكثر منه افتراضيا. وقرار المنع يشكل صدمة للمغاربة لأسباب متعددة، فهي تحرمهم من أداة ضرورية لتقدم المجتمع، ولا تستعمل فقط للدردشة، بل أدوات مهمة للعمل في المجال التجاري والأكاديمي والحياة العامة. واجتماعيا، تشكل وسيلة مهمة لتواصل الجالية المغربية، وهي كبيرة العدد، مع ذويها في المغرب، خاصة في ظل فرض المغرب أحد أعلى تسعيرات الهاتف في العالم. ومشاعر السخط وسط الجالية لا يمكن تصورها جراء هذا القرار المجحف. وفي سبب آخر، ادّعت الشركات التي هي تقريبا مملوكة من كبار مسؤولي الدولة وبعض أنظمة الخليج بأن الصفة المجانية لهذه الشبكات يسبب لها خسائر مالية كبيرة. وهذا ادعاء باطل، فهذه الشبكات تعتمد أو تشتغل بالإنترنت، وهذه الأخيرة يؤدى عنها نقدا، وبالتالي ليس هناك مجال للخسارة المالية.

ويعتقد الكثير من المغاربة أن السبب السياسي وراء هذا القرار، فكل الدول التي منعت شبكات التواصل هي غير ديمقراطية من الصين إلى كوريا الشمالية إلى بعض أنظمة الخليج. وبهذا يكون المغرب الدولة التي تدعي الانفتاح والليبرالية والتشبع بقيم الغرب سياسيا قد انضمت إلى نادي الدول التي تمنع فايبر وواتساب وسكايب. ومما يزيد من العامل السياسي، هو وجود شركة الاتصالات المغربية في بعض الدول الأفريقية، ولكنها لم ولن تجرؤ على منع شبكات التواصل في هذه الدول بمبرر اقتصادي لأنه سيتم معاقبتها. ويأتي القرار في ظل تراجع الحريات في المغرب، ولم يعد الأمر يقتصر فقط على ادعاءات صادرة عن ناشطين معارضين، بل حقيقة واردة في مختلف التقارير الدولية ومعطيات الواقع. وهكذا، أصبح المغرب يستفيق يوميا على قرارات تمس الحريات، فمنذ أيام جرى عزل القاضي محمد الهيني، الذي طالب بإصلاح عميق للعدالة وترسيخ استقلاليتها.

العزل كان من نصيب قضاة آخرين مثل محمد عنبر وعادل فتحي، والمشترك بينهم هو المناداة باستقلالية القضاء. ويتفاجأ الرأي العام المغربي بقرار وزير الداخلية محمد حصاد ملاحقة نقيب الصحافيين المغاربة عبد الله البقالي بسبب تنديده بالفساد في الانتخابات البلدية التي جرت خلال سبتمبر المقبل. وشهادة البقالي لم تكن استثناء، بل رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران بنفسه تحدث عن استعمال أموال المخدرات في الحملة الانتخابية.

وعند كل تظاهرة احتجاجية مثل تظاهرات الأساتذة المتدربين، انتظر اللون الأحمر في أرضية الشوارع، عنف الدولة غير المبرر، وانتظر كذلك نفي الدولة للعنف رغم أشرطة الفيديو المصورة. وخلال الأسبوع الماضي، صدر تقرير أمنستي أنترناشنال الذي رسم صورة سوداء عن واقع الحريات في المغرب، من اعتقالات ومحاكمات غير عادلة، استهدفت سياسيين وناشطين اجتماعيين وصحافيين. ولم يكن رد الدولة المغربية مثل اسبانيا أو فرنسا التي تتعهد بالحوار مع المنظمات الدولية عندما توجه لها الاتهامات وتتعهد بإصلاح الخلل، بل لجأت إلى اتهام هذه المنظمة بالتآمر ضد المغرب.ومن المفارقات العجيبة لسياسة مواجهة المنظمات الدولية ما أقدم عليه مؤخرا الوزير الناطق باسم الحكومة، مصطفى الخلفي بتأدية عشرات الآلاف من الدولارات لنشر بيان في «وول ستريت جورنال» الأمريكية للرد على تقرير لهيومن رايتس ووتش، نبه المغرب إلى خروقات حقوقية.

ونظرية المؤامرة أصبحت لصيقة الخطاب السياسي للدولة المغربية في مواجهة انتقادات المنظمات الدولية للواقع المغربي. وهكذا، فالحديث عن هجرة عشرات الآلاف من المغاربة إلى الخارج وطلب المئات منهم اللجوء السياسي هو مؤامرة، الحديث عن ارتفاع غنى بعض المسؤولين الكبار في الدولة هو مؤامرة، والحديث عن ارتفاع الفقر في المغرب هو مؤامرة، والحديث عن ارتفاع الفساد هو مؤامرة، والحديث عن التخلف الشامل للمغرب هو أم المؤامرات الخارجية. والمفارقة هو أن الدولة المغربية التي ترفض انتقادات أو بالأحرى تنبيه المنظمات الدولية تعترف وأحيانا على لسان رئيسها بخلل في توزيع الثروة، وبالفساد في البلاد، وبالتخلف في منظومة التعليم وبوقوع خروقات حقوقية. ومن المفارقات العجيبة كذلك في خطاب الدولة المغربية هي بوصلتها السياسية، بعض المسؤولين يرددون دائما «نحن أحسن من الجيران، انظروا ما يقع في محيطنا»، أطروحة سياسية غبية بامتياز، لأن من ينظر إلى ما هو أسوأ منه ويقارنه نفسه به سيبقى في مكانه وقد يلتحق بالأسوأ. ومن ضمن الأمثلة، كان الدخل الفردي في المغرب أواسط السبعينيات يتجاوز معظم الدول العربية بما فيها البترولية، وأربع مرات أقل من اسبانيا. والآن، أصبحت معظم الدول العربية تتجاوزه باستثناء الفقيرة الموارد مثل موريتانيا والسودان واليمن، وتقدم الدخل الإسباني عشر مرات على المغربي. وكان المغرب يتقدم على معظم دول أفريقيا في حرية التعبير، والآن يحتل مكانة غير مشرفة في التقارير الدولية. المنطق يتطلب تغيير البوصلة السياسية والتطلع إلى من هو أحسن، الشريك السياسي والاقتصادي للمغرب هو الاتحاد الأوروبي، وعلى المغرب الاستفادة من هذا التجمع وليس مقارنته بالدول العربية، بدون أن يعني هذا الانسلاخ من انتمائه العروبي الأمازيغي. والمنطق يتطلب الأخذ بعين الاعتبار ملاحظات التقارير الدولية بأنها انتقادات بناءة وليس التهجم على الوطن. والمأساة أنه في ظل رفض التقارير الدولية في المقابل الاحتفاء بتصريحات سياسية صادرة عن سياسيين متورطين في الفساد مثل الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي. استحضروا الثناء المزيف لساركوزي في حق الديكتاتور التونسي بن علي قبل الربيع العربي، واستحضروا لائحة جرائم بن علي التي طفت للسطح بعد الثورة.
تحليل للواقع المغربي اقتصاديا وسياسيا وأمنيا وثقافيا وحقوقيا على ضوء المعايير الحقيقية للتنمية الشاملة سينتهي إلى خلاصة رئيسية وهي «المغرب يتقدم خطوة إلى الأمام ويتراجع خطوتين إلى الوراء».