كثيرا ما نرى بواعث تذمر واحتقان بشتى تجلياتها، واحتجاجات بكل أشكالها، ما فتئت تتصاعد وتتعاظم في صفوف المواطنين، من مختلف المشارب، جراء وقوفهم على مظاهر فساد مسؤول، أو مؤسسة، هنا أو هناك، بل فساد منظومة بأكملها، لكننا نادرا ما نتساءل عن ماهية هذا الفساد، وتداعياته، فقد تتبدل المفاهيم في أذهاننا، لو ربطنا الشيء بالشيء، وقمنا بسبر أغوار هذا الإجرام الناعم، وتلمسنا خيوطه المتشعبة، من الينابيع إلى مختلف نقاط مصبها، الظاهر منها والخفي، وقريب المدى منها وبعيده.
لكن، قد يستغرق منا الأمر بحوثا ومقالات، ونضطر لأن نفرد لكل نوع من أنواع الفساد، الذي يكاد ينخر كل مناحي الحياة، دون استثناء أو تحفظ، جناحا بحثيا كاملا، عل وعسى نستوفيه حقه من الشرح والتحليل، حتى يحقق الهدف المتوخى بمستنتجات مجدية، لكون التصدي للفساد يستدعي بالضرورة، وقبل كل شيء، معرفته جد المعرفة، واستيعاب تضاريسه ومسالكه، بما يمكن من الوصول، إلى تبعاته وأبعاده، بقراءة جامعة مانعة.
لذلك، ارتأيت، في هذا المقال المتواضع، أن أكتفي برؤوس أقلام بعض النقط والمعانى، بصيغة مسترسلة، كي تساعد القارئ (ة) الكريم (ة) في ملامسة إحداثيات الصورة، حتى تكتمل في مداركه.
فقد ذكر الله تعالى كلمة الفساد في القرآن الكريم في أكثر من خمسين موضع، ما بين تحذير من الفساد والمفسدين، وإنكار لسلوكياتهم وأفكارهم.
ولا يختلف إتنان في أن الفساد بكل أشكاله، سواء تجلى في سلوك ومعاملات، الآمر أو المأمور، ينجم عنه انتهاك، لكنه، كلما صدر من مستويات عليا، كلما اشتدت وطأته على المجتمع، فانتشرت سموم الفساد فيه انتشار النار في الهشيم، فيوشك الإنسان أن يفقد أخلاقه ومبادئه وإنسانيته، ويوشك البنيان على الانهيار، والسفينة على الغرق، لذلك، جاءت تنبيهات الله تعالى معبرة وشاملة، تحذر من انتشار الفساد في البر والبحر، بما كسبت أيدي الفاسدين المفسدين.
لما يبلغ الفساد بالمجتمع مبلغه، يسود في تدبير الخدمة العمومية منطق ''عطيني نعطيك'' و ''نتا ديالي، وباك صاحبي'' و''حضي من هداك مادسروش عليك''، و''حضي من هداك لا يشبع وياكلك'' و''جوع كلبك يتبع'' و "هداك خاصو يتربى على العياقة اللي فيه، تيقولك باغي يحارب الفساد.... "، حيث متى ما اشتد عود المؤسسات على إيقاع فاسد، قوي عود المفسدين، وتكرست في ذهنيتهم ثقافة تبادل وحماية المصالح بدل ثقافة خدمة الصالح العام، بروح المسؤولية، وعلى أسس من رقابة فعالية ونزاهة الأداء...
حين يصعد المرء سلم الارتقاء، خاصة في دوائر النفوذ والمسؤولية العامة، يسعى بسبب طباع الأنانية والغطرسة والجشع، إلى الاستحواذ والتربح والسطوة والنفوذ، وإذا ما أضفنا إلى ذلك عامل الشعور العميق بالخوف من ضياع المكتسب، يصير محتكرا لمورد، وربما لموارد الارتزاق، ومن ثمة، يصير مستعبدا للناس ومتربصا بكرامتهم وبحريتهم، وهكذا، من أشد أنواع الفساد فتكا، أن يحتكر شخص ما، أو لوبي ما، أيا كان موقعه أو مكانته، منابع الفعل الاقتصادي، أو ما نسميها مصادر الرزق، فلن ينجو من هوس صناعة التحصين اللازم من ضربات أعدائه، الحقيقيين والمفترضين، فذلك الشعور سيخالج كيانه، شاء أم أبى، فيقرب إليه الموالين له، الذين كلما ازداد تملقهم وتزلفهم ونفاقهم له، كلما ازدادوا حظوة وارتقاء لديه، ويستتبعهم الدهماء، المستضعفين من حوله، وهكذا تصنع حاشية من نفوس متزلفة، مريضة مرضا لا ينفع معه علاج، لأنها تنقلب لديها معاني الحياة، وتستعدي المبادئ والأخلاق، وتخيرهم بين شراء ذممهم أو تركيعهم وتتفيههم.
وهكذا، لما تحتكر زمرة من الفاسدين أسباب الرزق وموارده، تنهمر العائدات تدفقا انسيابا في حساباتهم، فتملأ الجيوب، وتخفي العيوب، والخطير في الأمر، أن هذه النفوس، التي دأبت على التربح والاغتناء، تتملكها رغبات غرائزية جانحة، للاستمتاع بما كسبت، ويصير نمط حياتهم وشعورهم خارج السياق، فتطغى على سلوكيات صنوف العنجية والغطرسة والاستكبار.
وحين يحتكر هؤلاء المفسدون سبل الرزق والارتزاق، تتخذ تدفقات المال مسالك على حسب أهواءهم، فتجدهم بمقابل ذلك، يبخسون الناس أشياءهم، فتجف ينابيع ومسالك الاقتصاد الطبيعي، المبني على الجهد والبذل، وتتضاءل فرص الكسب الطبيعي، في مقابل انتعاش مسالك الاقتصاد الغرائزي، المبني على الاستمتاع وقوة الإغراء والخداع، في علاقة غير عادلة، يستنفع من خلالها طرف، بضرر يلحق طرفا آخر، أو يستلذ طرف بمعاناة طرف آخر.
وحيث أن الأموال تجري في الاقتصاد مجرى الدم في الشرايين، فإن ميولات من يستحوذون على تدفقات الأموال بغير عدل، وكل سلوكياتهم ومعاملاتهم في الاستهلاك، وحتى استثماراتهم، تصير الموجه الرئيسي لبوصلة الاقتصاد، فترسم مجاري الرواج الاقتصادي في المجتمع، الذي يفترسون منه، فتنتعش مجالات معينة، وتصاب أخرى بالجفاف، فإذا كان من المسلمات، أن نعترف بمنحى البذخ الاستهلاكي الذي بات يعيشه العالم برمته، فإن حالنا في هذا البلد العزيز استثنائي بامتياز، لأنه لم يخضع لتطور موضوعي في هذا المضمار، فنحن نستهلك مما لا ننتج، بل ويفوق كل ما ننتج بفرق عريض، كما وكيفا، كما أن إنتاجنا وإنتاجيتنا لا يخضعان للمبادئ الانتاجية الطبيعية، ذات قيمة مضافة حقيقية، فقد تجد ''سمسارا مخادعا'' أو مسؤولا مرتشيا، في أي من القطاعات الحكومية أو غيرها، يحقق من العائدات ما لا يحققه منتج حقيقي، بكفاحه وجهده ومثابرته، في أي من مجالات العمل والإنتاج، ولو ضاعف جهده مرات عديدة.
ولهذا الواقع ثلاثة ظواهر، أشد وقعا على المجتمعات، التي تعيش بين مطرقة الفساد وسندان الانفتاح :
1- ازدهار مجالس العهر ومشاريع البذخ والبهرجة
2- انتشار ثقافة الانتهازية الاقتصادية، بسبب كساد مسترسل في الأعمال الانتاجية الطبيعية محليا، حيث يفضل المنتج، كصاحب المعمل مثلا، إقفال أبواب معمله، والاكتفاء بالتجارة في ذات المنتوجات التي بدل أن يصنعها، يقوم باستيرادها من خارج الحدود، ويجني من ذلك أرباحا لم يكن يجني عشرها لو بقي منتجا محليا، فيغتني ماديا، فيما يتعمق العجز في الميزان التجاري للبلاد، ومن ثمة، في ميزان الأداءات، فيجر تراكم عجز، وديون السنين الخوالي، ويغرق اقتصاد البلاد في التبعية، وترتهن سياسات الحكومة بأوامر الدائنين، التي لن تخرج عن دائرة كبح جماح تقدم وتنمية المجتمع.
3- إفساد وتمييع القيم وانتشار مظاهر الإدمان، في صفوف من يعانون هشاشة بنيتهم الاقتصادية، ومن ثمة الاجتماعية، وخصوصا على الخمر والقمار، ولا يقتصر الأمر على هذه الفئة، بل حتى المنتفعين من ريعه يسقطون ضحايا الإدمان، حيث يتغدى إدمانهم على وقع غياب العلاقة السببية بين العمل والدخل، فيعم الشعور بالملل والإحباط وانسداد الأفق، وتتعقد، بل وتتميع المعاملات المهنية والتجارية بين الناس، وتصير سلوكيات المرء أقرب إلى الشذوذ، في أبشع صوره.
ففي منظومة عادلة ديمقراطية، كل يجد حظه من الرزق، وبالتالي من الحياة الكريمة، عن طريق بذل الجهد، وباعتماد معيار الاستحقاق، في ظل ''سلوك تلقائي" في احترام الكرامة الإنسانية، وقد تضمن الدولة الديمقراطية، لمن ضعف سعيهم للقمة العيش، في إطار مهامها في إعادة التوزيع، الحد الأدنى من فرص العيش الكريم، كما حث الله تعالى من لهم سعة في الرزق على العطاء، فتعم رحمة الله على الجميع، وتتحقق الثقة ويسري الاحترام بين أفراد المجتمع الواحد.
لكن في منظومة الاستبداد والفساد، حيث تستحوذ قلة على الأرزاق ومنابعها، يصنع الفقر صنعا، فتضيق ذات اليد لدى عامة الناس، وتعم فوضى الجشع والصدام والجري بكل السبل وراء الكسب والرزق، الذي يصبح نادرا وصعب المنال، فتصير كل مناحي الحياة لدى عامة الناس رهينة بهاجس ضمان مصدر الرزق، وتنتشر الضغينة وتعيش النفوس على وقع الاضطراب ونشوب النزاعات على أتفه الأسباب، وتبلغ الضغوط حد انتشار أمراض الانفصام في النفوس، الأكثر هشاشة، فتدفع بعضهم إلى ارتكاب أبشع الجرائم، التي لا يتصورها عقل سليم.
ففي ظل هذا الوضع الفاسد، الذي تتضاءل فيه فرص الكسب المشروع، ضمن مبادئ الصدق ونقاء البضاعة أو الخدمة التي يقدمها الناس بعضهم لبعض، تسقط المعاملات في براثن الغش والخداع، فمن لم يفعل، ضاع هامش ربحه، بل أفلس وضاع رأس ماله، كما تتكاثر المنافسة غير الشريفة، التي تنطوي على تدمير مبادئ التربح المشروع والموضوعي، لتحل محلها شراهة التربح الآني، والسعي إلى سرقة نجاح الآخرين، ولا حساب لمصلحة الوطن أو المواطنين.
ومن مظاهر سوء السريرة ووطأة الخداع، التي بدت خيوطها تتوضح للبسطاء من الناس، كيف أن سياستنا، باتت لعبة يلعب فيها الكثير من الإقطاعيين وصناع الإقطاع، الذين يشغلون مناصب قيادية في أحزاب صنعت على مقاس معين، ومنهم الكثير ممن يتبوأ مقعده نائبا عن الأمة، استحوذوا على آلاف الهكتارات، وبالقانون، بدعوى تشجيع الاستثمار، وصاروا ملاكا لأراضي شاسعة، لم يقم غالبيتهم بالاستثمار عليها، بل أصبحت بيدهم وسيلة لاستعباد البسطاء، وللمضاربة والتربح الآني، بل والسطو من خلالها على مساعدات عمومية، مالية وعينية، فيما ظلت آلاف الأسر من الفلاحين معوزة معدمة، يعيشون على وقع الصدام والصراع، تحت بصر رجال سلطة وقضاة شباب، كثير منهم ينظر للوضع بحسرة وألم، ومنهم من ينغمس في اللعبة، وكلهم، لا يملكون سوى أن يقمعوا من يحتج منهم ويحاكموهم، لأن دائرة نفوذهم وسلطتهم لن تخرج عن منطق قانون، يعتمد قرارات المؤسسات، ولا يعير للإنسانية ولحقوق المستضعفين كبير اهتمام.
فهؤلاء الإقطاعيون الريعيون، قد زادوا السياسة ببلادنا تعكيرا وميوعة وانحلالا، بسبب تنامي قوة إمكانياتهم ونفوذهم، حيث أن فراغ عقولهم من أخلاقيات الفعل السياسي، ودخولهم حلبة السباق بهاجس الظفر برئاسة الجهات والغرف والمجالس، وفر لهم فرص ضمان الحصانة والحماية، بل مزيدا من فرص الاغتناء والاستحواذ، وصنعوا لنا شريحة سياسة عريضة من ''البانضية والشلاهبية''، بات كثير منهم قادة لأحزاب سياسية وجمعيات متنفعة، مما ساهم في تخريب ما تبقى من قيم النزاهة والمسؤولية السياسية في عقول جل من دخل غمار السياسة، حيث أصبح العمل السياسي والتقرب من دوائر القرار مرادفا للاغتناء والمكانة الاجتماعية المرموقة، وكل ابتعاد عن السياسة تهديدا وتقويضا للمصالح والمزايا.
ومن تجليات الفساد كذلك، استحواذ لوبيات متنفذة على قطاعات اقتصادية بأكملها، من تجارة المحروقات، إلى صيد وتجارة الأسماك، إلى تجارة الخضر والفواكه، إلى مواد البناء، إلى صناعات ثانوية أخرى، حيث تحدد أثمان المواد كما تشاء، وتستفيد من قربها من دوائر القرار السياسي والمؤسساتي، التي تتواطأ معها لتبادل المنافع الشخصية، وهكذا، تشتغل ماكينة الاقتصاد الوطني بالمقلوب، فترتفع الأثمان وتضمحل الجودة، ويمارس الاحتكار بخطة محكمة، ويجد الوافد الجديد (مستثمرا كان أم مهنيا) صعوبة شديدة لضمان مكانته ضمن هذه اللوبيات الجهنمية، بالوسائل الموضوعية من إبداع وعطاء ومصداقية، فإما أن يقترف مع هؤلاء ذات الأفعال غير القانونية، وإما أن ينسحب في هدوء، بعدما يتلقى ضربات خسائر إنذارية، وإما أن يقاوم إلى أن يخسر كل أمواله، وقد يزج به في السجن أو يصيبه الجنون.
إنها سياسات فاسدة تحريضية لا يمكن أن تحصل إلا بمباركة الدوائر التي بيدها الحل والعقد، سياسة تفتقد إلى المبادئ، تستغل فيها كفاءات عديمة المروءة والقيم والإنسانية، فتصنع الفساد وتنميه، وتنشر بين الفاعلين ثقافة الربح بلا أخلاق، لتبرر لهم أفعالا ما أنزل الله بها من سلطان، حتى لو وضعت لهم أعتى نماذج الضبط القانوني والمؤسساتي، فإن المخارج متاحة، مادام التواطؤ سيد الموقف.
فكم حزنت حين سمعت بشخص، تورط في تمويل الإرهاب، عن طريق الاتجار بمواد فاسدة، لأنني لم أخشى من جريمة تمويل الإرهابيين، فلدينا ولله الحمد من يتكفل بجرائمهم وبكفاءة عالية، إنما كان حزني حيال ضحايا هذا المجرم، ومن أمثاله الكثيرين، منذ متى وهم يزودون الناس البسطاء، بهذه الأطعمة الفاسدة، ويروجونها بينهم على أنها مواد صالحة للاستهلاك، فيتناولها البسطاء، المتعطشين لكل ما هو زهيد الثمن، وهم لا يكترثون لخطورتها، فيصيبهم الضر، وعلينا أن نتذكر كيف يعاني الأطباء الأمرين، خاصة في المراكز الصحية النائية، والمدن ذات الكثافة السكانية، نتيجة ارتداد أعداد غفيرة من المواطنين على تلك المراكز الصحية، بأعداد تفوق طاقتها الاستيعابية، وغالبية آلامهم نتيجة أمراض باطنية، سرعان ما تتطور إلى أمراض مزمنة، كالفشل الكلوي والسرطان، بمختلف انواعه، وغيرهما، ولا جدل في أن أهم الأسباب في ذلك، يرجع بالأساس إلى نمط تغذيتهم، وتناولهم لمواد فاسدة، فكم من الآثام يحمل على عاتقه ذلك المجرم، وما هو مبرره أمام خالقه، وأمام وطنه وأمام الناس، خاصة وأن المسؤولين لم ينتبهوا إلى أفعاله إلا بعد أن ارتبطت جريمته بالإرهاب.
وكم تملكني من امتعاض وإحباط، حين طالعت أخبارا منمقة مخادعة، لسياسي، يدعي النضال من أجل خدمة الشعب، يحاول أن ينتفض ضد سوء تدبير زعيم حزبه، لأنه لا يعلم بأننا نعلم، كيف أنه متورط في الاستحواذ على مئات الهكتارات من الأراضي السلالية، ليحرم ذوي الحقوق منها، وقد عاش أجدادهم وترعرعوا في تلك الأرض، يحرثون منها قسطا، وترعى أغنامهم على عشب قسط منها، سالمين مسالمين، فإذا به، وبفضل نفوذه المخزي، سخر الآلة المؤسساتية الجهنمية، التي لا يعرف هؤلاء الفلاحين البسطاء لها سبيلا، فجعلهم بين عشية وضحاها أشخاصا في وضعية احتلال، ليتم طردهم، بأمر قضائي مشمول بالنفاذ، وبدعم من السلطات العمومية.
وكم تملكني من السخرية والاحتقار، في وجه ذلك الزعيم ''الرياضي''، الذي يتبجح باقتناء سيارة فارهة لابنه المدلل، بخمسمائة مليون سنتيم، ولا يدرك بأنه، إذا ما تمكن من شراءها بذلك المبلغ، إنما بمقابل ذلك، هناك أسر، لم تجد بما تسد به رمق عيالها، بل بسبب قدرته على جمع كل تلك الأموال، إنما دفع بالمئات من الأسر إلى الفقر المدقع، الذي يولد الإجرام والكفر والانحلال، ثم يعتقد بأن ما جناه من أموال، إنما رزق وهبه الله له، ألا إنه ''الخواض'' والاحتكار والفساد، من ساعده كي تتوفر له ولأمثاله كل تلك الأموال، ليدفعوا بها عملة صعبة خارج اقتصاد الوطن، ويتمكنوا من جلب تلك السيارات الفارهة ونحوها، حتى يتباهوا بها هم وأبناءهم أمام الناس، إنه الضمير الأناني والفراغ الروحي والفكري، الذي يصنع الفوارق والضغائن والاحتقان من حيت لا نشعر.
وأتذكر شخصا، شغل منصب قاض بالعاصمة الاقتصادية، لأكثر من ثلاثين سنة، بنى ثروة تكاد تقترب من مائة مليار سنتيم، من أراضي وضيعات وفلل وعمارات، وحين دنى أجله، وجد نفسه أمام إبن، وقد أصيب بإدمان على المخدرات الصلبة، لا يصحو من غفوته، حتى يتناول جرعة تعيده لسابق عهده، وبنت سئمت الوضع، وهاجرت إلى الديار الأمريكية، ولم تحضر حتى جنازته، بل ورفضت المطالبة بحقوقها في الإرث، فتكالب على الشاب سماسرة ''الهموز'' وقد بيعت الكثير من العقارات بأبخس الأثمان وبطرق ملتوية، وكان تجار المخدرات الصلبة أغلب المقتنين لها.
وأتذكر سمسارا فاسدا، في هيأة مقاول، بدأ منذ حوالي الخمسة عشر سنة في مجال الأشغال، لم يكن يملك آلية واحدة، وبفضل جهود خمسة من عماله، الذي بدأوا معه المشوار بكد وعمل، وأصبحوا مسيرين لأوراشه المترامية، أصبح يملك أكثر من خمسمائة آلية، ليقوم عبر تسخيره لبلطجية بوضع خطة للانتقام منهم، حيث أجبر هؤلاء العمال، على الغش في المكونات وفي عملية بناء بعض القناطر، ولما افتضح أمر ذلك الغش، وجدها فرصة سانحة للانقضاض على هؤلاء العمال وعلى مصدر رزقهم، بل زج بأحدهم في السجن، حيث لم يكتفي بالفساد في بناء مغشوش، تسبب في قتل أبرياء خلال شتاء السنة الفارطة، بل طرد عماله، عماد ثروته، الذين أفنوا زهرة شبابهم لتنمية مقاولته الفاسدة، وطردهم بلا حقوق ولا مستحقات، لا لشيء إلا لكونهم باتوا يزعجونه ويذكرونه بماضيه الفقير، فقد أصبح يملك مفاتيح مؤسسات الدولة، كما صرح بنفسه أمامهم، بدءا بالظفر بالصفقات بسلاسة ودون ضوابط، إلى التسبب في قتل الأبرياء، الزج بعماله في السجون، بالوثائق والحجج، وتعليمات قضائية، مؤدى عنها.
تلك أمثلة، وغيرها كثير، لا يسع المقام إلى ذكرها، لكنها تختزل حجم المعاناة التي يكابدها المواطنون البسطاء مع عتاة الفساد والإقطاع، الذين باتت كل المدن والقرى، صغيرة أو كبيرة، وكل المؤسسات تقريبا، تئن تحت وطأة جرائمهم وميولاتهم، حيث صارت أيديهم مطلقة النفاذ على مصير البلاد، منقضة على رقاب العباد، تحميهم قوانين ومؤسسات الدولة ذاتها.
لذلك، أقولها لمن قدر واعتبر ممن أسقطوا البلاد في براثن الفساد، اعدلوا واضبطوا سلوككم بضوابط الاعتدال وقيم المواطنة قبل فوات الأوان، واتركوا للناس فرص الاسترزاق الطبيعي، دون احتكار أو سطو ، فإن ذلك، على شرعيته ظاهريا، يعبد الطريق نحو الانفجار، فالغلو والجشع والأنانية منبع المفاسد كلها، ومفرزة للظلم والعدوان، فإذا عم الفساد، حق القول على الأمة، فدمرها الله تدميرا.
وعلينا أن نعي بوضوح بأن تبعات الفساد كبيرة ومفعولها بعيد المدى في المجتمعات، لأنه ينبث فيها شرائح اجتماعية، يتمتع أفرادها بنفسية متوحشة نهمة، منهم من هم على أعلى المراتب، ومنهم ما دون ذلك، فاستعدادهم لارتكاب الجرائم في حق الشعب برمته، لا يحتاج سوى لتعليمات فوقية، وبالتالي، ليست بحاجة سوى إلى غطاء من الدعم السياسي ونحوه، وآنذاك، تستباح الأرواح البريئة، فلا يمكن أن ننسى، ونحن نطالع تاريخ بلادنا الحقيقي، وليس المزيف، كيف تم استغلال المجرمين وقطاع الطرق، في الانتقام من الخصوم السياسيين خلال النصف الأخير من القرن الماضي، وثم القضاء على طاقات كانت ستمنح البلاد قوة إضافية في تحقيق الديمقراطية والتقدم والرقي، فكان لذلك وقع سلبي كبير على تطور النسيج الاجتماعي المغربي، ولا زال بعض المسؤولين من ذوي تلك العقلية البائدة، يمارسون ذات النهج والأسلوب، ولو خفية وبأساليب مبتكرة، متناسين أن ذاكرة المجتمع لم تعد قابلة للنسيان أو غض الطرف، خاصة ونحن اليوم نعيش على إيقاع الفضح وصناعة الحدث، بفضل الصورة، التي تلتقط على حين غفلة.
أيها المستحوذون على أرزاق البلاد والعباد، ارحموا أنفسكم وإيانا، لا تضعوا أيديكم على أموال الناس، فإن ما تستحوذون عليه يستمتع بالزائد منه أبناؤكم، لكنه يؤذيهم في آخر المطاف، فيضعف في نفوسهم وازع الانضباط والجهد والتحصيل، وتسيطر عليهم نزعة الاستمتاع، التي تتطور إلى إدمان، وفي الآخرة، ما تجمعونه من مال، إنما حلاله حساب، وحرامه عقاب، وقد يستمتع به من كانوا ينصبوكم العداء في حياتكم، ولو من صلبكم.
أيها المسؤولون في دهاليز مؤسسات الدولة، إن فسادكم يضعف في النفوس روح الوطنية، ويفقد في الضمائر روح الانتماء للوطن، فاستحضروا قيم الإنسانية والنبل والأخوة في الوطن والعقيدة، في تعاطيكم مع حاجيات المواطنين ومتطلباتهم، فلا يقنع أحد نفسه بكون ضوابط المؤسسات تفرض سلوكا عنجهيا وغطرسة، إنها تمثيلية قذرة، فحسن سلوككم يترك في نفوس الناس خير ذكرى عنكم، ورحيلكم تذرف عنه دموع البسطاء، والعكس صحيح.
وما أحوجنا في مسيرة الإصلاح، لهامات حقيقية تدير مؤسسات البلاد، بمقاربة موضوعية، قوية الحزم والمبادئ، عاقدة العزم على العمل النبيل الصادق، لا نسمع لها من قول، بقدر ما نلمس لها من فعل نافع في الميدان، يضرب بيد من حديد على رؤوس وينابيع الفساد.
نسأل الله ان يحفظ هذا البلد من وطأة الفساد، الذي بلغ مستويات أشد من الخطر نفسه، وأوجب من الحذر نفسه...

عبد الإله الخضري
باحث في الاقتصاد والقانون
رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان