محمد مغوتي

تنزع أغلب آراء المسلمين ومواقفهم إلى اتهام الغرب بالعنصرية والتمييز ومحاربة الإسلام وغيرها من الأحكام الجاهزة التي صنعتها نظرية المؤامرة. و إذا كانت هذه المواقف تعبر عن بيئة معينة أنتجت ثقافة عدائية ترفض الآخر لسبب أو بدونه، فإن ما يثير الإستغراب في هذا الشأن هو المواقف الصادرة عن كثير من المسلمين الذين يعيشون في المجتمعات الغربية نفسها.
هؤلاء الذين اضطروا إلى مغادرة بلدانهم الأصلية بحثا عن آفاق حقيقية للعيش الكريم وهربا من الفاقة والبطالة وظروف الحياة الصعبة، أو بحثا عن فرص أخرى للنجاح والتفوق في الدراسة أو العمل... وجدوا ضالتهم في الدول الغربية التي استقبلتهم بكل ترحيب ورعاية. وهم يعيشون في دول المهجر مثلما يعيش أبناء تلك البلدان تماما في احترام تام لكل الحقوق المادية والمعنوية التي تكفلها القوانين وتنظمها التشريعات والأنظمة الجاري بها العمل هناك. كما أنهم يجدون كل الحرية في ممارسة معتقداتهم وطقوسهم وواجباتهم الدينية بدون تضييق، وهو ما يمكن أن يفتقدوه في مواطنهم الأصلية. بل إن مئات الآلاف من المسلمين تمكنوا من الحصول على جنسيات البلدان التي يقيمون فيها سواء في فرنسا أو ألمانيا أو إنجلترا أو الولايات المتحدة الأمريكيةأوأستراليا وغيرها.... وذلك امتياز يخول لهم حقوق المواطنة كاملة...
ورغم كل هذه الإمتيازات التي يحظى بها المسلمون في الغرب، فإنهم لا يعترفون بفضل أهل الدار، بل إن سمفونية التكفير والشيطنة والعدائية تعزف هناك أيضا بنفس الإيقاعات والألحان التي نسمعها عندنا. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد فحسب، بل أصبح المسلمون في الغرب يشكلون عبئا لا يطاق وهاجسا أمنيا خطيرا بسبب سلوك الإرهاب الذي يهدد أمن هذه الدول. وفي كل البلدان الغربية التي تعرضت لعمليات إرهابية خلال السنوات الأخيرة كان المنفذون من المسلمين الذين تحصلوا على جنسيات الدول التي يعيشون فيها، وذلك بدءا بتفجيرات 11 شتنبر الشهيرة في الولايات المتحدة، مرورا بتفجيرات قطارات مدريد ومترو لندن، ووصولا إلى عملية احتجاز الرهائن مؤخرا في سيدني الأسترالية وعملية " شارلي إيبدو" في باريس.
المجتمعات الغربية تتسع لجميع الأعراق والأديان والمعتقدات والثقافات بدون تمييز ولا اختيار، لأنها ببساطة شديدة وفية لمبادى العلمانية التي تتأسس على الحرية والرقي بالقيم الإنسانية الكونية المشتركة. إنها تحتكم إلى قواعد قانونية تنتصر للإنسان وليس للتلوينات والإنتماءات العرقية أو المذهبية. وكل المكونات الإجتماعية التي تعيش في هذا النسيج تتمكن من الإندماج في الثقافة الغربية إلا المسلمين، فهم يشكلون استثناء يستعصي على الفهم. إنهم يطالبون بالحقوق (وهي مضمونة هناك على كل حال)، بل يريدون قوانين على مقاسهم ووفق أهوائهم...ولكنهم لا يلتفتون إلى الواجبات. وهم ينظرون إلى برامج إدماج المهاجرين في الحياة العامة بمثابة استهداف للخصوصية الدينية للمسلمين. لذلك فهم يريدون كانتوهات خاصة بهم، لأن كل ما تنتجه الثقافة الغربية ينتمي إلى الشيطان وينطق بالكفر. وهنا تحضر المفارقة العجيبة، فإذا كان الغرب يستهدف المسلمين ويحاصرهم، فلماذا يزداد عدد المهاجرين من بلاد الإسلام إلى الدول الغربية باستمرار؟. لماذا لا يغادر ( هؤلاء الذين يسبون الغرب ويرفضون قيمه ) بلدان الكفر التي يقيمون بها؟. لماذ لا يعودون إلى مواطنهم الأصلية؟.ماذا يريد المسلمون تحديدا؟. هل يريدون أسلمة الغرب؟. هل يحنون إلى عنتريات الفتوحات؟...
إنها أسئلة للتأمل. وهي تطرح نفسها بإلحاح بوحي من طبيعة المواقف التي يعبر عنها المسلمون والسلوكات التي يمارسونها. وهي حقيقة تعبر عن ازدواجية خطيرة في عقليات لا تتورع عن أكل الغلة وسب الملة.