في المغرب كما في مصر وفلسطين وغيرها من البلدان العربية والإسلامية لا حديث هذه الأيام عند البعض إلا عن أزمة واقع سياسي وانسداد لأي أفق إصلاحي أو أمل يرجى بالتغيير، سواء من جانب الأطراف الحاكمة أو حتى من تلك التي تتسيد المشهد المعارض، الشيء الذي يجعلهم يفكرون في بدائل تخرج المنطقة حسب رأيهم من المأزق الذي ترزح فيه بلداننا، أو كما أسموه بالخيار الثالث الذي يعارض الأنظمة دونما حاجة إلى أي تحالف أو تنسيق مع الأطراف المعارضة الرئيسية ذات اللون الإسلامي في أغلب الأحيان.

هذا التشخيص الذي تطرحه عدد من النخب اليسارية أو القومية أو حتى اللبيرالية يرمي إلى تجاوز تلك الثنائية التي حكمت منطقتنا بين النظام الرسمي العربي والتيار الإسلامي طيلة هذه السنوات، والتي يُقَدِرون أنها واحدة من أهم المعيقات التي تحول دون تغيير حقيقي، لكون النظام الدولي والتوازنات التي يفرضها لا تسمح بوجود مكون إسلامي ضمن أية معادلة تغييرية في بلداننا، كما أن التيار الإسلامي بالنسبة لهم مطعون فيه ومشكوك في نواياه ولا يمكن أن يكون بديلا مقبولا لديهم، لأنه على حد زعمهم يعادي قيم حداثتهم المزعومة، والأهم من كل ذلك أن صورة المشهد بشكله الحالي لا يمكن لهم استساغتها بحال، لأنها تلقي بهم على هامش الأحداث دون القدرة على القيام بأي فعل أو إحداث أي تأثير والاكتفاء فقط بمتابعة المشهد كمتفرجين، وفي أحسن الأحوال مثل الكومبارس وهم من كانت لهم صولات وجولات فيما مضى.
لا ننكر على أصحاب هذا الرأي حقهم في أن يكون لهم تصورا متفردا وبصمة خاصة وألا يظلوا رقما مهملا في الساحة، ومن حقهم أن يرفضوا السائد ويطمحوا لما يرونه مثالا يتناغم مع ما يتبنونه من قناعات، ولا يسعنا إلا تقبل ذلك خصوصا إذا تشبثوا بمواقف مبدئية من الأنظمة الفاسدة ورفضوا التطبيع معها، غير أن الواقع يقول شيئا آخر وممارسات كثير منهم في هذا الصدد تثبت أن الكلام النظري شيء والتطبيق شيء آخر.

فعلى الرغم من الإسهاب في الحديث عن خط ثالث، فإن كل محاولاتهم تذهب أدراج الرياح وكل ما طرح من بدائل أو سعي للتكتل يخفق بسبب عدم جديتهم وبسبب غياب حافز قوي متمثل في حيازة مشروع حقيقي يفرض نفسه على الساحة، وليس الاكتفاء بردود الأفعال الناجمة عن الفوبيا من الإسلاميين والعجز عن منافستهم شعبيا والدعوة، رغم الشتات الفكري والسياسي، للتوحد فقط لمواجهة الحركة الإسلامية، الشيء الذي يفشل أي مسعى للارتقاء بمشاريعهم لأن بدائلهم لا ترتكز على أسس متينة، وهذا ما يؤدي إلى عدم قدرتهم على بذل مجهودات ميدانية في سبيل ما يطمحون إليه، والاكتفاء بدلا من ذلك بالتنظير في الصالونات والمقاهي الشيء الذي يؤدي إلى نتائج معكوسة، فكلما تحدثوا عن الوحدة زادت صفوفهم فرقة وشتاتا.

كما أن ما يعيب مقاربتهم تلك، النفس العدواني الذي يطغى عليها تجاه تيار أصيل له جمهوره والتعامل معه بازدراء وعنصرية، فلئن كان مفهوما أي موقف ضد الأنظمة مهما بدا حادا، فلا شيء يبرر تلك النزعة الاستئصالية والروح الإقصائية تجاه جسم يحظى برصيد شعبي ونضالي مهم حتى لو كان الاختلاف معه كبيرا، ولا شيء يبرر الإصرار على التنميط غير المنهحي لجميع العاملين في الساحة الإسلامية ورميهم بالتطرف والتخلف دون استثناء، ثم رفض أي أسلوب للتعاون معهم وإقصاؤهم من أي مبادرة، وإن تنازل البعض منهم وقبل التنسيق أو الحوار مع الطرف الإسلامي، فهو يمارس بحقه قدرا كبيرا من الابتزاز والأستاذية.

ينبغي الإشارة أيضا إلى أن مجرد الكلام عن خط ثالث مستقل عن التيارات المتصارعة ويقف موقفا محايدا منها هو حديث غير واقعي، لأنه يستحيل للتكتلات العاملة في الساحة أن تظل على حالها كالجزر المعزولة، فسرعان ما يقع الانجذاب والتقارب بين البعض منها، وهو ما يحدث عند هاته النخب ولكن للأسف الشديد في الاتجاه المقابل، فتكون السلطة في الغالب هي الأقرب إليهم، ويمكن تلمس هذا الأمر في تصريحات عدد منهم، حين يساوون أحيانا بين الأطراف الحاكمة وبين التيار الإسلامي وفي أحيان أخرى يعلنونها بسفور في أن الأنظمة أرحم لهم من الإسلاميين، وينعكس كلامهم هذا على مستوى مواقفهم من كثير من القضايا كما في شرعنتهم للانقلاب الدموي على ثورة 25 يناير في مصر وسائر الانقلابات العسكرية السابقة بحق الإسلاميين في تركيا والجزائر، وفي مباركتهم لجل التجارب الاستئصالية في المنطقة، وفي رضا بعضهم أن يتماهوا مع سلطات بلدهم لدرجة أنهم يصبحون جيوبا للسلطة سواء على المستوى السياسي أو الثقافي أو الفني أو غير ذلك. وحتى وإن لم تتورط قطاعات منهم في كل ما سبق، فإن الملاحظ أن حظها من القمع محدود جدا مقارنة بالفاتورة الثقيلة التي تدفعها الحركة الإسلامية الشيء الذي يجعلها لا تجازف في أي عمل مشترك مع الإسلاميين، فهي تدرك الخطوط الحمراء جيدا ولا تفكر في تجاوزها.

أخيرا فإن من يريد تغيير الخارطة السياسية والمجتمعية في المنطقة حقا وتجاوز الثنائية المسيطرة على الواقع، عليه أن يقدم إجابات حقيقية للإشكالات التي تعترض أمتنا بعيدا عن تصريف الأحقاد ومنطق تصفية الحسابات، وأن يتفاعل مع هموم مجتمعه ويبذل من جهده ووقته ما يؤهله لإحداث اختراق في المشهد، أما إذا كان القصد من وراء لوك هذه الشعارات الحالمة هو التنفيس عن أزمته مع الإصرار على البقاء في برجه العاتي والاستعداد للمساومة على مبادئه إذا وجد من يقدم له شيئا فتلك مسألة أخرى