يُجمع أغلب المتتبعين على أن مجتمعات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ما تزال غارقة في الفتن وبعيدة عن قِيَّم الحداثة وحقوق الإنسان، مما يطرح أسئلة عديدة حول أسباب ذلك، ويجعل من الصعب التنبؤ بمستقبلها. ومهما كانت أوضاع الشعوب صعبة ومتخلفة، فإنه يمكنها أن تجتازها وتشق طريقا لنفسها، لكن من العسير معرفة تاريخ حدوث ذلك وكيفية حدوثه. وفي حالتنا، ما دمنا لا نبدع ولا نبتكر، فقد يكون ذلك مؤشرا على سيرنا نحو الانقراض. فنحن عجزنا عن طرح أغلب الأسئلة المتعلقة بأسس تراثنا الثقافي، ولا نملك الطاقة الإبداعية لبناء مجتمع حداثي ديمقراطي، ولا المشاركة في بناء الحضارة العالمية...

ويكمن سرَّ هذا الجمود في عوامل كثيرة يجب دراستها من زوايا وحقول معرفية عديدة ومتنوعة لتجديد الذات والحياة بقراءة التراث الثقافي واستيعابه وتخطي عائق عدم القدرة على صياغة أسئلة جذرية حول الدِّين، والعلاقة بين الديني والسياسي، والأنا والآخر، ووضع المرأة... والكف عن تهميش هذه الأسئلة وكبتها، أو الاعتقاد بأن الوقت لم يحن بعد لدراستها.

يبدو لي أن التأويل السائد للنص الديني في تمفصله مع السلطة هو الذي حوَّل حياتنا وثقافتنا إلى ثقافة قبول وخضوع، ويحول دون طرحنا للأسئلة، وبالتالي يُبعدنا عن ممارستنا لحريتنا...

كما لا يمكن أن تصير مجتمعاتنا حديثة بدون تقويض جدران السجن الفكري الذي يأسرها، وبدون هدم البنيات الثقافية التقليدية التي ينهض عليها النظام الاجتماعي.

لا يعني ذلك مناهضة الدِّين، فهو حاجة عميقة وأساسية لتنظيم علاقة الإنسان بالغيب. لذلك، فأنا لست ضد الدِّين أياّ كان هذا الدين، وإنما ضد تأويله خطأ واستخدامه لغايات سياسية واقتصادية واجتماعية لا علاقة لها به، وذلك ما يشكل اعتداء على الإنسان وعلى الدين ذاته...

التأويل السائد هو أن الحقيقة في النص، بينما الحقيقة في البحث في العلاقة بين الفكر والواقع إلى ما لا نهاية. فليس ممكنا أن تكون الحقيقة محصورة في اللغة، لأن ذلك يشكل عنصرا أساسا في تغييب العقل وحرية البحث أيضا. وقد ابتكر المسلمون الأوائل أنفسهم مفهوم التأويل ليقولوا إن الحقيقة ليست في النص أو في اللغة. فالنص شكل من أشكال الحقيقة. وبما أنه كذلك، فالحقيقة تتغير وتتجدد باستمرار. لذلك فإن النص الديني ليس مصدرا للمعرفة، يل إنه موضوع لها. وهذا ما جعل القراءة السطحية لهذا النص تُحوّل الإسلام إلى دين بدون ثقافة...

ينبغي أن يقوم المثقفون بالبحث في النص عن الحقيقة، لكن كيف يمكنهم مواجهة التيار التقليدي الذي يمتلك حرية التعبير ومنابرها، كما أن له الحق في الإفتاء والتكفير...؟ إن هذه المسألة سياسية، وما يجب أن يقوم به النظام السياسي هو أن يكون حَكَما لا طَرَفا. ويتأتى ذلك بقيام الأنظمة على إعطاء الحريات لجميع الأفراد. لكن، للأسف، فإن النظام السياسي في منطقتنا يتحالف مع التأويل الديني التقليدي السائد ضد الحريات وحقوق الإنسان، كما أنه طرف ضد الحرية رغم أن ذلك ليس من مصلحته؛ فهو متضرر من ذلك، ومع ذلك لا يعطي الحرية للحداثيين ليناقشوا هذه التيارات الدينية بشكل كامل. إنه يعطى الحرية لذوي النزعة التقليدية والانغلاق، ويمنعها عن الحداثيين، والأجدى له عمليا أن يترك الناس يتحاورون في مختلف القضايا الدينية... ويكون حَكَما لا طَرَفا.

يجب الاعتراف بدور المثقف في البحث بحرية عن الحقيقة التي هي أمامنا وليست وراءنا. ويقتضي هذا أن يرى النظام أن الثقافة هي ما يمنح الحياة، وأن المثقف ليس موظفا، بل إنه باحث حرّ عن الحقيقة.  لكن ارتباط السياسي بالديني عندنا يُبدي قول الحقيقة بمثابة زلزلة للبنية الدينية النظامية، ويؤدي إلى معاملة حرية التفكير وكأنها اعتداء جسدي. وهذا ما لم يعد موجودا إلا في ظل البلدان المتخلفة...

لا تستطيع أنظمتنا رؤية الخطر الذي يقرع أبوابها، وعندما يكون النظام طرفا بهذه الطريقة ولا يرى ما يُحدق به من أخطار، فهو يبرهن على أن سلطته لا ديمقراطية، وأنه لا يقوم على سلطة العقل والحرية، حيث تنهض سلطته على العنف والتحالف مع القوى التقليدية، وليس بتفويض من الشعب. وهذا ما حال دون قدرتنا على التقدم مع حركة الزمن، وجعلنا نوجد اليوم في قلب الكارثة، حيث لا نبدع ولا ننتج، ولا نبني ذاتنا ولا نساهم في تقدم الحضارة الإنسانية. إننا مجرد كراكيز، إذ لا نمارس سوى العنف والقتل والإرهاب ضد الآخر وضد بعضنا البعض، ما أفضى إلى تفتيت بعض أوطان منطقتنا وجعل صورتنا تبدو كارثية ومهينة...

لقد حوّلنا تعددنا الثقافي إلى صراع للهويات، فتحول الغنى الثقافي لمنطقتنا إلى عامل أساس لتشظِّي العديد من أوطانها، بسبب طغيان الواحدية الرافضة للتعدد، مما يُولِّدُ فتنا مدمِّرة لكل شيء.